تغطية وسائل الإعلام السعودية لتظاهرات عدن، لأول مرة منذ حمل الانتقالي لراية الانفصال، ليست مجرد خطوة إعلامية عابرة، بل إشارة صريحة إلى سعي الرياض لإعادة صياغة المشهد السياسي في الجنوب وفق مصالحها الخاصة.
منذ البداية، اتسم التدخل السعودي في جنوب اليمن بسياسة مزدوجة: دعم فصائل معينة لتأكيد النفوذ، وفي الوقت نفسه تقويض قوى منافسة مثل الإمارات أو قيادات محلية لا تخضع بالكامل لإملاءاتها.
التظاهرة الأخيرة، التي دعا لها عيدروس الزبيدي، ورغم أن الرياض لم تعد تحظى بعلاقته، شهدت رفع صور قيادات موالية لها مثل "أبو زرعة المحرمي" و"عبد الرحمن شيخ". هذا الترتيب الإعلامي ليس صدفة، بل يعكس استراتيجية سعودية واضحة: تمكين عناصر موالية للرياض لتصبح واجهة الانفصال، مع إبقاء الحاضنة السياسية تحت رقابتها المباشرة.
ما يظهره هذا التدخل هو أن السعودية لا تسعى إلى حل النزاع أو دعم الوحدة الوطنية، بل إلى بناء منظومة نفوذ تجعل الجنوب اليمني تابعًا لها بشكل كامل.
رعاية الحوارات الجنوبية، التي يروج لها البيان السعودي الرسمي، تأتي في سياق التحكم بالعملية السياسية، بحيث يكون لأي قرار أو توجه انعكاس مباشر على مصالح الرياض، مع حصر قدرة الزبيدي أو أي قيادة أخرى على التحرك المستقل.
السياسات السعودية الأخيرة في عدن تمثل أيضًا تكريسًا لفكرة "تمزيق الدولة اليمنية" بشكل غير مباشر. فمن خلال دعم قيادات معينة وتجاهل أخرى، وتوجيه الرأي العام عبر الإعلام، تُخلق دوائر نفوذ متعددة تتنافس داخل الجنوب، بينما يبقى القرار النهائي محكومًا بالرياض.
هذه الخطوة تعكس مبدأ التدخل بالأسلوب التقليدي: السيطرة على الأحداث من الخلف، مع إبقاء الأطراف المحلية مشغولة بالتصرفات اليومية والخلافات الداخلية، ما يمنع أي قوة محلية من بناء مشروع سياسي مستقل أو قيادة حقيقية للشعب الجنوبي.
المؤسف أن هذا النهج يفاقم الانقسام داخل اليمن ويُطيل أمد الأزمة. فالتركيز على قيادات معينة، بينما تُهمش قيادات أخرى أو تحاصرها سياسياً، يولد احتقانًا داخليًا، ويضعف قدرة المجتمع على صياغة حلول وطنية جامعة.
وهنا يظهر جانب آخر من السياسة السعودية: تمكين الانفصال كأداة للضغط، وليس كخيار حر للشعب اليمني. فالهدف ليس تعزيز حق الجنوب في تقرير مصيره، بل تحويل هذا الحق إلى أداة تحكم سياسي وعسكري في يد الرياض.
الجانب الإعلامي للتدخل السعودي لا يقل خطورة عن التدخل العسكري والسياسي. تغطية التظاهرات بشكل انتقائي، والتركيز على وجوه معينة، وبث بيانات تروج لرعاية سعودية للحوارات الجنوبية، كلها أدوات لتشكيل الرأي العام، وتوجيهه نحو أهداف سعودية محددة.
هذه السيطرة على المعلومات والرسائل السياسية تجعل أي تحرك محلي حقيقي مستحيلاً تقريبًا، وتحوّل الشعب اليمني إلى متفرج على مسرح يُديره ويخطط له طرف خارجي.
علاوة على ذلك، تأتي هذه السياسة ضمن استراتيجية أوسع لتمزيق اليمن، إذ لا يقتصر دور السعودية على الجنوب، بل يمتد لتقويض أي مشروع وطني متماسك في الشمال والجنوب معًا.
التدخل المستمر في الشؤون الداخلية، استبعاد قيادات غير خاضعة للسيطرة، واستثمار الخلافات القديمة بين المكونات اليمنية كلها أدوات من أجل إبقاء اليمن في حالة فوضى دائمة، ما يضمن استمرار الهيمنة السعودية على مفاصل القرار السياسي والاقتصادي.
باختصار، التظاهرة الأخيرة في عدن ورفع صور القيادات الموالية للسعودية ليست مجرد حدث عابر، بل مؤشر على سياسة ممنهجة لتمزيق اليمن وتحويل الجنوب إلى منطقة نفوذ خاضعة بالكامل للرياض.
الدعم الإعلامي والسياسي للقيادات المحلية الموالية يعكس رغبة السعودية في الاستحواذ على الحضانة الكاملة للمشهد الجنوبي، وليس فقط قيادة الحوار أو تقديم الدعم.
هذه السياسة، التي تُدار بحذر وذكاء، تؤكد مرة أخرى أن الهدف السعودي ليس حماية اليمن أو تعزيز الاستقرار، بل ضمان استمرار هيمنة خارجية على أرض يمنيّة مفككة، مع تبعات سلبية على وحدة الدولة ومستقبل الشعب.
- نقلا عن عرب جورنال
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية