في جلسة تاريخية، شهد الكونغرس الإسباني (مجلس النواب)، تصويتا على مشروع قانون يهدف إلى تسهيل حصول آلاف الصحراويين على الجنسية الإسبانية . وتُعد هذه الخطوة من أبرز المبادرات التشريعية المرتبطة بقضية الصحراء الغربية منذ عقود.
تمت الموافقة بأغلبية 168 صوتا لصالح القانون (بموافقة الحزب الاشتراكي وحزب سومار وأحزاب أخرى)، فيما صوت حزب فوكس المعارض بالرفض. لكن الموقف الحاسم كان لحزب الشعب، الذي ساهم امتناع أعضائه عن التصويت في حسم الأمر وتمرير القانون أمام مجلس النواب.
ينص مشروع القانون على منح الجنسية الإسبانية للصحراويين الذين وُلدوا في الصحراء الغربية قبل 29 سبتمبر/ أيلول 1977 ، أي خلال فترة الإدارة الإسبانية للإقليم أو في المرحلة التي استمرت فيها آثار تلك الإدارة قانونيا.
بحسب مؤيدي التشريع، سيفيد حوالي 70 ألف شخص وسيكون له أيضا آثار على الأجيال الجديدة: فهو يساوي بين الصحراويين في الشتات وأولئك الذين بقوا في الصحراء الغربية وبين اللاتينيين والفلبينيين وسكان غينيا الاستوائية للحصول على الجنسية بعد عامين من الإقامة القانونية في إسبانيا .
يرى داعمو المشروع أنه يمثل نوعا من جبر الضرر التاريخي والاعتراف بالمسؤولية التي تتحملها إسبانيا تجاه سكان مستعمرتها السابقة. ويؤكد مؤيدو القانون أن مدريد لا تزال مدينة أخلاقياً للصحراويين بسبب ظروف انسحابها من الإقليم في سبعينيات القرن الماضي.
"اليوم نعيد بطاقة الهوية الإسبانية إلى الصحراويين الذين كانوا يمتلكونها ذات مرة، وقد سلبتها منهم هذه الدولة"، هذا ما قالته النائب عن دائرة سومار، تيش سيدي ، القوة الدافعة وراء القانون. وذكّرت سيدي، التي ولدت في مخيم تندوف للاجئين، خلال الجلسة العامة للبرلمان، بما يعنيه العيش كشخص بلا جنسية: "لقد أمضى الشعب الصحراوي 50 عاما في طوابير الهجرة. هناك قاصرون ينتهي بهم الأمر إلى رفضهم من المسؤولين بعبارة "أنت غير موجود ".
يقترح القانون منح الجنسية من خلال نظام "التجنيس بمرسوم خاص"، أو ما يعرف في إسبانيا بـ « Carta de Naturaleza »، وهو إجراء استثنائي يُستخدم في الحالات ذات الطابع التاريخي أو الإنساني الخاص.
سيكون على المتقدمين إثبات ارتباطهم بالإقليم خلال فترة الإدارة الإسبانية من خلال وثائق رسمية مثل بطاقات الهوية الإسبانية القديمة، وشهادات الميلاد، وسجلات الأسرة، ووثائق الإدارة الاستعمارية السابقة، إضافة إلى مستندات أخرى يمكن للسلطات الإسبانية قبولها كأدلة داعمة.
رغم أن مشروع القانون حظي المشروع بموافقة مجلس النواب الإسباني اليوم، فإنه لن يدخل القانون حيز التنفيذ مباشرة. إذ يتعين إحالته إلى مجلس الشيوخ لاستكمال المسار التشريعي قبل صدوره رسميا.
تحظى هذه الخطوة بمتابعة دقيقة في المغرب وداخل الأوساط الصحراوية والمنظمات الدولية، لأنها لا ترتبط فقط بقضايا الجنسية والهوية، بل تمس أيضا الدور التاريخي لإسبانيا في ملف الصحراء الغربية، أحد أقدم النزاعات الإقليمية غير المحسومة على الساحة الدولية.
شهدت الجلسة موقفا مؤثرا عندما وجّهت النائبة من أصول صحراوية تيش سيدي التحية لرئيسة البرلمان فرانثينا أرمينغول (التي تبنّت سابقا طفلتين صحراويتين كأم حاضنة) ودورها في الدفع بالقانون.
لا يتعلق الأمر بمجرد تعديل قانوني في نظام الجنسية الإسباني، بل بملف يجمع بين التاريخ والسياسة والهوية . فبالنسبة لآلاف الصحراويين، قد يفتح القانون بابا طال انتظاره للحصول على الجنسية الإسبانية، بينما يمثل بالنسبة إلى إسبانيا اختبارا جديدا لكيفية التعامل مع إرثها الاستعماري في الصحراء الغربية ومع المسؤوليات السياسية والأخلاقية المترتبة عليه.
وتأتي هذه الخطوة البرلمانية في وقت تشهد فيه العلاقات بين مدريد و الرباط حساسية متزايدة، لا سيما بعد أزمات الهجرة الأخيرة في سبتة . وعلى الرغم من أن مصادر داخل الحزب الاشتراكي لم تستبعد رد فعل أو امتعاض من الرباط، إلا أنها أكدت استقلالية القرار الإسباني.
تحرير: عماد غانم
المصدر:
DW