وبعيداً عن المناكفات السياسية، واستناداً إلى تحليل المصالح الاقتصادية والأدوات المستخدمة لتحقيقها، وعلى اعتبار القيمة العالية لميناء عدن في معادلة التجارة العالمية، فهو من الناحية الجغرافية والاقتصادية، يمتلك ميزتين جوهريتين: كميناء ترانزيت، يمكن للسفن العابرة بين أوروبا وشرق آسيا تفريغ حمولاتها في عدن، ليعاد شحنها إلى وجهات متعددة، ما يدر عوائد ضخمة من الرسوم والخدمات، وكمحطة تموين وخدمات، فالموقع يجعل منه محطة مثالية للتزود بالوقود والصيانة والخدمات اللوجستية، إضافة إلى ربطه بالأسواق الخليجية عبر البر.
هذه الأدوار، لو فُعِّلت بكامل الطاقة، كانت كفيلة بجعل عدن منافساً مباشراً لأكبر موانئ المنطقة.
تعتمد الإمارات، وبخاصة دبي، على الموانئ كركيزة أساسية في نموذجها الاقتصادي. ويُعد ميناء جبل علي من أكبر موانئ الحاويات في العالم، لكن هذا الموقع المتقدم يستند إلى عاملين أساسيين، هما: الاستقرار السياسي والأمني، وغياب منافسين إقليميين مباشرين في المسار الملاحي نفسه.
هنا يظهر التناقض: تشغيل ميناء عدن بكامل طاقته لا يخدم هذا النموذج، بل يخلق بديلاً أقل كلفة وأقرب جغرافياً لخطوط الملاحة الدولية، ما قد يدفع بشركات الشحن لإعادة توجيه جزء من عملياتها بعيداً عن موانئ الإمارات.
عندما ألغت الحكومة اليمنية اتفاقية تشغيل الميناء مع شركة موانئ إماراتية في مطلع 2017، كان ذلك مؤشراً على محاولة استعادة القرار السيادي في قطاع حيوي. غير أن هذا القرار تزامن مع تحولات ميدانية، أبرزها: ظهور المجلس الانتقالي الجنوبي كقوة عسكرية سياسية مهيمنة في عدن، وانتقال السيطرة الفعلية على الأرض والموانئ إلى أطراف مرتبطة بالإمارات.
وفق هذا التحليل، لم يكن الهدف إدارة الميناء وتطويره، بل تحييده عن المنافسة، عبر حصر نشاطه في خدمة الاستيراد المحلي للتجار اليمنيين، ومنع تحوله إلى منصة تجارة دولية أو إقليمية.
القول بأن ميناء عدن مفتوح، يظل ناقصاً ومجافياً لحقيقة كيف يعمل؟ هل بكامل إمكاناته؟ فالفرق كبير بين ميناء يستقبل شحنات محدودة للاستهلاك المحلي، وميناء ترانزيت دولي تتنافس عليه كبريات شركات الملاحة.
في الحالة الأولى، يبقى الأثر الاقتصادي محدوداً. أما الثانية، فهي التي تصنع الفارق في الدخل القومي، وفرص العمل، والعملة الصعبة.
تُتداول أرقام ضخمة حول الإيرادات المحتملة لميناء عدن في حال تشغيله بكفاءة عالية. ورغم أن بعض هذه التقديرات قد تكون موضع نقاش أو مبالغة، إلا أن جوهر القضية لا يكمن في رقم محدد، بل في حقيقة أن تعطيل ميناء بحجم وموقع ميناء عدن يعني تعطيل فرصة تاريخية لاقتصاد بلد بأكمله، حتى جزء بسيط من الطاقة الممكنة للميناء كان كفيلاً بتغيير الواقع المعيشي لملايين اليمنيين.
ليس من قبيل الحنين أن يُستشهد بتاريخ الميناء. ففي خمسينيات القرن الماضي، كان ميناء عدن من أكثر الموانئ ازدحاماً في العالم، لا بسبب معجزة إدارية، بل لأن الجغرافيا فرضت نفسها. هذه الجغرافيا لم تتغير، فالذي تغير هو القرار السياسي.
تعطيل ميناء عدن لا يمكن فهمه بمعزل عن صراع المصالح الإقليمية. فحين تتعارض سيادة دولة ضعيفة مع نموذج اقتصادي لدولة أقوى، تُستخدم أدوات السياسة والعسكرة لإعادة تشكيل الواقع على الأرض.
القضية، في جوهرها، ليست فقط ميناءً متوقفاً، بل اقتصاد مُعطَّل، وسيادة مستباحة، وفرصة أُخرجت من المعادلة. ويبقى السؤال مفتوحاً: متى يتحول موقع عدن من عبء سياسي إلى رافعة اقتصادية، ومن ساحة نفوذ إلى بوابة تنمية؟
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية