تحقق السلطات البريطانية في مخطط محتمل لاستهداف قاعدة عسكرية استخدمتها الولايات المتحدة في ضرباتها ضد إيران، في واقعة أشارت واشنطن ولندن إلى احتمال تورط إيران فيها.

وقالت أجهزة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، إنها تحقق في جميع الاحتمالات، بما في ذلك إمكانية أن يكون أشخاص قد نفذوا النشاط لصالح دولة أجنبية، و أشارت إلى أن “ارتباط الدافع بإيران هو الأكثر احتمالا.”

ولم تؤكد السلطات البريطانية حتى الآن أن الحادث كان عملا إرهابيا أو أن إيران تقف وراءه، وقالت إن التحقيق لا يزال يدرس جميع الاحتمالات.

ويلفت توقيت الحادثة وموقعها الانتباه، خصوصا بعد تهديدات إيرانية سابقة باعتبار أي قاعدة بريطانية تُستخدم في عمليات ضد إيران هدفا مشروعا.

وصرّح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للصحفيين في البيت الأبيض، الاثنين، بأن الواقعة ربما تكون مرتبطة بإيران، وأن المتهمين كانوا يعتزمون إلحاق “أضرار جسيمة”.

وقال وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو لشبكة “فوكس نيوز” إن “ما حدث، وما كاد أن يحدث، وما كان يمكن أن يحدث في بريطانيا خلال مطلع الأسبوع هو وضع بالغ الخطورة. ومن الواضح أنه وضع ينطوي على ضلوع أيدي جهة أجنبية.”

وتلقت السلطات البريطانية بلاغات يوم الأحد عن وجود ثلاث شاحنات بيضاء “مشبوهة” بالقرب من قاعدة فيرفورد الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، في غرب لندن.

واعتقلت الشرطة لفترة وجيزة خمسة أشخاص، في منتصف العشرينات من العمر، ثم أعلنت إطلاق سراحهم بكفالة “بشروط صارمة”، مع إبقاء التحقيق مستمرا.

وصرح لورانس تايلور، مساعد المفوض ورئيس وحدة مكافحة الإرهاب في الشرطة، للصحفيين في لندن، أن الضباط “يدرسون الأمر من كافة الزوايا المحتملة، بما في ذلك احتمال أن يكون هذا النشاط قد نُفذ بواسطة وكلاء، أو أفراد يعملون -سواء عن علم أو دون علم- لصالح دولة أجنبية”.

ووفقا للشرطة، فقد أُلقي القبض على الرجال للاشتباه في ارتكابهم مخالفات تتعلق بالمتفجرات و”التحضير لعمل إرهابي” بموجب قوانين مكافحة الإرهاب البريطانية.

أما طهران فنفت الاتهامات “بشكل قاطع” عبر سفارتها في لندن، وقالت إنها “تدين بشدة” التكهنات التي تشير إلى تورطها.

وتكمن أهمية القاعدة في أنها واحدة من القواعد الجوية القليلة في أوروبا التي تستخدمها الولايات المتحدة والمجهزة لاستقبال القاذفات الثقيلة، وقد لعبت دورا محوريا في حرب الخليج الأولى عام 1991 وحرب العراق عام 2003.

واستخدمت القوات الأميركية قاعدة فيرفورد خلال العام الجاري لشن هجمات على إيران، من بينها قاذفات من طرازي “بي-1″ و”بي-52” .

وذكرت بريطانيا في يوليو الماضي أن قواتها المسلحة مستعدة لحماية قاعدة فيرفورد الجوية، بعدما وجه الحرس الثوري الإيراني تحذيرا لبريطانيا من مغبة السماح للقاذفات الأميركية بالإقلاع منها.

في مارس، وفي ذروة الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، حذر خبراء في شؤون مكافحة الإرهاب من خطر الهجمات الإيرانية المحتملة وأعمال التخريب عبر الوكلاء أو المتطرفين أو المجرمين.

وصرح وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند، يوم الاثنين بأن هذه الحادثة الأخيرة تُعد تذكيرا بالتهديدات التي تواجه البلاد.

وكان ميليباند التقى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في مقر الأمم المتحدة بنيويورك الأسبوع الماضي، وأبلغه بأن “بريطانيا لن تتسامح مع الترهيب أو التهديدات أو الأنشطة العدائية على الأراضي البريطانية”، وذلك وفقا لبيان بريطاني حول فحوى المحادثة.

ويأتي الحادث الأخير بعد أن حذرت الاستخبارات البريطانية من لجوء كل من إيران وروسيا إلى استخدام وكلاء لتنفيذ أنشطة على الأراضي البريطانية.

وقال مسؤولون بريطانيون في مارس إن عدد قضايا الأمن القومي المرتبطة بأنشطة دول معادية، بما في ذلك إيران، ارتفع بنسبة 50% خلال الأشهر الستة المنتهية في ديسمبر 2025.

وفي تصريحات لـ”الحرة”، يقول جيسون برودسكي، وهو باحث غير مقيم في برنامج إيران التابع لمعهد الشرق الأوسط، إن هناك مؤشرات على تورط طهران في الواقعة، إذ تم اعتقال عناصر مرتبطة بإيران أثناء محاولتهم التجسس على قواعد أخرى مرتبطة بالمجهود الحربي، ولا سيما في قبرص، في الأشهر الماضية.

وتشير سوابق تاريخية إلى أن وكلاء مرتبطين بإيران، يقفون وراء العديد من محاولات القتل والتخريب في المملكة المتحدة ودول أخرى، قبل أن يتوسع نطاق هذه التهديدات مع استمرار الصراعات في الشرق الأوسط.

ومنذ عام 1984، وصفت الإدارات الأميركية المتعاقبة إيران بأنها “دولة راعية للإرهاب”. ويُدير الحرس الثوري الإيراني، وجناحه الخارجي “فيلق القدس”، شبكات واسعة من الوكلاء المسلحين والعملاء والخلايا النائمة لتنفيذ مثل هذه الحملات.

وتصنف الولايات المتحدة، الحرس الثوري الإيراني، جماعة إرهابية منذ عام 2019.

ووجهت وزارة العدل الأميركية في يونيو الماضي اتهامات إلى العراقي محمد باقر الساعدي بالتخطيط لنحو 20 هجوما على مؤسسات يهودية في أوروبا وأميركا الشمالية ضمن حملة انتقامية إيرانية.

وتعقب جهاز الاستخبارات الداخلية البريطانية أكثر من 20 “مخططا فتاكا مدعوما من إيران خلال عام واحد فقط”، حسبما أعلن كين ماكالوم المدير العام للجهاز في أكتوبر الماضي.

وفي تصريحات لـ”الحرة، قال آلان ميندوزا ، مدير مركز الأبحاث السياسية “هنري جاكسون” في بريطانيا، إن الاشتباه في وجود مخطط ضد قاعدة جوية تستخدمها الولايات المتحدة “يمثل تصعيدا للعمليات الإيرانية في أوروبا، والتي عادة ما تستهدف مواقع تجارية أو تجمعات للمغتربين الإيرانيين أو الجالية اليهودية”.

ويضيف: “إذا ثبت تورط إيران في الحادث الأخير، سيعكس ذلك تغييرا محتملا في تكتيكات النظام بعد أن حذر من أن هذه القواعد أهداف مشروعة لعملياته”.

ووفقا لجهاز المخابرات الداخلية الفرنسي، “غيرت الأجهزة الإيرانية أساليب عملها، وتفضل الآن بشكل أكثر منهجية استخدام أشخاص من الدوائر الإجرامية” لتنفيذ هجماتها في الخارج.

وفي تصريحات لـ”الحرة، قالت كلارا بروكارت، محللة الأبحاث في مركز صوفان، وهو مركز أبحاث مقره نيويورك يركز على قضايا الإرهاب، إن إيران لطالما اعتمدت على ما يُعرف بـ “العملاء القابلين للاستغناء عنهم” (أو العملاء المؤقتين) قبل وقت طويل من حرب إيران، مثل استخدام عصابة “فوكستروت” (Foxtrot) الإجرامية في السويد لتنفيذ عمليات نيابة عنها.

لكنها توضح أن المخطط الحالي يتوافق أيضا مع استراتيجية روسيا في “الحرب الهجينة” في أوروبا، التي تسعى هي الأخرى لإثارة الفوضى باستخدام عملاء يمكن التخلي عنهم.

وفي يونيو 2018، أحبطت السلطات الفرنسية والألمانية والبلجيكية مخططا لتفجير تجمع للمعارضة الإيرانية قرب باريس، وكان من بين المتهمين زوجان إيرانيان هما أمير سعدوني وزوجته نسيمة نعامي. وضبطت السلطات البلجيكية متفجرات داخل سيارتهما، وكشفت التحقيقات فيما بعد ارتباطهما بالمخابرات الإيرانية.

وتشير خريطة تفاعلية نشرها معهد واشنطن في 2024 إلى زيادة ملحوظة في النشاط الإيراني في أوروبا، تشمل تجنيد مجرمين فيها.

تقول بروكارت إن العمليات والتكتيكات والأهداف المختارة تشير جميعها إلى تورط إيران أو ميليشيا مدعومة منها، ولكن تنفيذها غالبا ما يتم باستخدام طبقات متعددة من التمويه عبر وسطاء، بعضهم يتحركون بدافع الربح المادي، ويعتقدون أنهم يشاركون في جرائم بسيطة وليس أعمال إرهاب لصالح النظام الإيراني.