5 أبراج خليفة في 30 ثانية.. ماذا يعني الهبوط المرعب لرحلة "فلاي دبي"؟
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
29 ثانية هذا كل ما يلزم لانتظار إشارة مرور، أو لارتشاف رشفة من فنجان قهوة، وهو أيضا الزمن الذي فقدت فيه رحلة "فلاي دبي" (إف زد 1073) المتجهة من دبي إلى تل أبيب، صباح الثلاثاء 30 سبتمبر/أيلول، أكثر من 14 ألف قدم من ارتفاعها وهي مسافة تعادل خمسة أبراج خليفة مرصوفة فوق بعضها بعضا.
وتُظهر بيانات التتبع الملاحي التي نشرتها منصة "فلايت رادار 24" المتخصصة أن الطائرة كانت تحلّق على ارتفاع 34 ألف قدم، أي أعلى من قمة جبل إيفرست بنحو 1500 متر، حين بدأت في الانحدار، لتفقد 14 ألفا و125 قدما من ارتفاع 30 ألفا و875 قدما، قبل أن تعود إلى الصعود وتهبط اضطراريا في مطار تبوك شمال غرب السعودية، في حادثة قالت الروايات الرسمية إنها بدأت داخل قمرة القيادة.
قصص مقترحة
list of 1 item* list 1 of 1 طعن في قمرة القيادة وهبوط حاد.. ماذا جرى برحلة "فلاي دبي"؟ end of list
نصف جبل إيفرست و5 أبراج خليفة
تساوي 14 ألفا و125 قدما نحو 4305 أمتار تقريبا، في حين يبلغ ارتفاع قمة إيفرست، أعلى نقطة على سطح الأرض، 8849 مترا وفق المسح المشترك الذي أعلنته نيبال والصين عام 2020، أي أن الطائرة نزلت في نصف دقيقة ما يعادل نصف ارتفاع الجبل كاملا، وهي مسافة يحتاج المتسلّقون إلى أسابيع من جولات التأقلم المتدرّجة ليقطعوها صعودا، في هواء يزداد فقرا بالأكسجين كلما ارتفعوا.
والمفارقة أن الطائرة كانت قبل الحادثة تحلّق فوق ذلك الارتفاع كله، فمستوى الطيران المستقر الذي غادرته يعادل 10 آلاف و363 مترا، أي أعلى من القمة نفسها، وهو الارتفاع الذي تختاره طائرات الركاب عادة لأنه أهدأ الطبقات وأقلها اضطرابا.
وإن بدا الجبل بعيدا عن المخيّلة اليومية، فالمقارنة الأقرب تأتي من المدينة التي أقلعت منها الرحلة، إذ يبلغ ارتفاع برج خليفة في دبي، أطول مبنى في العالم، 828 مترا، مما يعني أن المسافة التي فقدتها الطائرة تعادل 5 أبراج خليفة مرصوفة فوق بعضها بعضا.
وبحساب يستند إلى بيانات المنصة، فإن قسمة المسافة على الزمن تعطي الرقم الذي يشرح طبيعة ما جرى: 4305 أمتار في 29 ثانية تعني أن الطائرة كانت تنزل بمعدل متوسط قدره 148 مترا في كل ثانية، أي ما يقارب 534 كيلومترا في الساعة نزولا عموديا، وتُظهر قراءات الملف الخام أن هذا المعدل لم يكن ثابتا طوال النافذة، بل بلغ ذروته في ثوانيها الأولى ثم تراجع تدريجيا حتى توقف الانحدار.
وللمقارنة، فإن قافز المظلات في السقوط الحرّ يهبط بسرعة تقارب 190 كيلومترا في الساعة، وهي السرعة المرجعية التي يعتمدها الاتحاد الأمريكي للقفز بالمظلات في دليله الرسمي، ويستقر عندها الجسم حين تتعادل مقاومة الهواء مع قوة الجاذبية، بعبارة أخرى، كانت طائرة ركاب تنزل أسرع بأكثر من مرتين ونصف من إنسان يسقط في الهواء.
لم تكن تنزلق.. كانت تتسارع
يكشف تحليل بيانات "فلايت رادار 24" تفصيلا لا يظهر في الأرقام المعلنة، وهو أن سرعة الطائرة ارتفعت أثناء الهبوط بدل أن تنخفض، فقد انتقلت السرعة الأرضية من 410 عقد في الطيران المستقر إلى 598 عقدة، معظم الزيادة خلال 20 ثانية فقط، بزيادة إجمالية قدرها 188 عقدة.
وهذا ما يميز انحدارا حادا عن هبوط عادي نحو المطار، ففي الهبوط المعتاد يخفض الطيار دفع المحركات وينزل بالطائرة بمعدل يقارب 2000 قدم في الدقيقة، دون أن تخرج سرعتها عن حدودها المسموح بها، وبيانات هذه الرحلة نفسها تُظهر هبوطًا من هذا النوع قبل الحادثة بدقيقة واحدة فقط.
بين الساعة 08:21:08 و08:21:42، نزلت الطائرة 1150 قدما في 34 ثانية، أي بمعدل نحو 2000 قدم في الدقيقة، ولم تزد سرعتها الأرضية في تلك الأثناء سوى 28 عقدة.
ثم انقلب المشهد، ففي نافذة الـ29 ثانية بلغ معدّل فقدان الارتفاع ما يعادل نحو 29 ألف قدم في الدقيقة لو استمرّ، أي أكثر من 14 ضعف المعدّل الطبيعي، وارتفعت السرعة الأرضية 188 عقدة بدل 28، بعبارة أخرى، ما كانت الطائرة ستستغرق نحو 7 دقائق لتفقده في هبوط منظم، فقدته في أقل من نصف دقيقة، ولم تكن تنزلق بهدوء إلى ارتفاع أدنى، بل كانت تكتسب سرعة وهي تنزل، وهو ما تتضاعف معه القوى الواقعة على هيكلها.
ماذا قرأ المتخصصون في البيانات؟
قال الطيار البحري الأمريكي المتقاعد ماثيو باكلي لشبكة "فوكس نيوز" إن ما جرى كان "عنيفا بشكل لا يُصدّق"، مضيفا أن بيانات الرادار التي اطلع عليها تشير إلى أن الطائرة تجاوزت سرعتها القصوى المسموح بها جويا بـ100 عقدة.
أما محلل الطيران أليكس ماشيراس فأشار إلى "أضرار لافتة" لحقت بدفة اتجاه الطائرة وبأجزاء من كسوتها الخارجية، موضحا أن القوى الديناميكية الهوائية في هبوط حاد وعالي السرعة تتضاعف مع مربع السرعة، حتى تصبح الأحمال على الذيل وأسطح التحكم هائلة.
وكتب خوسيه كوريا غيديس، محلل شؤون الطيران في "سي إن إن" البرتغالية، أنه اطلع على البيانات الدقيقة التي وفرتها "فلايت رادار 24" فوجد فيها "قيم معدل هبوط قد تضع سلامة هيكل الطائرة موضع تساؤل"، مشيرا إلى تسجيلات تتجاوز 32 ألف قدم في الدقيقة.
وأضاف أن مثل هذا المعدل "لا يتحقق إلا بغطسة نحو الأرض ومحركات بأقصى تسارع"، وأن هذه التسجيلات "قصيرة المدة لكنها تدل جيدا على وحشية هذه الحادثة"، مشيرا إلى أن "هيكل هذه الطائرة مرّ بتجاوزات كبيرة وسيحتاج بطبيعة الحال إلى إعادة تقييم".
ويكشف الملف الخام أن الرقم الذي أشار إليه غيديس -32 ألفا و640 قدما في الدقيقة- تكرر 10 مرات متتالية دون أن يتغير، وهو يساوي السقف الأقصى الذي يستطيع نظام التتبع التعبير عنه. أي أن معدل الهبوط الفعلي بلغ حد قدرة الأجهزة على القياس أو تجاوزه، ولا سبيل إلى معرفة كم زاد عنه.
وأخضع عالم الفيزياء الفلكية وصانع المحتوى العلمي سكوت مانلي البيانات لنمذجة فيزيائية، فخلص إلى أنه "من الوارد جدا أن تكون السرعة الجوية قد تجاوزت ماخ 1″، أي حاجز الصوت. لكنه حذر من الجزم "بسبب عدم اتساق التسجيل في البيانات"، مرجحا أن توافر قراءات أكثر قد "يُنعّم الانحدار السريع بما يكفي لجعله دون سرعة الصوت".
وبشأن هذه الفرضية، فإن جمع السرعة الأرضية في ذروتها (598 عقدة) مع سرعة الهبوط العمودي يشير إلى أن الطائرة اقتربت بالفعل من حاجز الصوت، لكن ذلك يُعد مؤشرا على أن الأرقام المعلنة متأثرة بالثغرات في البيانات -وهو ما رجحه مانلي نفسه- وليس دليلا قاطعا على أن الطائرة بلغت تلك السرعة.
وخرج باحث إسرائيلي من قراءة البيانات المفتوحة باستنتاجين: أن الطائرة كانت على بُعد نحو 30 ثانية من الاصطدام بالأرض لو استمر انحدارها بالوتيرة نفسها، وأن ما جرى لم يكن غطسة واحدة بل غطستين.
وتؤكد قراءات البيانات الاستنتاج الثاني، فعند الارتفاع 16ألفا و600 قدم توقف الانحدار الأول وعادت الطائرة إلى الصعود حتى 21 ألفا و725 قدما عند الساعة 08:23:23، ثم هبطت ثانية إلى 14 ألفا و950 قدما عند 08:24:18، أي 6775 قدما في 56 ثانية، وارتفعت سرعتها الأرضية من 390 إلى 482 عقدة، قبل أن تستقر قرب 15 ألف قدم.
وكانت الطائرة قد فعلت رمز الطوارئ العام (7700) أثناء تحليقها قرب الحدود السعودية الأردنية، ثم حولته مؤقتا إلى الرمز (7500) الذي يشير ملاحيا إلى "تدخل غير مشروع"، لتتحول هذه الأرقام والرموز الصامتة على الشاشات إلى السجل الوحيد المتاح لما جرى في تلك الدقائق، قبل أن تهبط في تبوك.
وأمر النائب العام الإماراتي بالتحقيق في واقعة طائرة "فلاي دبي" وما إذا كانت مرتبطة بأي "نشاط إرهابي"، وفق ما أفادت وكالة أنباء الإمارات (وام)، وقال وزير الأمن الداخلي الأمريكي إن التحقيق في الحادث ما زال مستمرا وإن بلاده تلقت "تقارير متضاربة" بشأن ما جرى.
وفي المقابل، وصف وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس -في بيان- ما حدث على متن الطائرة بأنه "محاولة هجوم جهادي"، وقال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إن "إرهابيا" حاول إسقاط الطائرة الإماراتية وقتل الإسرائيليين على متنها، مما اضطرها إلى الهبوط في مطار تبوك. أما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو فقال إن تصرفات الطيار الهندي أنقذت 174 روحا على متنها، بينهم إسرائيليون ومواطنو دول أخرى.
كيف أُعدّ هذا التقرير
يستند التقرير إلى ملف بيانات "إيه دي إس-بي" (ADS-B) الدقيقة الذي نشرته "فلايت رادار 24 " للرحلة "إف زد 1073″، وفيه 10 آلاف و355 رسالة تتبع بمعدل رسالة في الثانية تقريبا، تحمل الارتفاع البارومتري والسرعة الأرضية ومعدل الهبوط المُبلَّغ عنه.
مصدر الصورة
وقد حُوّلت التوقيتات إلى توقيت مكة المكرمة، والأقدام إلى الأمتار بمعامل 0.3048. واعتُمدت نافذة الانهيار كما نشرتها المنصة (08:22:07–08:22:36) دون احتساب نافذة خاصة، ومعدل 148 مترا في الثانية هو متوسط النافذة وليس سرعة لحظية، ومعدل الهبوط الطبيعي المقارَن به مستخرج من الرحلة نفسها قبل الحادثة بدقيقة.