آخر الأخبار

لماذا تتفاهم واشنطن مع الحوثيين؟

شارك

لم يعد باب المندب، في ظل التحولات العسكرية الأخيرة في اليمن، مجرد ممر بحري يتأثر بالحرب الدائرة على اليابسة، بل أصبح، وفق تقدير موقف صادر عن مركز المخا للدراسات الاستراتيجية بعنوان "من تشبيك المضيقين إلى تفاهمات مسقط: تحولات الموقف الأمريكي من أمن البحر الأحمر وتداعياتها على اليمن والإقليم"، جزءا من معادلة إقليمية تربطه بمضيق هرمز، وبالصراع مع إيران، وبأمن السعودية، وبالمصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

ومن هذه الزاوية يقرأ التقدير الاتصالات الأمريكية الأخيرة مع جماعة الحوثي في مسقط باعتبارها مؤشرا على تحول في طريقة تعامل واشنطن مع الخطر البحري: من محاولة ردعه بالقوة العسكرية إلى احتوائه عبر تفاهمات محدودة تحمي مصالح بعينها.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 بنكيران.. الزعيم الذي أصبح أكبر من حزبه
* list 2 of 2 الريال الإيراني في قلب المعركة.. وطهران تبحث عن الدولار end of list

وينطلق تقدير الموقف من تغير ميداني كبير على الساحل اليمني، حيث تزامن تقدم الحوثيين على البحر الأحمر، بما في ذلك السيطرة على مدينة المخا ومينائها في 10 سبتمبر/أيلول 2026، ثم دخول جزيرة ميون والسيطرة على أرخبيل حنيش وجزيرة زقر في اليوم التالي، مع استمرار التوتر حول مضيق هرمز. وبهذا لم يعد التقدم الحوثي، في قراءة التقدير، مجرد توسع في مساحة السيطرة داخل اليمن، وإنما أصبح ذا قيمة استراتيجية تتصل مباشرة بأمن واحد من أهم الممرات البحرية الدولية.

ويطلق التقدير على الوضع الجديد تعبير "تشبيك المضيقين"، ويقصد به انتقال هرمز وباب المندب من كونهما ساحتي ضغط منفصلتين إلى ورقتين مترابطتين داخل معادلة إقليمية واحدة؛ فالضغط على أحد الممرين يرفع القيمة الاستراتيجية للآخر، ويجعل التحرك في البحر الأحمر قابلا للارتباط بالصراع الأوسع في الخليج.

ومن قلب هذه المعادلة جاءت تفاهمات مسقط.

مصدر الصورة مؤيدون للحوثيين يرفعون أسلحتهم وصورة زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خلال احتجاج في صنعاء (الفرنسية)

الحوثيون يتقدمون.. والأمريكيون يفتحون قناة اتصال

بحسب ما يستند إليه تقدير الموقف من تقرير لوكالة رويترز في 16 سبتمبر/أيلول 2026، التقى مسؤولون أمريكيون ممثلين عن جماعة الحوثي في السفارة الأمريكية بمسقط خلال عطلة نهاية الأسبوع، في اجتماع غير معلن ساعدت سلطنة عمان في ترتيبه، ومثل الجماعة فيه محمد عبد السلام المقيم في مسقط وعبد الملك العجري.

إعلان

وجاء الاجتماع بعد أيام قليلة من التقدم الحوثي على الساحل الغربي والسيطرة على المخا وميون. ووفقا للمصادر التي نقل عنها التقدير، أبلغ الحوثيون الجانب الأمريكي أنهم لا يعتزمون استهداف السفن الأمريكية، وأنهم ملتزمون بتفاهم وقف إطلاق النار الذي توصل إليه الطرفان في مايو/أيار 2025، فضلا عن عدم استهداف السفن الإسرائيلية والتجارية، مع استثناء السفن السعودية.

ولم تؤكد وزارة الخارجية الأمريكية عقد الاجتماع، واكتفى المتحدث باسمها بالقول إن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر تمثل مصلحة أمريكية، بينما نقل التقدير عن الرئيس دونالد ترمب قوله، في 12 سبتمبر/أيلول، إن الحوثيين تواصلوا هاتفيا مع إدارته وطالبوا ببقاء الولايات المتحدة بعيدة عن الحرب في اليمن.

وتنبع أهمية هذه الاتصالات، وفق تقدير الموقف، من المفارقة التي تحيط بها. فالولايات المتحدة تصنف جماعة الحوثي منظمة إرهابية أجنبية منذ مارس/آذار 2025، وكانت قد خاضت ضدها حملة عسكرية استمرت نحو شهرين قبل اتفاق وقف إطلاق النار في مايو/أيار من العام نفسه، كما أن محمد عبد السلام نفسه خاضع للعقوبات الأمريكية. ومع ذلك فتحت واشنطن قناة اتصال مع الجماعة عندما أصبحت حماية الملاحة والمصالح الأمريكية موضع البحث.

وهنا يطرح التقدير السؤال الذي يقوم عليه جانب كبير من تحليله: هل تنتقل الولايات المتحدة في البحر الأحمر من منطق القوة والردع إلى منطق التفاهمات المحدودة؟

لماذا تتفاهم واشنطن مع الحوثيين؟

يرد تقدير الموقف السلوك الأمريكي إلى ثلاثة اعتبارات مترابطة.

أولها تحييد المصالح الأمريكية والإسرائيلية المباشرة، إذ يرى أن واشنطن معنية أساسا بضمان عدم تعرض السفن الأمريكية والإسرائيلية للهجمات الحوثية.

والثاني هو احتواء التصعيد بأقل تكلفة عسكرية ممكنة؛ لأن العودة إلى حملة عسكرية أمريكية واسعة ضد الحوثيين قد تفتح جبهة إضافية وتزيد التهديد للمصالح الأمريكية والإسرائيلية بدلا من إنهائه.

أما الاعتبار الثالث فهو محاولة فصل المصالح الأمريكية والإسرائيلية عن بقية ساحات الصراع الإقليمي؛ أي حماية ما تعتبره واشنطن مصالح مباشرة من دون الاضطرار إلى الانخراط في مجمل الصراع اليمني والإقليمي.

ومن هنا تظهر المفارقة التي يضعها التقدير في عنوان أحد أقسامه: "خصم مصنف إرهابيا يتحول إلى طرف تفاوضي".

فالحديث مع الحوثيين، في قراءة التقدير، لا يعني اعترافا قانونيا بهم، لكنه يكشف قدرة واشنطن على الفصل بين تصنيفها القانوني للجماعة وبين التعامل العملي معها عندما تصبح المصالح الأمريكية المباشرة على المحك.

ومع ذلك، تظل هشاشة التفاهم واضحة؛ لأنها، بحسب التقدير، غير معلنة ولا تقوم على ضمانات مؤسسية واضحة. ولذلك لن يكون الاختبار الحقيقي هو مجرد انعقاد اللقاء في مسقط، وإنما قدرة الطرفين على الحفاظ على التفاهم عندما تتغير الظروف الإقليمية أو تتعارض مصالحهما مجددا.

مصدر الصورة الحوثيون من الدعوة لمقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية إلى التفاهم مع الأمريكيين (الفرنسية)

من "حرية الملاحة" إلى "الأمن الانتقائي"

ينتقل تقدير الموقف بعد ذلك إلى نتيجة أوسع وأكثر اتصالا بمستقبل البحر الأحمر نفسه.

إعلان

فإذا كانت التفاهمات قادرة على تحييد السفن الأمريكية والإسرائيلية عن الهجمات، بينما تظل السفن السعودية عرضة للتهديد، فإن ما يجري لا يمثل، وفق التقدير، استعادة لأمن الملاحة الدولية بمفهومه الجماعي، وإنما انتقالا إلى ما يسميه "الأمن الانتقائي".

وفي هذا النموذج لا تتمتع السفن بالحماية لأنها تبحر في ممر دولي يفترض أن يخضع لقواعد واحدة، وإنما تختلف درجة أمنها باختلاف هويتها والتفاهمات السياسية المتعلقة بها.

ويرى التقدير أن استمرار هذا الوضع يمكن أن يقود إلى نشوء نظام ملاحي مجزأ ومضطرب في البحر الأحمر، تتعايش داخله ترتيبات أمنية متعددة بدلا من منظومة واحدة لحماية الملاحة.

ولا تظل آثار ذلك محصورة في السياسة والأمن. فالتقدير يستشهد بتحذيرات أممية من أن التطورات حول باب المندب تضيف مخاطر جديدة إلى أسواق الطاقة والنقل في وقت يشهد فيه هرمز اضطرابا أيضا. كما يشير إلى إحاطة المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ أمام مجلس الأمن في 11 سبتمبر/أيلول 2026 بشأن اشتداد القتال على جبهات عدة، وخصوصا الساحل الغربي، ودعوته الحوثيين إلى وقف الهجمات داخل اليمن وعبر الحدود السعودية وضد السفن التجارية. ويشير كذلك إلى ارتفاع خام برنت إلى نحو 105 دولارات للبرميل بعد السيطرة على المخا وجزر البحر الأحمر.

وبذلك يصبح "تشبيك المضيقين" ذا بعد اقتصادي أيضا: اضطراب هرمز لا يبقى منفصلا عن اضطراب باب المندب، والضغط على الممرين معا ينعكس على الطاقة والنقل وسلاسل الإمداد.

قد يهدأ البحر وتبقى الحرب في اليمن

بالنسبة إلى اليمن، فيميز تقدير الموقف بوضوح بين إدارة الخطر البحري وتسوية الصراع اليمني.

فالتفاهمات الأمريكية مع الحوثيين، إذا استمرت، يمكن أن تنهي أو تخفض تهديد المصالح البحرية الأمريكية والإسرائيلية، لكنها لا تعني انتهاء الحرب اليمنية.

فوقف استهداف سفينة لا يحسم الصراع على السلطة والمؤسسات والموارد وشكل الدولة والترتيبات الأمنية والسيادة الوطنية.

بل يرى التقدير أن أحد أخطار هذه المقاربة هو فصل أمن البحر الأحمر عن القضية اليمنية نفسها، بحيث يصبح الملف البحري أولوية دولية مستقلة، بينما تبقى الحرب على اليابسة من دون حل.

وقد ينشأ عندئذ وضع تصبح فيه القوى الدولية مستعدة للتعامل مع الحوثيين في الملفات التي تمس مصالحها مباشرة، بينما يظل المسار السياسي اليمني متعثرا.

ويذهب التقدير إلى أن ذلك قد يتحول إلى عامل إضافي في إطالة الصراع المسلح بدلا من إنهائه وفق المرجعيات الدولية التي يستند إليها، ومنها قرار مجلس الأمن 2216.

والمفارقة هنا واضحة في منطق التقدير: يمكن الوصول إلى تفاهم بشأن السفن من دون الوصول إلى تفاهم بشأن اليمن.

فالمجتمع الدولي يستطيع إدارة الخطر الذي يصل إليه من الحرب، من دون أن يعني ذلك معالجة الحرب التي أنتجت الخطر.

مصدر الصورة أعضاء من كشافة الحوثيين، الموت لأمريكا في العلن، والتفاوض في السر (الأوروبية)

ثلاثة مسارات من مسقط

يضع تقدير الموقف ثلاثة سيناريوهات لمستقبل التفاهمات.

في السيناريو الأول، تستمر قناة الاتصال الأمريكية-الحوثية وتبقى التفاهمات محدودة بعدم استهداف السفن الأمريكية والإسرائيلية، بينما يستمر الضغط الحوثي على السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.

وفي هذه الحالة تنتقل واشنطن، وفق التقدير، من المواجهة المباشرة إلى إدارة انتقائية للمخاطر؛ فتحمي مصالحها الأساسية من دون الانخراط المباشر في الصراع. لكن البحر الأحمر سيظل هشا، لأن جذور النزاع باقية، ولأن تحييد طرف من الاستهداف لا يمنع انتقال الخطر إلى أطراف أخرى.

أما السيناريو الثاني، فهو توسع تفاهمات مسقط لتصبح ترتيبات أوسع تتعلق بحرية الملاحة ووقف استهداف السفن التجارية، وربما تمتد إلى قضايا مرتبطة بالساحل اليمني والجزر في البحر الأحمر وخليج عدن.

إعلان

وهنا يمكن لمسقط، بحسب التقدير، أن تصبح قناة لفتح تفاهم أوسع، لكن نجاحه يظل مرهونا بإمكان فصل الملف البحري عن تعقيدات الصراعين اليمني والإقليمي.

ويتمثل السيناريو الثالث في انهيار التفاهمات والعودة إلى التصعيد. ويمكن أن يحدث ذلك إذا تغيرت المعادلة الإقليمية، أو توسعت الهجمات الحوثية، أو تعرضت سفن أو مصالح أمريكية لهجمات، أو ازداد استخدام باب المندب في معادلة الضغط المرتبطة بهرمز.

وعندئذ قد تعود واشنطن إلى الردع العسكري، بينما يؤدي اتساع المواجهة إلى مزيد من عسكرة البحر الأحمر وارتفاع المخاطر على التجارة والطاقة.

باب المندب لم يعد ملفا يمنيا

يخلص تقدير الموقف إلى أن تفاهمات مسقط تمثل مؤشرا على تحول في طريقة إدارة الولايات المتحدة للمخاطر في البحر الأحمر. فالتقدم الحوثي ونقل باب المندب إلى قلب التصعيد الإقليمي جعلا السيطرة على الساحل والجزر اليمنية مصدرا للضغط على أمن الملاحة والطاقة والتجارة الدولية.

وفي هذا السياق تحديدا يكتسب "تشبيك المضيقين" معناه؛ فالتزامن بين اضطراب هرمز وتصاعد الخطر عند باب المندب جعل اليمن جزءا من شبكة إقليمية مترابطة من الضغوط والمصالح والتفاوض.

كما تكشف الاتصالات الأمريكية-الحوثية، بحسب التقدير، عن قدرة واشنطن على الفصل بين موقفها القانوني من الجماعة وبين تعاملها العملي معها عندما يتعلق الأمر بحماية مصالحها ومصالح إسرائيل. لكن استمرار هذا النهج يمكن، وفق تقدير الموقف، أن يرسخ ترتيبات "الأمن الانتقائي"، بحيث تصبح سلامة السفينة مرتبطة بهويتها وبالتفاهمات السياسية أكثر من ارتباطها بمنظومة مشتركة لحماية الملاحة الدولية.

وتمتد النتائج أبعد من واشنطن والحوثيين. فالسعودية ودول خليجية أخرى قد تتجه إلى مزيد من تنويع خياراتها وشراكاتها الأمنية، بينما يصبح باب المندب أكثر ارتباطا بأمن الطاقة والتجارة العالميين، وليس شأنا يمنيا أو سعوديا أو أمريكيا منفردا.

أما اليمن، فيضعه التقدير أمام تحول أشد عمقا: الجغرافيا لم تعد مجرد مسرح للصراع، وإنما أصبحت أداة من أدوات التأثير والتفاوض فيه. فالساحل والجزر والمضيق تمنح السيطرة على الأرض قيمة تتجاوز الحدود اليمنية إلى معادلات الملاحة والطاقة والصراع الإقليمي.

ولهذا ينتهي تقدير الموقف إلى أن أمن البحر الأحمر لا يمكن أن يدار بمعزل عن الحرب اليمنية؛ لأن أي تفاهم ينجح في تحييد خطر بحري بصورة مؤقتة قد يخفض تكلفة التصعيد بالنسبة إلى بعض الأطراف، لكنه لا يعالج مصادر النزاع التي أنتجت ذلك الخطر في الأصل.

وبهذه القراءة، لا تتمثل أهمية تفاهمات مسقط في مجرد أن الولايات المتحدة تحدثت مع جماعة تصنفها إرهابية، وإنما في المعادلة التي تكشفها: باب المندب أصبح متصلا بهرمز، والسيطرة على الجغرافيا اليمنية أصبحت ورقة في التفاوض الإقليمي، وواشنطن تبحث عن حماية مصالحها بأقل كلفة ممكنة، بينما يظل السؤال مفتوحا عما إذا كان تحييد الخطر عن بعض السفن سيقود إلى أمن البحر الأحمر، أم إلى بحر تتعدد فيه التفاهمات والحمايات فيما تستمر الحرب التي أنتجت الخطر.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا