آخر الأخبار

في مواجهته لواشنطن وتل أبيب.. اليمن يكسر احتكار القوة ويصعد للصف الأول

شارك

أحد أكثر الأخطاء شيوعاً في مقاربة الصراعات الممتدة هو التعامل معها كوقائع منفصلة أو أحداث مفاجئة. في الحالة اليمنية، يكشف تتبّع المسار الزمني أن ما يحدث اليوم هو نتيجة منطقية لتراكم طويل، لا يمكن فهمه خارج سياق التدرج في المواجهة، سواء على مستوى الخصوم أو على مستوى الأهداف.

فالصراع لم يبدأ عند حدود الإقليم، ولم يقفز مباشرة إلى مواجهة مع الولايات المتحدة أو الكيان الصهيوني. بل تشكّل عبر مراحل متتابعة، ارتبطت كل منها بطبيعة التهديد القائم في حينه، وبالبيئة السياسية التي سمحت بانتقال الصراع من مستوى إلى آخر.

في مرحلته الأولى، تمحورت مواجهة أنصار الله حول قوى محلية وُصفت بأنها تمثل امتداداً لمشروع الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية داخل اليمن. لم تكن هذه المرحلة صراعاً على السلطة فحسب، بل صراع على تعريف القرار الوطني وحدوده. وقد اتّسمت هذه المواجهة بعدم التكافؤ، سواء في الإمكانات أو في الغطاء السياسي، إلا أنها شكّلت مرحلة تأسيسية أعادت تشكيل ميزان القوى الداخلي.

وفق هذا التصور، لم يُنظر إلى الانتصار في هذه المرحلة بوصفه احتمالاً مفتوحاً، بل كمسار حتمي تحكمه عوامل الصمود، وتآكل شرعية الخصوم، وتغيّر المزاج الشعبي. وكان الزمن هنا عنصراً حاسماً، إذ تحوّلت سنوات الاستنزاف إلى أداة لإضعاف البنية التي استندت إليها تلك القوى.

مع انتقال الصراع إلى مستوى إقليمي، دخلت المواجهة طوراً أكثر تعقيداً، حيث أصبحت اليمن ساحة اشتباك مفتوح مع تحالفات تقودها قوى إقليمية كبرى، مدعومة سياسياً وعسكرياً من الولايات المتحدة. هذه المرحلة لم تكن خروجاً عن المسار، بل امتداد طبيعي له.

ورغم الكلفة الإنسانية والعسكرية العالية، جرى التعامل مع هذه المرحلة باعتبارها اختباراً لقدرة المشروع على البقاء والتماسك. ومع مرور الوقت، تعززت القناعة بأن الحسم العسكري السريع مستحيل، وأن ميزان الصراع يتجه نحو معادلة استنزاف طويلة الأمد، تُفقد الخصوم قدرتهم على فرض إرادتهم السياسية.

في هذا السياق، يُفهم الانتقال إلى الاشتباك غير المباشر، ثم المباشر، مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بوصفه تحوّلًا نوعياً لا قفزة غير محسوبة. فبعد تراجع فاعلية الأدوات المحلية والإقليمية، باتت– وفق هذا التصور– مراكز القرار نفسها طرفاً مكشوفاً في الصراع، لا مجرد داعم من الخلف.

اللافت في هذه المرحلة ليس فقط طبيعة الخصم، بل طبيعة الرسائل المتبادلة. فمجرد انتقال التأثير– مهما كان حجمه– إلى عمق الكيان الصهيوني، يُعد تحولاً في معادلة الردع، لأن أمن هذا الكيان قام تاريخياً على تحييد الجبهات البعيدة وحصر التهديد في نطاقات يمكن التحكم بها.

في قلب هذا المسار، لا تُطرح فلسطين كشعار تعبوي أو ملف إنساني معزول، بل كمعيار أخلاقي وسياسي يحدّد طبيعة الاصطفاف ومعنى الفعل. فالخطاب الذي يربط المواجهة الحالية بالقضية الفلسطينية ينطلق من اعتبارها بوصلة الصراع في المنطقة، وأن أي نظام إقليمي يتجاوزها أو يسعى لتهميشها إنما يؤسس لاختلال طويل الأمد في شرعيته ووظيفته.

إلى جانب الحسابات السياسية والعسكرية، يلعب البعد الرمزي دوراً مركزياً في هذا التصور. فاليمن يُستحضر بوصفه حالة استعصاء تاريخية أكثر منه قوة عظمى، ويُعاد توظيف هذه الرمزية في بناء وعي جمعي يرى في المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني محطة متقدمة، وربما غير أخيرة، في صراع طويل.

في هذا الإطار، تُقدَّم المواجهة مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لا كخيار تكتيكي، بل كجزء من صراع طويل على المعنى والموقع والدور. مسارٌ قد يطول وقد يشتد، لكنه– في منطق أصحابه– محكوم بإيمان بأن موازين القوة ليست ثابتة، وأن التاريخ، مهما بدا منحازاً في لحظة ما، يظل مفتوحاً على تحولات لم تُحسم بعد .



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا