آخر الأخبار

من التلويح بإسرائيل إلى الهروب ليلاً.. السقوط الأخلاقي والسياسي للزبيدي

شارك

منذ تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017، كان واضحاً أن الزبيدي لم يكن مجرد فاعل محلي، بل أداة إقليمية صريحة في يد الإمارات. وقد قبلت الرياض بهذا الواقع، في إطار إدارة تناقضات التحالف، لا سيما في مرحلة الحرب المفتوحة مع الحوثيين. غير أن هذا التعايش ظل هشاً، محكوماً بسقف غير معلن: ألّا يتحول الانتقالي إلى سلطة موازية تهدد نفوذ السعودية ومشروعها في اليمن.

خلال الأشهر الماضية، بدا أن الزبيدي تجاوز هذا السقف. فالتوسع العسكري لقواته في حضرموت والمهرة، والاشتباك مع قوى محلية مدعومة سعودياً، مثّل تحدياً مباشراً للرياض. ومع تراجع الدور الإماراتي ميدانياً، وحرص أبوظبي على تقليص انخراطها العلني، وجدت السعودية الفرصة مواتية لتصفية الحساب.

الضربات الجوية التي استهدفت تحركات قوات الانتقالي في الضالع لم تكن مجرد ضربات استباقية كما وُصفت رسمياً، بل حملت رسالة سياسية واضحة: السلاح الذي مُنح للزبيدي لن يُسمح باستخدامه خارج الإرادة السعودية. تدمير المدرعات وتعطيل الحشود العسكرية مثّل عملياً تفكيكاً للقوة الصلبة التي راكمها الانتقالي على مدى سنوات بدعم إماراتي مفتوح.

في لحظة واحدة، انتقل الزبيدي من موقع الشريك المزعج إلى الخصم الداخلي المتهم بالخيانة العظمى، لتُستكمل العملية بقرار إسقاط عضويته من مجلس القيادة الرئاسي وإقالة وزراء محسوبين عليه. هكذا أُغلقت الأبواب السياسية في وجهه بالتوازي مع كسر شوكته العسكرية.

أكثر ما يلخص هذا السقوط الدراماتيكي هو مشهد الطائرة: وفد الانتقالي يغادر إلى الرياض، فيما رئيسه يغيب، لا يركب الطائرة، ولا يعلن موقفاً واضحاً، بل يختفي. في السياسة، الرمزية لا تقل أهمية عن الوقائع، وهذا المشهد وحده كفيل بتجريد الزبيدي من صورة القائد التي سعى طويلاً لترسيخها.

الهروب، أو الاختفاء، جاء تتويجاً لمسار من العزلة. فالزبيدي، الذي شطح في تمثيل الدور الإماراتي إلى حد تقديم نفسه لاعباً إقليمياً، نُسب إليه في مراحل سابقة– وفق تقارير وتسريبات– السعي لفتح قنوات مع أطراف دولية حساسة، بينها الحديث عن عروض تطبيع مع إسرائيل، في محاولة لتسويق الجنوب ككيان منفصل قابل للاعتراف الدولي. وهذا عكس حالة من الغرور السياسي والانفصال عن الواقع اليمني والإقليمي.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل ستؤوي الإمارات الزبيدي؟ التجربة تشير إلى أن أبوظبي بارعة في إدارة الانسحابات الهادئة. فعندما تتحول الورقة إلى عبء، يجري التخلي عنها بأقل كلفة ممكنة. الزبيدي اليوم لم يعد ذلك الرصيد المضمون، بل بات عنواناً لأزمة قد تستدرج مواجهة غير مرغوبة مع السعودية، وهو ما لا يبدو أن الإمارات في وارد تحمله في هذه المرحلة.

عيدروس الزبيدي، الذي صعد على أكتاف الدعم الخارجي، يبدو اليوم كمن خرج من الباب الخلفي للتاريخ السياسي، يفرّ من طائرة، ويختفي، منتظراً مصيراً قد لا يكون بيد أبوظبي نفسها. وفي السياسة، حين يُسقط الراعي ورقته، نادراً ما يجد الوكيل مأوى.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا