تتيح تجربة رواندا لسوريا مجالا لمقارنة التحديات والوظائف والتوترات والمخاطر المؤسسية المرتبطة ببناء منظومة للعدالة الانتقالية بعد الفظائع الجماعية. فقد أنشئت أبرز مؤسساتها، وهما المحكمة الجنائية الدولية لرواندا (ICTR) وهيئات غاتشاتشا القضائية المجتمعية، استجابة لأزمة محددة.

وتكمن قيمة التجربة الرواندية في سياقات أخرى فيما تكشفه من صعوبات تتكرر في أعقاب الفظائع الجماعية، لا في تصميمها المؤسسي ذاته.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 وزير الصحة اليمني يكشف واقع القطاع الصحي في ظل الحرب
* list 2 of 2 استئناف المحادثات.. إيران تنفي وترمب يتوقع end of list

وتقتصر هذه المقارنة على الفترة الممتدة من عام 1994 حتى نهاية عام 2003، وهي فترة تشمل بناء منظومة المساءلة في رواندا وبدايات عملها، وتتيح دراسة الخيارات التي اتُّخذت آنذاك من دون إسقاط النتائج اللاحقة عليها بأثر رجعي.

يتعلق الدرس الأول بإثبات النتائج. ففي غضون سنوات قليلة، أصبح لدى رواندا محكمة دولية، وإطار وطني متخصص لمحاكمة جرائم الإبادة الجماعية، وأساس قانوني لنظام غاتشاتشا، وصندوق لمساعدة الناجين، ودستور جديد. غير أن وجود أي من هذه المؤسسات أو الآليات، في حد ذاته، لم يكن دليلا على تحقق العدالة، أو وصول المساعدات إلى مستحقيها، أو حدوث المصالحة.

إن ما يمكن لسوريا أن تستفيده من رواندا هو منهج؛ ولا يكون أي ترتيب رواندي ذا صلة إلا بقدر ما يعالج مشكلة سورية قابلة للمقارنة بالفعل، وينبغي تقييم أي آلية تعتمدها سوريا استنادا إلى آثارها في الضحايا والمتهمين والمؤسسات

فالقانون أو الولاية القضائية أو الصندوق ينشئ مسارا نحو نتيجة ما، لكنه لا يشكل دليلا على تحقق تلك النتيجة. ولذلك، ينبغي تقييم آليات العدالة الانتقالية استنادا إلى آثارها المثبتة في المساءلة، والحقيقة، وحقوق الضحايا، وضمانات المحاكمة العادلة، وقدرة المؤسسات على ضبط ممارستها لسلطاتها، وثقة الجمهور.

ويتعلق الدرس الثاني بالغرض. فقد عالجت آليات العدالة في رواندا المسؤولية الجنائية، لكنها كانت أيضا أدوات لإدارة الاحتجاز وعودة اللاجئين والممتلكات وإعادة بناء السلطة العامة. ويُظهر الإفراج المؤقت عام 2003 عن المحتجزين المستوفين للشروط ممن اعترفوا بجرائمهم تداخل هذه الوظائف. فقد كان الغرض منه الحد من الاحتجاز المطول والاستعداد لنظام غاتشاتشا، لكنه أثار في الوقت نفسه مخاوف بشأن أمن الناجين واللاجئين وإعادة إدماج المفرج عنهم.

إعلان

وقد يخدم إجراء ما أغراض الحوكمة بصورة جيدة، بينما يكون أداؤه ضعيفا من منظور العدالة. ويزداد الخطر عندما يُسعى إلى المساءلة وترسيخ السلطة السياسية من خلال الآلية نفسها، لأن النجاح في أحد المجالين قد يُقدَّم عندئذ بوصفه نجاحا في الآخر. وحيث يتعذر الفصل بينهما، ينبغي تقييم الآلية من حيث آثارها في العدالة وفي الحوكمة معا.

وتوضح المحكمة الجنائية الدولية لرواندا ما يمكن للعدالة الجنائية الدولية أن توفره وما لا تستطيع توفيره. فبموجب نظامها الأساسي، الملحق بقرار مجلس الأمن رقم 955، كانت للمحكمة ولاية قضائية على جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الثاني، المرتكبة في رواندا خلال عام 1994.

كما كانت لها ولاية على تلك الجرائم عندما يرتكبها مواطنون روانديون في الدول المجاورة خلال العام نفسه. وأرسى اجتهادها القضائي سوابق باتت مرجعا في القانون الجنائي الدولي. ففي قضية أكايسو عام 1998، وهي أول حكم تصدره محكمة دولية بالإدانة بجريمة الإبادة الجماعية، أقرت المحكمة بأن الاغتصاب والعنف الجنسي يمكن أن يشكلا إبادة جماعية متى ارتُكبا بنية خاصة تهدف إلى تدمير جماعة محمية، كليا أو جزئيا، بصفتها هذه.

غير أن محكمة تعقد جلساتها خارج رواندا في أروشا، تنزانيا، وتتسم إجراءاتها بطول المدة، ولا تنظر إلا في عدد محدود من المتهمين اقتصر، حتى نهاية عام 2003، على المنتمين إلى معسكر النظام السابق، لم يكن بوسعها معالجة الحجم الهائل للقضايا. وكان الهدف من ترتيبات دعم الشهود ومركز المعلومات التابع لها في كيغالي تيسير الوصول إلى المحكمة وتعزيز التواصل مع الجمهور، من دون أن يؤدي ذلك إلى إزالة المسافة الفاصلة بين الإجراءات الدولية والمجتمعات المتضررة.

وعالجت رواندا مشكلة الحجم من خلال توزيع العمل بين جهات قضائية متعددة. فقسّم القانون الوطني المشتبه فيهم إلى فئات بحسب الأدوار والأفعال المنسوبة إليهم. وبموجب تشريع غاتشاتشا لعام 2001، ظلت الفئة الأشد خطورة، التي شملت من يُزعم أنهم من المخططين والقادة والأشخاص المتهمين بالاغتصاب، من اختصاص المحاكم العادية.

وأُسندت إلى غاتشاتشا الفئات الأدنى، إلى جانب مهام جمع المعلومات والتخفيف من وطأة الاحتجاز الجماعي. ولم يكن هذا الترتيب خاليا من الإشكالات. فقد كانت للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا أولوية على المحاكم الوطنية، بما يعني أنه كان بوسعها أن تطلب إحالة قضايا من المحاكم الوطنية إلى اختصاصها، في حين تحملت المحاكم الوطنية وهيئات غاتشاتشا أعباء قضايا أكبر بكثير، بموارد أقل وقدرات أضعف في مجال الدفاع.

ينبغي تقييم آليات العدالة الانتقالية استنادا إلى آثارها المثبتة في المساءلة، والحقيقة، وحقوق الضحايا، وضمانات المحاكمة العادلة، وقدرة المؤسسات على ضبط ممارستها لسلطاتها، وثقة الجمهور

وعندما تتجاوز الادعاءات ما تستطيع المحاكم التقليدية محاكمته عمليا، قد يصبح توزيع العمل ضرورة. غير أن فاعلياته تعتمد على وضوح القواعد المتعلقة بالاختصاص والإحالة والأدلة والاستئناف، وعلى عدم توقع أن تتولى جهة واحدة جميع وظائف المساءلة.

إعلان

وقد فرض حجم القضايا أشد الضغوط على ضمانات المحاكمة العادلة. فقد اشترط إجراء الاعتراف المنصوص عليه في القانون الأساسي رقم 08/96 الإفصاح، مقابل آثار قانونية متفاوتة. وكان الهدف من ذلك الحصول على المعلومات، والتمييز بين درجات المسؤولية، وتقليل عدد المحاكمات الكاملة. لكنه أوجد أيضا حوافز للإفصاح الإستراتيجي وإلقاء اللوم على الآخرين.

وكان للمتهمين الحق في اختيار محام، غير أن الدولة لم تكن ملزمة بتحمل تكلفته، الأمر الذي أوجد خطرا يتمثل في عدم التكافؤ بين المتهمين الذين يمثلهم محامون وأولئك الذين لا يتمتعون بتمثيل قانوني. كما زادت أحكام الإعدام الصادرة بحق مرتكبي الجرائم المنتمين إلى الفئة الأشد خطورة من المخاوف المتعلقة بضمانات المحاكمة العادلة، وأعاقت كذلك التعاون مع الدول التي لم تكن مستعدة لتسليم مشتبه فيهم إلى ولاية قضائية تطبق عقوبة الإعدام.

وهذا خطر قائم في سوريا أيضا، إذ قد يدفع الإبقاء على عقوبة الإعدام دولا تحتجز سوريين مشتبها فيهم، أو تملك أدلة بحقهم، إلى الامتناع عن تسليمهم أو التعاون في ملاحقتهم.

وتُظهر غاتشاتشا المشكلة ذاتها على المستوى المحلي، وكثيرا ما يجري توصيفها على نحو خاطئ في اتجاهين متعاكسين. فلم تكن محكمة شعبية غير منظمة، بل كانت عملية جنائية أنشأتها الدولة، واستُلهمت من وسائل محلية لتسوية المنازعات، لكنها أُنشئت بموجب قانون، وتضمنت جلسات علنية، وحقا في الاستئناف، وعقوبات على الاتهامات الكاذبة.

وفي الوقت نفسه، لم تكن محكمة مهنية عادية؛ فقد كان قضاتها من غير المهنيين، رغم تمتعها بصلاحيات التحقيق والاستدعاء والاحتجاز المؤقت. وبحلول نهاية عام 2003، كان الإطار القانوني قد صدر وعُدّل وخضع للتجربة، إلا أن المحاكمات على الصعيد الوطني لم تكن قد بدأت بعد.

وظل هذا الإطار يثير تساؤلا مفتوحا بشأن قدرة القضاة غير المهنيين على تطبيق ضماناته في بيئات تتأثر بالخوف والصدمات واختلال موازين القوى المحلية ومحدودية المساعدة القانونية. فالضمانات الشكلية والقدرة العملية مسألتان منفصلتان، وأي عملية تعتمد على مشاركة محلية واسعة يجب أن تستوفي كلتيهما.

وينطبق التمييز نفسه على الحقيقة. فالاعترافات والشهادات العلنية يمكن أن تكشف معلومات، وتحدد المشاركين، وتمنح الناجين قدرا من الاعتراف بما تعرضوا له. لكنها قد تنتج أيضا روايات تتشكل بفعل تخفيف العقوبة، أو الضغط المحلي، أو الخوف، وقد تعرّض الناجين والشهود والمتهمين للخطر داخل مجتمعاتهم نفسها.

فالإفصاح لا يساوي حقيقة جرى التحقق منها. وتؤثر الظروف التي تُنتزع أو تُجمع فيها الشهادات، والطريقة التي تُختبر وتُحمى بها، تأثيرا كبيرا فيما إذا كان البحث عن الحقيقة يدعم المساءلة أم يعيد إنتاج انعدام الأمن. فالعملية التي تجمع الشهادات من دون اختبارها قد تسجل ادعاءات من دون أن تثبت الوقائع.

وتتطلب مطالب الضحايا قدرا مماثلا من الدقة. فقد أنشأت رواندا صندوقا قائما على الاحتياجات لمساعدة الناجين من الإبادة الجماعية، خصص له القانون نسبة 5% من الإيرادات المحلية. كما نص قانون الملاحقات القضائية لعام 1996 على إمكانية إقامة دعاوى مدنية وإنشاء صندوق للتعويض، ونص أمر وزاري صدر في العام نفسه على مسار إداري للتعامل مع بعض الأراضي الريفية المهجورة وغير المسجلة.

تعني المعاملة المتساوية تطبيق معايير متسقة في التحقيق والتكييف القانوني والإثبات على كل شخص يُدعى أنه ارتكب جريمة. ولا تعني افتراض التكافؤ بين ادعاءات لم تثبت الأدلة تكافؤها

وقد اعترفت هذه التدابير بالضرر المادي وبالتهجير. غير أن ما اطلعت عليه من سجلات لا يثبت أنها أسفرت عن تدابير جبر شاملة، أو تعويض مالي واسع النطاق، أو استرداد ناجح للممتلكات.

إعلان

ويتطلب التعامل مع الجرائم المنسوبة إلى جميع الأطراف القدر نفسه من الانضباط. فقد أفادت لجنة خبراء الأمم المتحدة بوجود أدلة قاطعة على ارتكاب إبادة جماعية ضد التوتسي، وبوجود أدلة على انتهاكات جسيمة ارتكبها أشخاص من كلا الجانبين.

ولم تجد اللجنة، استنادا إلى الأدلة المتاحة لها آنذاك، دليلا على وجود نية لدى عناصر من التوتسي لتدمير الهوتو بصفتهم جماعة، كما سجلت القيود المتعلقة بالوقت والموظفين والتحقيقات. وكانت الولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا تنطبق، من الناحية القانونية، على الجرائم التي يرتكبها أي طرف، بمن في ذلك أفراد الجبهة الوطنية الرواندية.

غير أن تلك النتائج، وهذه الولاية القضائية، والخيارات اللاحقة للادعاء العام، وإثبات المسؤولية الفردية أمور متمايزة. وتعني المعاملة المتساوية تطبيق معايير متسقة في التحقيق والتكييف القانوني والإثبات على كل شخص يُدعى أنه ارتكب جريمة. ولا تعني افتراض التكافؤ بين ادعاءات لم تثبت الأدلة تكافؤها.

بحلول نهاية عام 2003، كانت رواندا قد أرست أسس منظومة متعددة المستويات للمساءلة في ظل ظروف بالغة القسوة. وظلت ثمة تساؤلات مفتوحة بشأن عدالة الاحتجاز والمحاكمات، وحماية الشهود والناجين، ومدى كفاية سبل الإنصاف، والعلاقة بين العدالة وترسيخ السلطة السياسية. وتدعم المراجع المتعلقة بتلك الفترة استخلاص نتائج حذرة بشأن الولايات القانونية، والتشريعات الصادرة، والأنشطة التجريبية، والأحكام المبكرة.

لكنها لا تدعم القول إن العدالة أو المصالحة قد تحققتا. ولذلك، فإن ما يمكن لسوريا أن تستفيده من رواندا هو منهج؛ ولا يكون أي ترتيب رواندي ذا صلة إلا بقدر ما يعالج مشكلة سورية قابلة للمقارنة بالفعل، وينبغي تقييم أي آلية تعتمدها سوريا استنادا إلى آثارها في الضحايا والمتهمين والمؤسسات.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.