أعادت محاولة إعدام السجينة كريستا بايك في ولاية تينيسي فتح الجدل في الولايات المتحدة حول مدى موثوقية الحقن القاتلة، بعدما تحولت عملية كان يُفترض أن تنتهي خلال دقائق إلى محاولة استمرت قرابة ساعة، وانتهت بنقل السجينة إلى المستشفى وهي في حالة حرجة.

وتأتي الواقعة في سياق تاريخ طويل من عمليات الإعدام التي فشلت أو رافقتها مضاعفات مؤلمة، سواء باستخدام الحقن القاتلة أو وسائل أخرى مثل الكرسي الكهربائي وغاز النيتروجين.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 العليا الاسرائيلية تعيد العرب للانتخابات.. وأبو شحادة خارج السباق
* list 2 of 2 بارديلا في عين العاصفة.. اتهامات بمعاداة السامية ومخاوف من المساءلة end of list

وبحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز للصحفيَين بنجامين مولر وشايلا ديوان، واجه فريق تنفيذ الإعدام في تينيسي صعوبة في العثور على وريد مناسب لإدخال البنتوباربيتال، وهو الدواء المستخدم في تنفيذ الحكم.

وقال محامو بايك إن الفريق استخدم ما لا يقل عن 7 إبر قبل تثبيت الخطوط الوريدية، وإن السجينة اشتكت أثناء العملية من إحساس شديد بالحرقان في ذراعها، ووصفتها بأنها تشعر وكأنها "على وشك أن تنفجر".

مصدر الصورة لقطة من فلم يظهر بايك في مسرح الجريمة (وكالات)

صعوبة الوصول إلى أوردة مناسبة

ويرجح خبراء طبيون -نقلت عنهم نيويورك تايمز- أن يكون جزء من الدواء قد تسرب إلى الأنسجة المحيطة بمكان إدخال القسطرة بدلا من الدخول إلى مجرى الدم، في حالة تُعرف طبيا باسم "الارتشاح الوريدي".

ويمكن لمثل هذا التسرب أن يمنع وصول الجرعة إلى التركيز المطلوب للتأثير في الجهاز العصبي ومراكز التنفس، كما قد يؤدي إلى حروق كيميائية وتلف في الأنسجة.

وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن حالة بايك الطبية ربما زادت من صعوبة الوصول إلى أوردة مناسبة، وقال محاموها إن الأطباء كانوا يواجهون صعوبة في العثور على أوردة عند سحب الدم، وإنها تعاني من اضطراب في الصفائح الدموية.

ولم تقتصر الاحتمالات التي بحثها الخبراء على طريقة إدخال الإبر، فقد أشاروا أيضا إلى إمكانية وجود مشكلة في البنتوباربيتال نفسه، مثل انتهاء صلاحيته أو تحلله أو تلوثه أو عدم تحضيره بالشكل المناسب.

إعلان

وترتبط هذه المشكلة -وفق التقارير- بالصعوبات التي تواجهها الولايات الأمريكية في الحصول على أدوية الإعدام، بعد أن فرضت شركات أدوية كبرى قيودا على استخدام منتجاتها في تنفيذ الأحكام، مما دفع بعض الولايات إلى اللجوء إلى مصادر بديلة، بينها صيدليات تركيب الأدوية.

مصدر الصورة صزرة لكريستا بايك (الفريق القانوني لكريستا بايك)

تاريخ طويل من الإعدامات الفاشلة

وفي مقال نشرته مجلة ذي أتلانتيك، وصفت الكاتبة إليزابيث بروينيغ ما حدث لبايك بأنه حلقة جديدة في تاريخ طويل من الإعدامات الفاشلة، معتبرة أن الواقعة تثير تساؤلات عن الافتراض الذي قامت عليه تجربة الحقن القاتلة، وهو أنها تمثل وسيلة أكثر إنسانية وطابعا طبيا من وسائل الإعدام السابقة.

واستندت بروينيغ إلى حالات أخرى في تينيسي، بينها محاولة إعدام توني كارذرز في مايو/أيار التي واجه خلالها المسؤولون صعوبات في الوصول إلى الوريد وانتهت بإلغاء العملية.

وتلفت ذي أتلانتيك إلى عامل آخر يتمثل في غياب العاملين الطبيين المؤهلين عن عمليات الإعدام، لأن المؤسسات الطبية الكبرى، ومنها الجمعية الطبية الأمريكية، تعارض مشاركة الأطباء في تنفيذ أحكام الإعدام لأسباب مهنية وأخلاقية، مما يعني أن المسؤولين عن الإجراءات قد لا يمتلكون الخبرة الطبية اللازمة للتعامل مع الأوردة الصعبة أو المضاعفات التي قد تظهر أثناء العملية.

ويضع المقالان محاولة إعدام بايك ضمن سياق أوسع من الإخفاقات التي شهدتها الولايات المتحدة، فقد استُخدم الكرسي الكهربائي في نهاية القرن الـ19 باعتباره وسيلة أكثر حداثة من الشنق، لكن أول عملية إعدام به في نيويورك عام 1890 انتهت بمشهد وصفته الصحافة آنذاك بأنه مروع.

ولم تختفِ المشكلات مع مرور الوقت، فقد شهدت الولايات المتحدة حالات اشتعلت فيها النيران بأجساد المحكوم عليهم أثناء الصعق الكهربائي، كما وقعت محاولات فاشلة للحقن القاتل بسبب صعوبة الوصول إلى الأوردة أو مشكلات تتعلق بالأدوية.

تكشف الحالات التي استعرضتها الصحف عن مشكلة تتجاوز حادثة بايك نفسها، إذ إن محاولات جعل الإعدام أكثر سرعة وأقل ألما عبر استخدام وسائل تبدو ذات طابع طبي أكثر لم تضع حدا للإخفاقات

تطور وسائل تنفيذ الأحكام

وتناولت نيويورك تايمز -في مقال آخر للصحفي نيكولاس بوغل بوروغز- هذا التاريخ الممتد، مشيرة إلى أن محاولات الإعدام الفاشلة رافقت تقريبا جميع مراحل تطور وسائل تنفيذ الأحكام.

واستعرض المقال حالات عدة، من وليام كيملر الذي كان أول شخص يُعدم بالكرسي الكهربائي عام 1890، إلى جون إيفانز في ألاباما عام 1983، حين أدت الصدمات الكهربائية إلى اندلاع النيران من جسده، وصولا إلى حالات حديثة تعثرت فيها عمليات الحقن القاتل.

ومن أبرز هذه الحالات محاولة إعدام دويل هام في ألاباما عام 2018، عندما عجز المسؤولون عن إدخال خط وريدي إليه، ثم جون غرانت في أوكلاهوما عام 2021، الذي تقيأ وارتجف لعدة دقائق أثناء تنفيذ الحكم.

وفي ألاباما عام 2022، أمضى المنفذون ساعات في محاولة العثور على أوردة جو ناثان جيمس قبل اللجوء إلى شق في ذراعه للوصول إلى الوريد، وفي أيداهو عام 2024، استغرق الأمر نحو ساعة من المحاولات لإدخال خط وريدي إلى أطراف توماس كريتش.

إعلان

كما لم يؤد البحث عن بدائل للحقن القاتل إلى إنهاء المشكلات، فقد لجأت ألاباما عام 2024 إلى غاز النيتروجين باعتباره وسيلة جديدة لتنفيذ الإعدام، وكان كينيث سميث أول شخص يُعدم بهذه الطريقة، لكن شهودا -نقلت عنهم نيويورك تايمز- وصفوا معاناة وارتجافا ولهاثا استمر عدة دقائق، في حين قالت سلطات الولاية إن العملية جرت وفق البروتوكول.

مصدر الصورة كريستا غيل بايك في محكمة مقاطعة نوكس الجنائية، تينيسي، الولايات المتحدة الأمريكية (محكمة مقاطعة نوكس الجنائية)

مراجعة لمعرفة أسباب الإخفاق

وتكشف الحالات التي استعرضتها المقالات الثلاثة عن مشكلة تتجاوز حادثة بايك نفسها، إذ إن محاولات جعل الإعدام أكثر سرعة وأقل ألما عبر استخدام وسائل تبدو ذات طابع طبي أكثر لم تضع حدا للإخفاقات.

وخلصت المقالات إلى أن الحقن القاتل قد يفشل بسبب صعوبة الوصول إلى الوريد أو بسبب خصائص جسم المحكوم عليه أو مشكلات محتملة في الدواء، كما أظهرت الوسائل الأخرى، من الكهرباء إلى غاز النيتروجين، بدورها حالات موثقة من المعاناة أو الفشل.

وفي أعقاب محاولة إعدام بايك، قالت سلطات تينيسي إن العملية نُفذت وفق البروتوكول المعتمد، ولكنها أعلنت مراجعة مستقلة لمعرفة أسباب الإخفاق.

وفي الوقت نفسه، بقيت بايك في حالة حرجة وفق محاميها، وسط مخاوف طبية من احتمال تعرضها لمضاعفات طويلة الأمد نتيجة انخفاض الأكسجين أو تأثير جرعة غير قاتلة من البنتوباربيتال لفترة ممتدة.

وهكذا، فإن قضية كريستا بايك لا تمثل فقط محاولة إعدام لم تكتمل، بل تعيد إلى الواجهة سؤالا أوسع عن قدرة الولايات المتحدة على تنفيذ أحكام الإعدام بطريقة يمكن التنبؤ بنتائجها وتجنب المعاناة غير المتوقعة فيها.

وتظهر الحالات التي وثقتها نيويورك تايمز وذي أتلانتيك أن تاريخ الإعدام في الولايات المتحدة يتضمن سلسلة طويلة من الإخفاقات، رغم تغير الوسائل والتقنيات المستخدمة على مدى أكثر من قرن.