أثار الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون موجة عارمة من الانتقادات والاستنكار الحاد في الدوائر المحافظة في الغرب، وذلك بعد تشكيكه في جدوى دخول بريطانيا الحرب ضد ألمانيا النازية.

فخلال مقابلة أُذيعت مؤخرا مع السياسي والبرلماني البريطاني السابق جاكوب ريس موغ، قال كارلسون إن غزو ألمانيا لبولندا -الذي أطلق شرارة الحرب العالمية الثانية– كان مجرد نزاع إقليمي، ورأى أن مشاركة بريطانيا في الحرب حينئذ أدت إلى تدمير إمبراطوريتها دون تحقيق مكاسب حقيقية لمواطنيها.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 بعد سباعية إنجلترا الكارثية.. مودريتش: أشعر بالعار لأول مرة ودمرنا سمعة كرواتيا
* list 2 of 2 قانون اشتراكات بريطاني جديد يفرض على الصحف إيقاظ "التنين النائم" end of list

وفي المقابل، دافع ريس موغ عن هذا القرار التاريخي، مؤكدا أن هزيمة النازية مثلت انتصارا للخير على الشر المطلق، وحافظت على سيادة البلاد وكرامتها.

وتطرق الحوار المطول إلى قضايا متشعبة من ضمنها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والأسئلة الأخلاقية المتعلقة بتبرير قتل المدنيين خلال الحروب، وإذا ما كان ينبغي لبريطانيا الاستعداد لنزاع محتمل مع روسيا.

تصريحات كارلسون قوبلت بانتقادات واسعة من قبل شخصيات بارزة في اليمين الأميركي، مثل السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، والسيناتور الجمهوري تيد كروز، اللذين ردا بقوة وهاجما وجهة نظره التي تتحدى الإجماع التاريخي الغربي.

ومع أن كارلسون نفى أي نية للدفاع عن زعيم ألمانيا "النازية" أدولف هتلر أو تبرير أفعاله، فإن طرحه عاد ليؤجج الجدل المستمر حول معايير التدخل العسكري، والمصالح الوطنية التي ينبغي أن تراعيها الدول قبله، والتكلفة الباهظة للحروب.

سجال وقضايا شائكة

شهدت المقابلة سجالا حادا بدأ عندما أشار جاكوب ريس موغ إلى صعوبة تجنب وقوع ضحايا من المدنيين الأبرياء خلال الحرب العالمية الثانية، ليرد كارلسون بعبارته التي أثارت الجدل: "لم أفهم أبدا لماذا تم خوض الحرب العالمية الثانية في المقام الأول".

واستعرض كارلسون رؤيته للتاريخ العسكري والسياسي من خلال عدة نقاط، إذ جادل بأن المشاركة في الحرب دمرت النفوذ الإمبراطوري لبريطانيا وبنيتها الداخلية، دون أن تحقق مصلحة وطنية ملموسة أو مكاسب واضحة لمواطنيها الذين يدفعون ثمن تلك الحرب حتى اليوم.

إعلان

ورأى أن الهجوم النازي على بولندا يعود في أصله إلى نزاع إقليمي استند إلى الخسائر الترابية التي تكبدتها ألمانيا بموجب معاهدة فرساي، مشددا على أن المملكة المتحدة لم تكن لها أي علاقة بهذا النزاع، ورفض الفكرة القائلة إن القوات النازية دخلت بولندا بشكل عشوائي.

و نفى كارلسون محاولة تبرير أفعال القيادة النازية، مصرحا بشكل قاطع: "أنا بالتأكيد لست هنا للدفاع عن هتلر".

وعندما أشار ضيفه ريس موغ إلى أن البريطانيين ربما كانوا سيتحدثون اللغة الألمانية في حال عدم مواجهة هتلر، أجاب كارلسون باختصار: "من يهتم؟".

ركز كارلسون على البعد الاجتماعي للحرب، مؤكدا أن أي نزاع يُدفع ثمنه من أرواح المواطنين وأبنائهم يجب أن يضمن أوضاعا أفضل وفوائد ملموسة للشعب.

تبرير القتل

وخلال ردوده، وصف ريس موغ هزيمة النازية بأنها "صراع الخير التقليدي ضد الشر"، مشددا على أن خوض الحرب أنقذ بريطانيا وحماها من الخضوع للحكم الألماني المباشر.

و رفض ريس موغ إخضاع قرار الحرب للمحاكمة الاقتصادية أو المادية، مؤكدا أن بريطانيا حافظت على كرامتها واحترامها لذاتها من خلال التغلب على "أعظم شر عرفه العالم"، وفق تعبيره.

وحول التوتر مع روسيا على خلفية الحرب في أوكرانيا، جادل ريس موغ بأن الجاهزية العسكرية تهدف لردع العدوان، قائلا: "نحن لا نبدأ شجارا مع روسيا، بل نريد فقط أن نكون قويين"، بينما حذر كارلسون من أن الغرب يخاطر بدفع المنطقة نحو مواجهة نووية لا يمكن السيطرة عليها.

اعتبر ريس موغ القصف النووي الأمريكي على مدينتي هيروشيما وناغازاكي إجراء "مبررا دون شك" لإنهاء الحرب، وفق تعبيره.

انتقادات واستنكار

بعد بث المقابلة، سرعان ما تعالت الأصوات اليمينية في أمريكا وبريطانيا وبعض الدول الأوروبية مستنكرة تصريحات كارلسون، ومن بين المنتقدين مايك هاكابي، السفير الأمريكي بإسرائيل، المعروف بتبريره لحرب الإبادة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في غزة.

فقد اتهم هاكابي كارلسون بالإيحاء بأنه كان ينبغي لبريطانيا السماح باستيلاء النازيين على بولندا، متسائلا: "هل نسي أن هتلر قتل 11 مليون شخص؟"، وأضاف أن الإعلامي "يحتاج إلى مساعدة."

بدوره، علق السيناتور الجمهوري تيد كروز بأن بريطانيا والعالم في وضع أفضل بكثير لانتصارهم في الحرب العالمية الثانية، مؤكدا أن العالم كان سيكون في وضع أسوأ بكثير لو انتصر النازيون.

ورغم هذه الانتقادات، فإن محللين يؤكدون أن كارلسون لم يتبنَّ الأيديولوجيا النازية أو يمتدح هتلر، بل انطلق من "مبدأ عدم التدخل"، الذي يلزم الحكومات بإثبات المصلحة المادية المباشرة لشعوبها قبل مطالبتهم ببذل أرواحهم في الحروب.