آخر الأخبار

أخبار وتقارير - مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض: من منطق الإقصاء إلى أفق الشراكة الوطنية

شارك

كتبها ماجد الكحلي - مدير التحرير


تأتي الدعوة إلى مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض بوصفها أحد أبرز ملامح المرحلة الجديدة التي تشكّلت بعد سقوط المجلس الانتقالي، ليس باعتبارها حدثًا بروتوكوليًا أو مبادرة شكلية لامتصاص التوتر، بل كخيار سياسي يعكس تحوّلًا عميقًا في إدارة الملف الجنوبي، وانتقالًا من منطق الصراع واحتكار التمثيل إلى منطق الشراكة والتعدد، ومن إدارة الواقع بالقوة إلى تنظيم الخلاف بالحوار. فبعد سنوات طويلة جرى فيها التعامل مع الجنوب عبر أدوات أمنية وعسكرية، وواجهات سياسية مغلقة، تبدو هذه الدعوة بمثابة اعتراف صريح بأن القضية الجنوبية لا يمكن اختزالها في كيان واحد، ولا حلّها خارج إطار وطني جامع.


لقد مثّل احتكار التمثيل أحد أخطر الأخطاء التي قادت إلى الانسداد السياسي في الجنوب. فعوضًا عن فتح المجال أمام كل القوى السياسية والاجتماعية للتعبير عن رؤاها ومصالحها، جرى تضييق المشهد وتحويله إلى ثنائية قسرية: إما الاصطفاف خلف سلطة الأمر الواقع، أو الوقوف في خانة “الخصم”. ومع الوقت، تحوّل هذا المنطق إلى أداة قمع سياسي، عطّلت الحوار الداخلي، وأفرغ القضية الجنوبية من مضمونها التعددي، وحوّلتها إلى صراع نفوذ بدل أن تكون مسارًا سياسيًا يسعى إلى معالجة مظالم تاريخية حقيقية.


من هنا، تكتسب الدعوة إلى الحوار الجنوبي في الرياض أهميتها الاستراتيجية. فهي لا تنطلق من فرضية “الحسم” أو “الغلبة”، بل من قناعة بأن أي تسوية مستدامة في الجنوب لا يمكن أن تُفرض بالقوة، ولا أن تُدار عبر الإقصاء، بل يجب أن تُبنى على قاعدة الاعتراف المتبادل، واحترام التعدد، وإشراك كل الفاعلين الحقيقيين في صياغة المستقبل. وهذا التحول في المنهج هو بحد ذاته مكسب سياسي، حتى قبل الدخول في تفاصيل النتائج والمخرجات.


اللافت في هذه الدعوة أنها تأتي برعاية سعودية مباشرة، وفي توقيت سياسي بالغ الحساسية. فالمملكة، التي لعبت دورًا حاسمًا في إنهاء سلطة الأمر الواقع، تدرك أن الفراغ السياسي أخطر من الصراع ذاته، وأن غياب المسار السياسي المنظم قد يعيد إنتاج الفوضى بأشكال جديدة. لذلك، فإن الحوار ليس ترفًا، بل ضرورة لإعادة ترتيب البيت الجنوبي، ومنع عودة التوترات تحت مسميات مختلفة.


الحوار الجنوبي المرتقب لا يُفترض أن يكون نسخة مكررة من تجارب سابقة فشلت بسبب غياب الإرادة أو اختلال موازين القوة، بل يُنتظر أن يستند إلى قواعد جديدة، أبرزها الفصل بين القضية كموضوع سياسي عادل، وبين الأدوات التي استُخدمت لتوظيفها. فالقضية الجنوبية، بجذورها التاريخية وتعقيداتها الاجتماعية، لا تزال قائمة، ولا يمكن تجاوزها أو إنكارها، لكن إدارتها يجب أن تتم ضمن إطار الدولة، لا على حسابها.


سياسيًا، يشكّل الحوار فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الجنوب والدولة اليمنية. فبدل الخطابات المتطرفة التي قدّمت العلاقة على أنها صراع صفري، يمكن للحوار أن يفتح نقاشًا واقعيًا حول صيغ الحكم، واللامركزية، وضمان الحقوق السياسية والاقتصادية، وتمثيل المحافظات الجنوبية تمثيلًا عادلًا داخل مؤسسات الدولة. هذه القضايا، التي جرى تهميشها أو توظيفها شعاراتيًا في السابق، تحتاج اليوم إلى معالجة عقلانية، بعيدة عن منطق التعبئة والانقسام.


اجتماعيًا، يحمل الحوار بعدًا لا يقل أهمية. فالسنوات الماضية خلّفت جروحًا عميقة داخل المجتمع الجنوبي نفسه، نتيجة الصراعات البينية، وخطاب التخوين، والاستقطاب الحاد. ولا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح دون مصالحة داخلية حقيقية، تعترف بالأخطاء، وتفتح المجال أمام إعادة بناء الثقة بين المكونات المختلفة. والحوار، إذا أُدير بجدية، يمكن أن يكون منصة لتفكيك هذا الاحتقان، وإعادة الاعتبار للبعد الاجتماعي للقضية الجنوبية.


كما أن نجاح الحوار يرتبط بشكل وثيق بطبيعته التمثيلية. فكلما كان شاملًا، وضمّ طيفًا واسعًا من القوى السياسية، والشخصيات الاجتماعية، والفاعلين المدنيين، زادت فرص تحوّله إلى مرجعية سياسية حقيقية. أما إذا أُفرغ من مضمونه، أو جرى التحكم في مخرجاته مسبقًا، فسيكون مجرد محطة عابرة، تُضاف إلى سجل الفرص المهدورة. وهنا تقع مسؤولية كبيرة على الجهة الراعية، وعلى الحكومة الشرعية، لضمان نزاهة المسار وشفافيته.


في المقابل، يضع الحوار الأطراف الجنوبية أمام اختبار جدي. فبعد سنوات من الخطاب المتشدد، سيكون مطلوبًا من الجميع الانتقال من لغة الشعارات إلى لغة البرامج، ومن منطق المطالب القصوى إلى منطق الحلول الممكنة. هذا الانتقال ليس سهلًا، لكنه ضروري. فالمجتمع الدولي، والإقليم، وحتى الداخل الجنوبي، لم يعد مستعدًا لدعم مشاريع غامضة أو مغلقة، بل يبحث عن مسارات واضحة، قابلة للتنفيذ، وتنسجم مع فكرة الدولة.


المرحلة الجديدة التي تلت سقوط المجلس الانتقالي تفرض واقعية سياسية مختلفة. فالقوة العسكرية لم تعد ورقة مقبولة لفرض التمثيل، والدعم الإقليمي بات مشروطًا بالالتزام بالمسار السياسي. وهذا التحول يخلق بيئة مناسبة للحوار، لكنه في الوقت ذاته يرفع سقف التوقعات. فالفشل هذه المرة لن يُعزى إلى “الظروف”، بل إلى غياب الإرادة.


إن مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض، إذا ما كُتب له النجاح، يمكن أن يشكّل نقطة انعطاف تاريخية، ليس فقط في مسار القضية الجنوبية، بل في إعادة بناء الدولة اليمنية على أسس أكثر توازنًا وعدالة. فهو يقدّم فرصة لإخراج الجنوب من دائرة الصراع الدائم، وإدماجه في مشروع وطني جامع، يعترف بالخصوصيات، ويضمن الحقوق، دون أن يفتح الباب أمام الفوضى أو التقسيم.


وفي النهاية، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في عقد المؤتمر بحد ذاته، بل في ما بعده. فالحوار ليس غاية، بل وسيلة. وسيلة لإعادة صياغة العلاقة بين الجنوب والدولة، وبين السياسة والمجتمع، وبين الداخل والداعم الإقليمي. وإذا ما أُحسن استثمار هذه الفرصة، يمكن للجنوب أن ينتقل من مرحلة الصراع على السلطة، إلى مرحلة المشاركة في بنائها، ومن موقع الأزمة إلى موقع الشريك في صناعة المستقبل.

عدن الغد المصدر: عدن الغد
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا