في ضوء التطوّرات الأخيرة في اليمن، التي كادت تهدّد وحدة البلاد أرضاً وشعباً، ومع تراجع ذلك الخطر والتوجه نحو حوار بنّاء لحل القضايا التي تواجهها المحافظات الشرقية والجنوبية، يبرز السؤال الملح حول مستقبل الاقتصاد اليمني في ظلّ دولة واحدة تتعايش فيها جميع المحافظات أو الأقاليم، وتتكامل في الجوانب الاقتصادية وفي الإمكانات والموارد المتاحة.
ولذلك، فإنّ الحديث عن مستقبل الاقتصاد اليمني يحتاج إلى وضع افتراضات لسياق التحليل، من أهمها: انتهاء فترة الحرب والانتقال إلى مرحلة السلام والاستقرار، وأن اليمن يظل موحّداً بكل مكوناته الجغرافية وذا سوق اقتصادي واحد، وأن علاقات اليمن تكون إيجابية مع دول الجوار ومع المحيطَين الإقليمي والدولي من دول ومنظمات ومؤسّسات تمويلية، كما أنّ الحديث عن مستقبل الاقتصاد اليمني يتطلب الإشارة إلى التحديات والفرص الواعدة، وكيف يمكن التعامل مع التحديات وتحويلها إلى فرص تعزز النمو والتطور الاقتصادي والرخاء الاجتماعي.
ويواجه اليمن تحديات هيكلية أهمها؛ أولاً حجم السكان المتزايد، الذي يبلغ قرابة 35 مليون نسمة، كما أن معدل النمو السكاني مرتفع ويصل إلى قرابة 3.5% سنوياً، وهو من بين المعدلات الأعلى في العالم. وثانياً، مشكلة المياه والقات وتأثيرها على القطاع الزراعي والتوزيع السكاني. وثالثاً، تدنّي مستوى البنية التحتية "الطرقات، المطارات، الموانئ، الكهرباء، المياه، الاتصالات"، ورابعاً ضعف الموارد البشرية المؤهلة والمدربة. وخامساً، ضعف الأداء المؤسّسي لأجهزة الدولة المختلفة، إضافة إلى تحديات أخرى تتعلق بضعف البنية الاقتصادية، والقصور في القدرة الاستيعابية للمشاريع الاستثمارية والتنموية.
الحديث عن مستقبل الاقتصاد اليمني يحتاج إلى وضع افتراضات لسياق التحليل، من أهمها: انتهاء فترة الحرب والانتقال إلى مرحلة السلام والاستقرار، وأن اليمن يظل موحّداً بكل مكوناته الجغرافية وذا سوق اقتصادي واحد.
= النفط والفرص الواعدة.
يمتلك اليمن الموحّد فرصة واعدة تؤهله لبناء مستوى مقبول من التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحسين مستوى معيشة المواطنين والحد من مظاهر الفقر والبطالة بين السكان، وأهم هذه الفرص:
1- الموارد الطبيعية: وهنا تأتي أهمية استغلال الثروات المعدنية بصورة سليمة، فخلال الأربعة عقود الماضية جرى استخراج النفط، ووصل الإنتاج في ذروته إلى 500 ألف برميل يومياً خلال عام 2005، ثم بدء بالتراجع، وحالياً تشير البيانات إلى أن الإنتاج لا يتجاوز 80 ألف برميل في اليوم، ونظرة لخريطة اليمن نجد أنها مقسمة إلى حوالى 110 قطاعات استكشافية، وجرى استخراج النفط من 12 قطاعاً فقط، ما يجعل فرص استكشاف النفط والغاز واعدة في معظم القطاعات، خاصة أن تقارير حديثة تبين توفر احتياطيات كبيرة من النفط والغاز الصخري في قطاع مأرب-الجوف، وهذا يمثل مجالاً واعداً للاستثمار والتطوير، كما تتوفر في اليمن احتياطيات واعدة من الرخام والغرانيت والزنك ومناجم واعدة من الذهب وغيرها من المعادن.
2- الموارد البشرية: وهذا يعني إمكانية تحويل السكان إلى فرصة واعدة، فالخصائص الديمغرافية للسكان تجعل منه فرصة لتحسين مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فبناءً على معدل النمو السكاني ومعدل الخصوبة للمرأة، 6.7 أطفال لكل سيدة، فإن عدد السكان قد يتضاعف كل 19 سنة، وسيصبح عدد السكان أكثر من 60 مليون نسمة خلال عقدين من الزمن، إضافة إلى أن المجتمع اليمني يصنف أنه مجتمع فتي؛ إذ 45% من السكان دون سن 14 سنة، كما أن حجم السكان يمثل المخزون الاستراتيجي لرأس المال البشري، وهذا يعتبر ركيزة أساسية في التنمية الاقتصادية وفي اقتصاد المعرفة، فالسكان يمثلون المورد الرئيسي للقوة العاملة، إذ إنّ الفئة العمرية من 15 إلى 65 سنة تشكل 52% من السكان.
من جانب آخر تُصدّر اليمن القوى العاملة إلى دول الجوار، وإلى عدد من دول العالم، ويقدر عدد المغتربين في السعودية فقط بأكثر من مليونَي شخص، وتلعب تحويلات المغتربين دوراً محورياً في معالجة العجز في ميزان المدفوعات وفي استقرار سعر الصرف.
ولتعظيم العائد من مورد السكان، فهناك حاجة ماسة لتطوير نظام التعليم كلياً "العام والفني والعالي"، حتّى يكون لهذا المورد تأثير إيجابي في الاقتصاد التقليدي أو في اقتصاد المعرفة أو في الاستقرار النقدي والمالي للاقتصاد الكلي والأسري.
3- المياه والزراعة والقات: مستقبل الاقتصاد اليمني يعتمد كثيراً على حسن استغلال الموارد المائية وتطوير وسائل التكنولوجيا لري القطاع الزراعي والحدّ من انتشار زراعة القات التي تستهلك أكثر من 35% من الموارد المائية، وتستحوذ على 20% من الأراضي الزراعية، فاليمن يقع في نطاق المناخ الجاف ويعتمد على الأمطار الموسمية التي تتفاوت من عام إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى، كما أن اليمن يصنف ضمن الدول التي تعاني من الفقر المائي، إذ لا يتجاوز نصيب الفرد من المياه حوالى 150 متراً مكعباً في السنة، مقارنة بحوالى ألف متر مكعب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهنا لا بدّ من تبني برنامج قومي يستهدف الحد من زراعة القات وترشيد استخدام المياه لزراعة المحاصيل من الحبوب والبن والفواكه والخضروات التي تتمتع بها اليمن بميزة نسبية للزراعة والإنتاج.
= الموارد غير المنظورة
الموقع الجغرافي: يطلّ اليمن على أهم ممرات التجارة الملاحية الدولية، إذ تمرّ عبر مضيق باب المندب قرابة 70% من التجارة البحرية بين آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، وهي نقطة محورية في "مبادرة الحزام والطريق" التي تتبناها الصين، ولذلك في عام 2013، وافقت الصين على تقديم قرض لليمن بأكثر من 500 مليون دولار لتطوير ميناء عدن؛ ليكون نقطة عبور تجارية مهمة في طريق الحرير الجديد، وللأسف، دخل اليمن في صراع مسلح أواخر عام 2014، ما دفع بالصين للاتجاه إلى جيبوتي بديلاً لضمان نجاح مبادرتها وتجارتها مع قارات العالم القديم، وما تزال الفرص قائمة لتطوير عدن والمناطق الساحلية على امتداد أكثر من 2500 كيلومتر، واستغلال الثروة السمكية فيها وجعلها مناطق اقتصادية خاصة حتى تكون قاطرة للتنمية والتجارة على خطوط التجارة العالمية.
تُصدّر اليمن القوى العاملة إلى دول الجوار، وإلى عدد من دول العالم، ويقدر عدد المغتربين في السعودية فقط بأكثر من مليونَي شخص، وتلعب تحويلات المغتربين دوراً محورياً في معالجة العجز في ميزان المدفوعات وفي استقرار سعر الصرف
السياحة: يمتلك اليمن مناطق سياحية متنوعة ومدناً ومناطق مصنفة ضمن التراث العالمي، كما أن تنوع مناخه وتركيب تضاريسه من السهول والجبال والشواطئ الطويلة والصحاري يجعله منطقة جذب سياحي واعدة، وهذا يتطلب تنمية القطاعات المرتبطة بالسياحة، مثل الفنادق والمطاعم والصناعات التقليدية ووسائل النقل وغيرها.
= متطلبات وشروط تحقيق التطور الاقتصادي
1- الشراكة الفاعلة بين القطاع العام والقطاع الخاص المحلي والأجنبي، وهذا يتطلب توفير بيئة حاضنة ومواتية للاستثمار الوطني والأجنبي، فتجارب العديد من الاقتصادات الناشئة (ماليزيا، تركيا، رواندا) حققت معدلات نمو اقتصادي عالية اعتماداً على شراكة القطاع العام والقطاع الخاص الوطني والأجنبي.
2- إصلاحات اقتصادية ومؤسّسية وتحديث الإدارة العامة: هناك حاجة ماسة لتنفيذ سياسات اقتصادية رشيدة وفاعلة في الجوانب المالية والنقدية والتجارية، إضافة إلى إصلاحات مؤسّسية وتشريعية تستهدف تحديث جهاز الإدارة العامة، والحد من مظاهر الفساد والتضخم فيه، وحوكمة أدائه وفقاً لمعايير الشفافية والمساءلة.
3- تعزيز التعاون مع الدول والمؤسّسات المالية الإقليمية والدولية، يصنف اليمن ضمن الدول الأقل نمواً، وهذا يجعله مؤهلاً للحصول على قروض ميسّرة من المؤسّسات المالية الدولية والإقليمية أو من الصناديق الوطنية أو من بعض الدول الصديقة والشقيقة، دول الخليج مثالاً.
وإجمالاً، فإنّ تطوير الاقتصاد الوطني يتطلب وضع رؤية استراتيجية للتنمية وخطط متوسطة المدى تتضمن أولويات التنمية وتوجهات برامج الإصلاحات الاقتصادية والمؤسّسية، إضافة إلى البرامج الاستثمارية المطلوب تمويلها وعرضها في مؤتمر للمانحين أو في مؤتمرات للاستثمار بهدف الحصول على تمويل المشاريع العامة في قطاعات التعليم والصحة أو تمويل مشاريع الشراكة مع القطاع الخاص الوطني والأجنبي، وخاصة في قطاعات البنية التحتية من طرقات ومطارات وموانئ وكهرباء ومياه واتصالات وغيرها.
المصدر:
عدن الغد