آخر الأخبار

لا يغادر رغم الطرد ويُستدعى بعد الإهانة .. الإصلاح والسعودية : علاقة استخدام لا تحالف

شارك

نشأ الإصلاح، بوصفه فرعاً من فروع جماعة الإخوان المسلمين، في كنف الرعاية السعودية، لا باعتباره مشروعاً وطنياً يمنياً خالصاً، بل كأداة في مواجهة خصوم الرياض الإقليميين والداخليين. ومنذ تلك اللحظة، تشكّلت بنيته الذهنية والسياسية على قاعدة الارتباط بالخارج، لا على قاعدة الاستقلال أو الشراكة الندية. هذا التكوين الأولي يفسّر لماذا ظل الحزب، على مدار عقود، عاجزاً عن فك الارتباط بالسعودية حتى عندما تحوّلت الأخيرة إلى خصم مباشر له.

في عام 2011، ومع تغيّر المزاج الإقليمي تجاه جماعة الإخوان، دخلت علاقة الإصلاح بالرياض مرحلة من البرود العلني، سرعان ما تحوّل إلى عداء سياسي بعد دعم السعودية لإسقاط حكم الإخوان في مصر وتصنيف الجماعة كخطر إقليمي. حينها، لم يجد حزب الإصلاح حرجاً في تقديم أول تنازل أيديولوجي كبير في تاريخه، حين تبرأ علناً من الجماعة الأم، في محاولة يائسة لاسترضاء المملكة. غير أن هذا التنازل لم يشفع له، إذ استمر الموقف السعودي العدائي، ما يؤكد أن المشكلة لم تكن في الخطاب، بل في وظيفة الحزب التي انتهت مرحلياً.

لكن هذا العداء لم يكن تعبيراً عن قطيعة حقيقية، بل حالة انتظار سياسي. فمع وصول الملك سلمان وولي عهده إلى السلطة مطلع 2015، وإطلاق الحرب على اليمن، عاد حزب الإصلاح سريعاً إلى موقعه الطبيعي في الصفوف الأمامية للمشروع السعودي، مرحّباً بالعدوان، ومبرّراً جرائمه، ومشاركاً ميدانياً وإعلامياً في تنفيذه. لم يتوقف الأمر عند الدعم السياسي، بل تجاوز ذلك إلى لعب أدوار خطيرة، من بينها توظيف الجماعات المتطرفة، وتوفير الغطاء السياسي والإعلامي للإرهاب، تحت مسميات: "المقاومة" و"الشرعية".

والمفارقة أن هذا الالتحام لم يمنع السعودية من قصف مواقع قوات تابعة للإصلاح أكثر من مرة، في أكثر من جبهة. ومع ذلك، لم يخرج الحزب عن بيت الطاعة، وابتلع الإهانات المتكررة بذريعة "وحدة التحالف"، في سلوك يعكس بوضوح اختلال ميزان العلاقة، حيث يُطلب من الإصلاح دائماً تقديم التضحيات بدون ضمانات، أو حتى احترام شكلي.

وجاءت الأزمة الخليجية عام 2017 لتكشف مرة أخرى هشاشة خطاب "العداء" الذي تبناه الإصلاح ضد السعودية. فحين تبدلت الأولويات الإقليمية، وانفتح الحزب على الأجندة القطرية، أطلق حملة إعلامية شرسة ضد المملكة، صوّر فيها الحرب على اليمن كعدوان واحتلال. غير أن هذا التحول لم يكن مراجعة أخلاقية أو وطنية، بل مجرد انتقال مؤقت بين محاور، بدليل أن الخطاب نفسه انقلب رأساً على عقب بمجرد أن أعادت الرياض استدعاء الحزب إلى واجهة المشهد في ديسمبر 2025، في سياق صراعها مع حلفاء الإمارات في الجنوب.

هذا التقلّب المتكرر لا يمكن تفسيره بالبراغماتية السياسية وحدها، بل يعكس حالة ارتهان كامل، حيث يفتقد الحزب لأي مشروع وطني مستقل، ويعيد تموضعه وفق الطلب الخارجي. فلو كان الإصلاح يمتلك ذاكرة سياسية أو حداً أدنى من الكرامة التنظيمية، لما عاد إلى تمجيد السعودية بعد سنوات من التخوين المتبادل، ولما تجاهل بحر الدماء الذي سال نتيجة تحالفاته السابقة معها.

والأخطر من ذلك أن كل اصطفاف سعودي إصلاحي كان، تاريخياً، مقروناً بالعنف والتكفير والاغتيالات. من تصفية الخصوم السياسيين في صنعاء، إلى الحروب في صعدة، وصولاً إلى النزاعات الدامية في الجنوب خلال 2019 و2025، يتكرر النمط نفسه: تحالف خارجي، خطاب ديني تعبوي، ودم يمني يُقدَّم كوقود لمعارك لا تخدم اليمن ولا استقراره.

في الخلاصة، لا يبدو حزب الإصلاح كقوة سياسية مستقلة الإرادة، بل كعنصرٍ وظيفيّ قابل لإعادة الاستخدام ضمن حسابات السياسة السعودية، يُستحضر حين تقتضي الحاجة ويُقصى متى انتهى الغرض. أما كلفة هذا الارتهان المتكرر فلا يتحمّلها الحزب ولا الجهات الراعية له، بل تُلقى بأكملها على كاهل الشعب اليمني، الذي يُدفع في كل مرة إلى دورة جديدة من الدمار، يُعاد تسويقها تحت عناوين مضلِّلة من قبيل "التحالف" أو "الظرف الاستثنائي".



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا