آخر الأخبار

ببيادق جنوبية .. هكذا تحاول السعودية رسم خارطة "اليمن المجزأ" 

شارك

وفيما يرفع علم الانفصال في كافة المرافق والفعاليات التي تشهدها المحافظات الجنوبية، رفعت الأعلام ذاتها في الجلسات التحضيرية لمؤتمر الحوار الجنوبي الذي ترعاه الرياض، في دلالة واضحة على أن الرياض ليست في وارد ما ظلت تردده كشعار في خطابها السياسي والإعلامي على مدى سنوات، حول "وحدة اليمن وسلامة أراضيه".

وفي مشهدٍ حمل دلالات سياسية تجاوزت سقف الهتافات المنددة بمحاولة اغتيال القائد العسكري البارز حمدي شكري الصبيحي، شهدت "ساحة العروض" في عدن الأسبوع الماضي تظاهرةً غير مسبوقة، رُفعت فيها أعلام الانفصال جنباً إلى جنب مع العلم السعودي، وهو ما اعتبره محللون "إشهار سياسي" لمرحلة جديدة من الصراع، تسعى فيها الرياض لإعادة صياغة المشهد الجنوبي بعيداً عن عباءة الإمارات والمجلس الانتقالي المنحل، ووفق هندسة جيوسياسية تؤسس لكيانات ممزقة تضمن من خلالها المملكة نفوذاً مستداماً.

وتشير القراءة الفاحصة للتحركات السعودية الأخيرة إلى تحول استراتيجي في إدارة الملف اليمني، فبعد سنوات من التمسك بمرجعية "الوحدة اليمنية" كشعار ديبلوماسي، تبدو الرياض اليوم أكثر ميلاً لتبني "مشروع انفصال" بمواصفات خاصة.

ومن خلال محاولة المملكة السيطرة على الأطراف الموالية للإمارات، فإنها لجأت إلى التجاوب مع هذه الأطراف المنادية بالانفصال، كنوع من الطمأنة لها بأن الرياض مستعدة لمنحهم ما كانت أبو ظبي تعدهم به، ولكنها في الوقت نفسه تعمل على "احتواء" هذه الأطراف، وفي المقابل دعم الأطراف الموالية لها، فمن خلال دعم مكونات عسكرية مثل "درع الوطن" وحواضن قبلية في لحج وعدن، تحاول السعودية سحب بساط "تمثيل القضية الجنوبية" من تحت أقدام المجلس الانتقالي المنحل فعلياً في حسابات القوة على الأرض، لتقدم نفسها كراعية لمشروع انفصال "ممنهج" لا يخضع للهيمنة الإماراتية.

ولا يتوقف المخطط السعودي عند حدود إضعاف الانتقالي في عدن، بل يمتد ليشمل الركيزة الأساسية في رؤيتها لليمن القادم: فصل المحافظات الشرقية عن الجسد الجنوبي والشمالي على حد سواء، وقد بدا ذلك جليا من خلال البيانات الصادرة عن كيانات حضرمية مدعومة سعوديا، مثل "حلف قبائل حضرموت" و"مؤتمر حضرموت الجامع"، والتي تشدد على أن حضرموت "طرف مستقلاً" ولن تكون تابعة لأي مركز نفوذ في صنعاء أو عدن، لتمثل تلك البيانات الترجمة العملية للمشروع السعودي، حيث أن هذا التوجه يهدف إلى عزل الكتلة الجغرافية والاقتصادية الأهم (حضرموت والمهرة) وتحويلها إلى أقاليم تدور في الفلك السعودي مباشرة، بعيداً عن أي مشروع دولة جنوبية موحدة قد تشكل مستقبلاً عائقاً أمام الطموحات السعودية في الوصول إلى بحر العرب عبر مد أنابيب النفط أو تأمين حدودها الجنوبية بكيانات هشة وموالية.

ويرى مراقبون أن الصيغة السعودية للانفصال تختلف جذرياً عما كانت ترمي إليه الكيانات الانفصالية المدعومة إماراتيا؛ فهي لا تتضمن ما يسمى "استعادة دولة الجنوب" بحدود ما قبل 1990، بل إلى إنتاج "جنوب مشظى" داخلياً، مشيرين إلى أن سياسة الرياض تعتمد على ما يمكن تسميته "الفيدرالية الجهوية" التي تحول الجنوب إلى أقاليم متناحرة (إقليم عدن، إقليم حضرموت، إقليم المهرة)، مما يضمن منع قيام سلطة مركزية قوية سواء في الشمال أو الجنوب، قادرة على اتخاذ قرار سيادي مستق، ويلبي طموحات السيطرة المنفردة من خلال تحويل هذه الأقاليم إلى "محميات" تعتمد كلياً على الدعم المالي والعسكري السعودي للبقا، بالإضافة إلى تفكيك الكتلة العسكرية عبر ضرب المكونات المسلحة ببعضها البعض,

ويضيف المراقبون أن السعودية من حلال إتاحة المجال واسعا أمام الدعوات الانفصالية على الأرض وفي أروقة السياسة تحاول خداع المكونات الانفصالية عبر إيهامها بدعم الانفصال وفقا للصيغة التقليدية، غير أن الأمر في حقيقته هو إعلان عن دخول الجنوب اليمني نفق "التدويل والمناطقة"، ففي حين أن السعودية اليوم لا تحارب الانفصال، إلا أنها تعيد تعريفه بما يخدم مشاريعها وتطلعاتها التوسعية، محولةً حلم الانفصال لدى تلك المكونات إلى كابوس من التمزق الذي قد يجعل من جنوب اليمن مجرد "خارطة من الكيانات الوظيفية" التي تدار من خلف الحدود.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا