في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

قبل نحو 5 قرون ونصف في بيت من بيوت عدن، كان مريدو الطريقة الصوفية الشاذلية يتحلقون حول وعاء كبير يتناقلون منه شرابا داكنا مر المذاق، يطرد عنهم النعاس في حلقات الذكر وقيام الليل.

ولم يتخيل رواد المجلس آنذاك أن هذا السائل الليلي سيصير بعد قرون أكثر السلع الزراعية حضورا في صباحات البشر، وأن اسمه العربي سيُنطق في لندن وطوكيو وساو باولو بلكنات لا تُحصى، أو أن الأمم المتحدة ستخصّص له يوما تحتفل به لأول مرة في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 تعتنق النازية الجديدة واستهدفت قبر زوجته.. مَن أعداء بيريز في مدرجات ريال مدريد؟
* list 2 of 2 فيديو- مشهد إنساني ولفتة وفاء.. بيتيس يكرم مشجعيه القدامى بطريقة خاصة end of list

وما بين ذلك الوعاء العدني وهذه الحفاوة العالمية قصة تتداخل فيها النبتة والعقيدة والتجارة والفكر، وتُسأل فيها القهوة عن نسبها. فمن أين جاءت؟ وما الذي حمله العرب المسلمون معها حين أهدوها للعالم؟

نبتة إثيوبية ومشروب يمني

يفصل العلم بين أمرين كثيرا ما يختلطان، شجرة البن ومشروب القهوة. فالشجرة إثيوبية الأصل بلا نزاع، وقد حسمت دراسة نشرتها مجلة (Nature Genetics) في أبريل/نيسان 2024، بقيادة فيكتور ألبرت من جامعة بافالو الأمريكية، أن نبتة البن العربي نشأت في غابات إثيوبيا قبل أكثر من 600 ألف عام من تهجين طبيعي بين نوعين آخرين، ويقول ألبرت إن هذا التهجين "لم يكن من صنع البشر".

أما حكاية الراعي "كالدي" الذي لاحظ نشاط ماعزه بعد أكلها ثمار الشجيرة، فلا تظهر مكتوبة قبل عام 1671 في رسالة لاتينية للمستشرق الماروني أنطوان فوستوس نيرون، أي بعد الواقعة المفترضة بـ8 قرون، وتعاملها الموسوعة البريطانية على أنها واحدة من أساطير كثيرة.

والمشروب شيء آخر فالحبة المحمصة المطحونة المغلية، والطقس الذي يلتف حولها، والمكان الذي يُشرب فيه، كلها وُلدت في اليمن في القرن التاسع الهجري/الـ15 الميلادي.

وتبين دراسة جينية سابقة نشرتها مجلة التقارير العلمية (Scientific Reports) في عام 2020، فحصت 736 عينة من البن بينها 88 عينة يمنية قدمتها جامعة صنعاء، أن البن العربي المزروع خارج إثيوبيا كله تقريبا ينحدر من مزارع اليمن الأولى.

إعلان

كأن إثيوبيا أنجبت الشجرة مجردة، ولكن اليمن من علمها أن تكون قهوة.

"عمدة الصفوة" وشهادة المؤرخين

نحو عام 966هـ/1558م تقريبا، كتب عبد القادر بن محمد الجزيري الحنبلي -وهو فقيه حنبلي عاش في القاهرة وتوفي نحو 977هـ/1570م- ما يمكن أن يكون أقدم نص عربي مطول باقٍ عن القهوة وذلك في رسالة بعنوان "عمدة الصفوة في حل القهوة"، ومنها عرف الغرب القهوة قارئا لا شاربا فحسب، حين اعتمد عليها المستشرق الفرنسي أنطوان غالان في كتابه "في أصل القهوة وتقدمها" الصادر في باريس في عام 1699.

ينقل الجزيري روايتين عن البداية، تنسب الأولى الفضل إلى جمال الدين محمد بن سعيد الذبحاني، مفتي عدن، الذي رأى القهوة في الحبشة، فلما عاد مريضا جربها فنفعته وشاعت بين الصوفية.

وتقول الرواية الثانية إن علي بن عمر الشاذلي أول من أدخلها اليمن، وإن المريدين كانوا يصنعون شرابهم أولا من أوراق القات، فلما شح القات في عدن أشار الذبحاني عليهم بأن "البن" يعين على السهر هو الآخر.

ويخلص المؤرخ الأمريكي رالف هاتوكس في كتابه "القهوة والمقاهي" (منشورات جامعة واشنطن، عام 1985)، وهو المرجع الأكاديمي المؤسس في هذا الباب، إلى أن الاستعمال المبكر للقهوة "يرتبط دائما تقريبا بالطرق الصوفية "، وأن القهوة كانت للمريدين نعمة تعينهم على العبادة، لا عبادة في ذاتها.

وحتى الاسم يحمل أثر هذه الولادة العربية، ففي مادة "قهوة" من "دائرة المعارف الإسلامية" يكتب المستشرق الهولندي كورنيليس فان أرندونك أن الكلمة "كانت في الأصل اسما للخمر، يرد في الشعر القديم"، ثم انتقلت في اليمن إلى شراب البن.

وسميت الخمر عند العرب القدماء بـ "القهوة"؛ لأنها -بحسب ابن منظور وغيره- "تُقْهِي شاربها عن الطعام"، أي تُسكره أو تسد شهيته وتُغنيه عن الأكل، ويشرح هاتوكس أن الجذر العربي يفيد الإقهاء، أي إذهاب الشهوة، فالخمر تُقهي شاربها عن الطعام، والقهوة تُقهي عن النوم.

ومن العربية مضت الكلمة إلى التركية "kahve"، فالإيطالية "كافيه "، فالفرنسية والإنجليزية، حتى سماها الأوروبيون في القرن الـ17 "نبيذ العرب".

محاكمة في مكة

ولم يكن طريق القهوة إلى القبول مفروشا بالورود (أو مفروشا بالهيل إذا كنت من رواد القهوة العربية) ففي سنة 917هـ/1511م جمع خاير بك المعمار، الأمير المملوكي ومحتسب مكة، مجلسا من الفقهاء بتحريض من طبيبين فارسيين زعما أن القهوة "باردة يابسة" تفسد المزاج.

قرر المجلس منع مجالسها، فأُحرق البن في الطرقات وضُرب بعض باعته، لكن المرسوم الذي جاء من القاهرة دان المجالس وترك الشراب، وعُزل خاير بك في العام التالي، وكان الجزيري قد سجّل أن القهوة كانت تُشرب حتى في المسجد الحرام، وأنه قلّما خلا منها ذكرٌ أو مولد.

وتكشف هذه المعركة الفقهية أن الخوف كان من المجلس أكثر منه من الفنجان، فالمجلس يجمع الناس ويفتح الحديث في شؤون الحكم، أما الشراب فانتصرت له الأغلبية بقاعدة الإباحة الأصلية ما دام لا يُسكر.

ومن مكة بلغت القهوة القاهرة عبر طلبة اليمن في رواق اليمنيين بالأزهر، ثم دمشق وحلب، حتى وصلت إلى إسطنبول حين قدم رجلان من الشام، "حَكَم" من حلب و "شمس" من دمشق، في نحو عام 962هـ/1554-1555م، كما يروي المؤرخ العثماني إبراهيم بيجوي، وفتحا دكانين كبيرين لبيع القهوة في حي تحت القلعة.

ضوء الليل

وابتكر العرب والعثمانيون ما هو أعظم من المشروب؛ فالمقهى، الذي سمته المصادر " مجمع الظرفاء" وأطلق عليه الناس "مكتب العرفان "، كان يضم الحكواتي ولاعب خيال الظل والشاعر الشعبي، وفيه رقعة الشطرنج وأحاديث السياسة.

إعلان

ويرى أستاذ الدراسات التركية في جامعة هارفارد المؤرخ جمال كفادار، أن المقهى أسهم في "إضاءة الليل " العثماني، إذ صار السهر المديني ممكنا، وخرجت الضيافة من "السلاملك " الخاص إلى الفضاء العام، وقد كتب بيجوي متذمرا أن من كانوا ينفقون أموالهم على الولائم صاروا يكتفون بالمقهى.

ويحضر هنا الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس وأطروحته في "التحول البنيوي للمجال العام " (عام 1962) عن مقاهي لندن بوصفها مهدا للنقاش العقلاني حول الشأن العام.

والملاحظة التي يلحّ عليها دارسو تاريخ الشرق الأوسط أن هذا الفضاء وُجد في القاهرة ودمشق وإسطنبول قبل لندن بقرن على الأقل، وأن السلطات العثمانية ما كانت لتغلق المقاهي مرارا لولا خشيتها من الحديث الذي يدور فيها.

من البندقية إلى "جامعات البنس "

وصف الطبيب الإيطالي بروسبيرو ألبيني شجرة البن للأوروبيين في كتابه "في نباتات مصر " (البندقية، عام 1592) بعد إقامة في القاهرة، ثم افتتح باسكوا روزيه، وهو خادم يوناني من سميرنا لتاجر إنجليزي، أول مقهى في لندن في عام 1652 قرب البورصة الملكية، كما وثق ماركمان إليس في كتابه "المقهى: تاريخ ثقافي" (عام 2004).

وفي أقل من ستين عاما صار في المدينة خمسمئة إلى ستمئة مقهى سُميت "جامعات البنس "، لأن بنسا واحدا يتيح للمرء أن يصغي إلى أعلم الناس.

في مقهى إدوارد لويد وُلدت سوق التأمين "لويدز"، وفي مقهى جوناثان تشكلت نواة بورصة لندن، وفي مقاهٍ أخرى اجتمع أعضاء الجمعية الملكية.

وحين حاول الملك تشارلز الثاني إغلاق المقاهي بمرسوم في عام 1675، سحبه بعد أيام تحت ضغط الرأي العام.

يطرح المؤرخ الألماني فولفغانغ شيفلبوش في كتابه "مذاقات الفردوس " (عام 1980) أن القهوة جاءت مشروبا يقظا عقلانيا حل محل الجعة والنبيذ في فطور الأوروبيين وعملهم، وانسجم مع أخلاق الانضباط والإنتاجية. وهي أطروحة قوية التفسير، لكن المؤرخ برايان كوان، صاحب "الحياة الاجتماعية للقهوة" (منشورات جامعة ييل، عام 2005)، يحذر من المبالغة في تصوير المقهى منبعا وحيدا للعقلانية.

ومع الفنجان مضى الإبداع، كتب باخ "كانتاتا القهوة" في نحو عام 1735 لتُؤدى في مقهى بلايبزيغ، وفيها تغني فتاة بأن القهوة أعذب من ألف قبلة.

وفي باريس جعل سارتر وسيمون دو بوفوار من "مقهى دو فلور" مكتبا للفلسفة.

وعربيا كان المقهى صالون النهضة، من حلقات جمال الدين الأفغاني في مقهى "متاتيا" بالقاهرة (ويسمي المصريون المقهى قهوة مباشرة هكذا)، إلى نجيب محفوظ في الفيشاوي وريش، وقد جعل المقهى بطلا سرديا في "زقاق المدق" و "الكرنك" و "قشتمر".