آخر الأخبار

الانتقالي والشرعية .. وجهان لفساد أنهك الاقتصاد وطحن ملايين اليمنيين بالجوع والأزمات

شارك

تكشف الوثائق المسربة، وآخرها ما أورده الصحفي فتحي بن لزرق، عن منظومة جباية مخيفة أدارها المجلس الانتقالي في عدن. لم تكن هذه المبالغ مجرد رسوم رمزية، بل كانت "ميزانية موازية" تُقدر بنحو 30 مليار ريال يمني شهرياً.. توزعت هذه المليارات بين إتاوات على سفن الوقود في ميناء الزيت، وجبايات قسرية على الحاويات والقاطرات القادمة من مأرب أو المتجهة إلى المحافظات الشمالية، والأخطر من ذلك هو توظيف هذه الأموال في "اقتصاد الظل"؛ حيث كانت تُورد إلى بنوك تجارية خاصة نشأت فجأة لتلعب دور "المغسلة"، قبل أن تُحوّل إلى عملات أجنبية وتُهرب للخارج، مما شكل الضربة القاضية لسعر صرف الريال اليمني.

لا يقتصر المشهد على عدن؛ فما كشفته الوثائق المتداولة عن فساد الانتقالي ليس سوى قطعة واحدة من "أحجية الفساد" الممتدة. ففي مأرب، تسيطر سلطة الإخوان المسلمين على موارد الغاز والنفط والضرائب ضمن دائرة مغلقة بعيدة عن رقابة الدولة. وفي المخا والساحل الغربي، يدير طارق صالح منطقة اقتصادية معزولة تماماً بإيراداتها وموانئها، وكذلك ظل الحال في محافظات حضرموت وشبوة والمهرة وغيرها، فقد تحول المحافظون وفصائلهم إلى "أمراء حرب اقتصاديين"، يستأثرون بحصص الوقود وعائدات الموانئ والجمارك تحت مسميات "حصص المحافظة" أو "دعم الجبهات"، بينما تفتقر هذه المدن لأدنى الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه.

وبينما كانت الفصائل تتقاسم الموارد على الأرض، كانت قيادة "الشرعية" في الخارج تمارس نوعاً آخر من الفساد العابر للحدود. تمثل أبرز مظاهر هذا الفساد في الاستحواذ الكامل على إيرادات تصدير النفط الخام، والتي كانت تُودع في حسابات خاصة بـ البنك الأهلي السعودي بدلاً من توريدها للبنك المركزي اليمني، ومن هذه الحسابات، كانت تُصرف الرواتب والمكافآت والبدلات بالدولار والريال السعودي لآلاف المسؤولين المقيمين في فنادق الرياض والقاهرة وإسطنبول، في مفارقة صارخة مع موظف الداخل الذي يعجز عن توفير متطلبات الحياة الأساسية والضرورية.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد لتبديد القروض والودائع الدولية، وهو ما وثقته تقارير دولية، حيث كشف تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة عن فضيحة التلاعب بـ الوديعة السعودية (2 مليار دولار)، مشيراً إلى أن عمليات "المصارفة" غير القانونية مع تجار نافذين أدت إلى ضياع أكثر من 600 مليون دولار من أموال الشعب، ذهبت كأرباح غير مشروعة لمراكز قوى داخل الشرعية وتجار موالين لها.

هذا "التخادم غير المعلن" في الفساد بين فصائل الداخل وقيادة الخارج أدى إلى نتيجة حتمية واحدة، تمثلت في الانهيار الاقتصادي الشامل، الذي كان المواطن هو المتضرر الوحيد منه، حيث سادت الأزمات، وتضاءلت الفرص، وتقزم دخل المواطن، وفقدت العملة الوطنية قيمتها بشكل دراماتيكي، وقفزت الأسعار إلى مستويات جنونية، بينما توقفت المشاريع التنموية تماماً.

ويرى مراقبون أنه بخروج هذه الوثائق إلى العلن، وتحولها إلى قضية رأي عام فإن الصمت المجتمعي الذي رافق هذا النهب المنظم بدأ يتصدع، ليتضح أن الأزمة في اليمن ليست أزمة "موارد" بقدر ما هي أزمة "إدارة ونهب"، فالمبالغ المنهوبة شهرياً في عدن ومأرب وحدها كانت كفيلة بتعزيز تماسك الاقتصاد وتثبيت سعر الصرف، والحد من الأوضاع الكارثية التي عانى منها المواطنون على مدى عشر سنوات.

واعتبر المراقبون أن ما كشفته الوثائق الأخيرة هو "غَيْض من فَيْض" لملف مثقل بالانتهاكات المالية التي مارستها حكومة عدن في ظل سيطرة التحالف السعودي الإماراتي الذي انهار مؤخرا، نتيجة لتقاطع المصالح وتصاعد صراع السيطرة في اليمن، وهنا يبقى التساؤل القائم هو: إلى متى سيظل المواطن اليمني يدفع ثمن رفاهية القادة في الخارج وجبايات الفصائل في الداخل ؟



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا