في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بدا المشهد وكأنه مقطع سينمائي؛ صوَّب شرطي سلاحا ناريا تجاه مهاجر محتجز رافع يديه في موقف تحد واستلام للرصاص في الآن نفسه، بينما جثى مهاجر آخر على ركبتيه خوفا من ضغطة مباغتة على الزناد، وفي الأثناء علا صراخ شديد بين باقي المهاجرين المحاصرين في قاعة انتظار داخل فندق.
حدث هذا الأمر خلال مدة لم تتجاوز 70 ثانية في مقطع فيديو مسرب من أحد المهاجرين داخل فندق الرعب "بامي" سيئ السمعة والواقع على أطراف العاصمة السابقة لغينيا الاستوائية، مالابو.
وفق شهادات نقلتها صحيفة " نيويورك تايمز" ووكالة رويترز، بدأ الشجار بسبب خلاف حول استخدام الهواتف المحمولة، لكنه سرعان ما تصاعد، إذ قام رجال يرتدون قمصانا تحمل عبارة "الشرطة الوطنية" بتوجيه ما بدا أنها بنادق هجومية نصف آلية نحو المرحلين عند مدخل الفندق.
تعزز مثل هذه الوقائع المتكررة مخاوف منظمات حقوقية ومحامين بشأن ما يمكن أن يتعرض إليه الأشخاص الذين أُرسلوا قسرا إلى هذه الدولة الواقعة في وسط أفريقيا بموجب برنامج أمريكي للترحيل، خلف الأبواب المغلقة للفندق المشبوه.
ينطوي برنامج الإدارة الأمريكية على مفارقة تاريخية، فما كان ينظر إليه كمدعاة لسياسة عنصرية في حقبة تسببت في نقل ملايين العبيد من إفريقيا إلى القارة الأمريكية عبر الأطلسي، تحول اليوم إلى لترحيل عكسي نحو دولة ثالثة.
كانت إدارة الرئيس دونالد ترمب قد أبرمت في 2025 اتفاقيات ثنائية مع دول أفريقية من بينها غينيا الاستوائية، لاستقبال مهاجرين لا يمكنها قانونا إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.
وتعرف غينيا الاستوائية، شأنها شأن دول أخرى تتعاون مع برنامج الترحيل الأمريكي، بسجلها السيئ في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك التعذيب والاعتقال التعسفي، وفقا لتقارير وزارة الخارجية الأمريكية.
يصرّح العديد ممن تم ترحيلهم بموجب ما يعرف بترتيبات "الدولة الثالثة"، بأنهم سلبوا من حقوقهم كونهم حصلوا سابقا على حماية من قضاة الهجرة الأمريكيين، الذين رأوا أن هؤلاء المهاجرين قد يواجهون التعذيب أو انتهاكات أخرى إذا أُعيدوا إلى أوطانهم.
ودافعت واشنطن عن اتفاقيات "الدولة الثالثة" باعتبارها قانونية، وصرحت بأن عمليات الترحيل تتم وفقا لقانون الهجرة الأمريكي.
لكن على بعد نحو تسعة آلاف كيلومتر من سواحل الولايات المتحدة عبر الأطلسي، لا أثر لهذا القانون داخل فندق "بامي" كما لا تتاح هناك خيارات كثيرة للمرحلين المحتجزين لأجل غير مسمى، من أجل تقرير مصيرهم.
هناك يشتكي المرحلون وفق شهادات موثقة، من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان ومن الضرب ونقص في الرعاية الطبية والضغط النفسي المستمر بجانب قيود مشددة على التحرك والتواصل مع العالم الخارجي.
وعلى سبيل المثال نقلت الصحيفة الأمريكية عن شهود ومحامين بأن مهاجرين اثنين من بين المرحلين تعرضا للضرب بأسلحة نارية وتم دفعهما ليسقطا على درج بعد تقييد أيديهما وتغطية رؤوسهما على يد ضباط شرطة في الفندق.
ونقلت عن المهاجر المصري أحمد سليمان، أحد ضحايا الضرب في الفندق، في رسالة نصية بعث بها إلى الصحيفة، أن الوضع بالغ الخطورة على حياتهم.
وتشير التفاصيل إلى أن سليمان البالغ من العمر 31 عاما يحمل بطاقة إقامة دائمة (الغرين كارد) في الولايات المتحدة، لكنه فقد هذا الوضع القانوني بعد الحكم عليه بالسجن عام 2023 بتهمة حيازة مخدرات والاعتداء الجسيم.
أما الضحية الثانية في واقعة الاعتداء بالضرب سامسون برهاني البالغ من العمر 47 عاما، فقد وصل إلى الولايات المتحدة كلاجئ من إريتريا وهو في الثالثة عشرة من عمره. وصدر قرار بترحيله بعد إدانته بجريمة سرقة من الدرجة الثانية عام 1998، حين كان لا يزال في المدرسة الثانوية. لكن المحكمة قضت بعدم إمكانية إعادته إلى بلده نظرا لخطر تعرضه للتعذيب هناك.
لكن سوء الحظ كان يتربص ببرهاني، إذ كان يراجع مسؤولي الهجرة بانتظام. وخلال إحدى تلك المراجعات هذا العام، ألقي عليه القبض ثم جرى ترحيله لاحقا.
ويشعر سليمان وبرهاني اليوم بمحنة مضاعفة، فهما فقدا وضعهما كمقيمين في الولايات المتحدة كما يواجهان مصيرا غامضا في فندق الرعب الذي يفتقد إلى الخدمات والرعاية الكافية.
وقال محامٍ محلي في إفادته لـ"نيويورك تايمز"، إنه زار الفندق مؤخرا ولم يعثر على أي مستلزمات طبية، رغم معاناة العديد من الأشخاص من حالات صحية خطيرة، بما في ذلك مرض السكري وفتق حاد.
وبحسب ما ذكر محامون، استخدمت الحكومة الفندق لعزل مريض يشتبه في إصابته بفيروس إيبولا. كما لاحظ شهود، عاملين في مجال الصحة يرتدون بدلات واقية وهم ينقلون فيما يبدو مرضى إلى الفندق.
ووفق المعلومات الحالية يحتجز 31 شخصا في الفندق، من بين 53 شخصا جرى ترحيلهم إلى غينيا الاستوائية في الفترة ما بين تشرين الثاني/نوفمبر 2025 ويوليو/تموز 2026، وفقا لبيانات "مرصد الترحيل لدولة ثالثة" وهو أداة تقصي تديرها منظمتي "اللاجئون الدوليون" و"حقوق الإنسان أولا".
ووفقا للمرصد، ينحدر هؤلاء الأشخاص المرحلون من 11 دولة أفريقية، بالإضافة إلى جورجيا وجامايكا والبرازيل وكوبا.
وذكرت وكالة رويترز أنه خلال الشهر الماضي، قاوم خمسة أشخاص كانت الولايات المتحدة تحاول ترحيلهم إلى ليبيريا، عملية النزول من الطائرة، ونقلوا لاحقا إلى غينيا الاستوائية بدلا من ذلك. كما صرح ثلاثة من المرحلين بأنه تعرضوا لضغوط لدفعهم إلى العودة إلى أوطانهم رغم مخاوفهم من التعرض للتعذيب وغيره من الانتهاكات، مؤكدين أنه لم تعرض عليهم أي خيارات بديلة.
وتقول "نيويورك تايمز" إن هذا الاحتجاز لأجل غير مسمى في فندق "بامي"، يعكس تناقضا جوهريا في العديد من الترتيبات المبرمة بين واشنطن وحكومات أجنبية، إذ وافقت غينيا الاستوائية على استقبال هؤلاء الأشخاص، لكنها لم تمنحهم أي حقوق قانونية أو وثائق تسمح لهم بالعيش أو العمل هناك، ولو بشكل مؤقت.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة