في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم تعد المواجهة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي ( الناتو) محصورة في ساحات القتال الأوكرانية، بعدما انتقلت تدريجيا إلى قلب أوروبا عبر هجمات إلكترونية وأعمال تخريب وحرائق وطائرات مسيّرة تستهدف منشآت وبنى تحتية ومواقع مرتبطة بالمجهود الحربي الأوكراني.
وبينما تتهم عواصم أوروبية موسكو بالوقوف وراء هذه العمليات، تبدو الدول الأعضاء في الناتو عالقة أمام معضلة دقيقة تتمحور حول كيفية الرد على "حرب رمادية" مصممة لإيذائها من دون أن تمنح روسيا ذريعة أو فرصة لتحويلها إلى حرب مفتوحة؟
وفي قراءة تحليلية للمشهد، تقول صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية إن سلسلة الهجمات الصغيرة والمتزايدة الجرأة التي تنسبها أجهزة استخبارات غربية إلى روسيا تضع القادة الأوروبيين أمام سؤال لم يعد من السهل تأجيله، وهو هل الأوروبيون مستعدون للرد على موسكو بما يتجاوز العقوبات والإجراءات الدبلوماسية؟
الإجابة -برأي الصحيفة- "لا، ليس بعد".
كانت ألمانيا قد اتهمت روسيا، الثلاثاء، بالوقوف وراء محاولة هجوم بطائرة مسيّرة محملة بمتفجرات عُثر عليها في الرابع من أغسطس/آب قرب طائرة شحن أوكرانية من طراز أنتونوف محملة بذخائر قدمتها فرنسا في مطار لايبزيغ الإستراتيجي، في حادث وصفته برلين بأنه جزء من "نمط راسخ" من العمليات الهجينة الروسية في أوروبا.
وقال مسؤولون ألمان وأوروبيون هذا الأسبوع إن روسيا تجاوزت خطا أحمر باستهدافها مطارا ألمانيا يُستخدم على نطاق واسع. لكنّ رد برلين -بنظر وول ستريت جورنال- لم يخرج عن النهج نفسه الذي اتبعته في أعقاب الاستفزازات الروسية السابقة.
ولتجنب الانزلاق إلى حرب مسلحة مع روسيا والإبقاء على خيارات أوروبا مفتوحة، يسعى القادة الأوروبيون إلى إيجاد سبل للضغط على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حتى في الوقت الذي يزيد فيه هو من حدة الضغوط عليهم.
وأعلن وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريشت أن المعلومات الاستخباراتية تشير إلى أشخاص يعملون "نيابة عن كيانات تابعة للدولة الروسية".
وفي اليوم التالي لحادثة لايبزيغ، اصطدمت طائرة شحن من طراز بوينغ بجسم مجهول يُعتقد أنه طائرة مسيرة أخرى، فيما لم تتمكن السلطات الألمانية من العثور عليها.
ويرى الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، الأربعاء، أن "روسيا أكثر تهورا على نحو متزايد"، واتهمها بـ"تصعيد أنشطتها الخبيثة التي تستهدف أراضينا بشكل مباشر"، بما في ذلك الحرق العمد لمصانع الأسلحة التي تقدم الدعم لأوكرانيا، إلى جانب الهجوم "الفاشل" على مطار لايبزيغ.
ومن جانبه، اتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الألمان بـ"دس أدلة" لإلصاق التهمة ببلاده، بحسب تقرير الصحيفة.
وفي تحليل لافت بمجلة نيوزويك الأمريكية، يشبّه الصحفي شين كراوتشر الأساليب التي تدير بها روسيا حربها الهجينة ضد الغرب بطريقة عمل "عث الملابس". فالعثة -كما يشرح- لا تمزق المعطف بنفسها؛ بل تضع بيضها في أماكن خفية، ثم تقوم اليرقات لاحقا بالتهام النسيج من الداخل حتى تظهر الثقوب بعد أن يكون الضرر قد وقع بالفعل.
ومع أنْ لا أحد اتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإطلاق المسيّرة التي استهدفت مطار لايبزيغ، فإن كراوتشر يرى أن بوتين يشبه تلك العثة بينما تقوم وحدات العمليات الخاصة الروسية ووكلاؤها بـ"تقويض" التزام حلف الناتو تدريجيا بالدفاع الجماعي من خلال عمليات تقع عمدا في نطاق ما قبل عتبة الحرب.
أما الخوف فيكمن -وفق تحليل كراوتشر- في أن بوتين سيعمد يوما إلى "تمزيق" نسيج الناتو من خلال شن هجوم "واضح ومباشر" يجبر الدول الــ32 الأعضاء في الحلف إلى إثبات أن المادة الخامسة في ميثاقه صُممت أساسا لردع هجوم مسلح واضح ضد إحدى دوله. لكنّ العالم يواجه اليوم حربا هجينة "ذات طابع رمادي بشكل صارخ"، على حد تعبير المقال.
وتشير وثائق الناتو نفسها إلى أن الهجمات الإلكترونية وغيرها من الهجمات الهجينة الكبيرة يمكن أن ترقى، بحسب كل حالة، إلى مستوى "الهجوم المسلح". بيد أن تحديد ذلك متروك للتقييم السياسي للدول الأعضاء، ما يفتح مجالا واسعا للغموض.
ويقول كراوتشر إن المشكلة ليست في أن الهجمات الروسية المزعومة تعيد كتابة المادة الخامسة قانونيا، بل في أنها تكشف حدود الردع الذي يُفترض أن يؤدي فيه الاعتداء على عضو في الحلف إلى تحرك الآخرين دفاعا عنه.
قد تخاطر ألمانيا بالمطالبة بتفعيل المادة الخامسة، لكنْ يبقى السؤال عما إذا كان جميع أعضاء الحلف سيتعاملون مع الحادث باعتباره اعتداء يستدعي الدفاع الجماعي.
على أن الأكثر حساسية -وفق كراوتشر- هو ما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يرى أن حادثا من هذا النوع يمثل قضية تخص المادة الخامسة.
وكان ترمب قد قال في 27 أغسطس/آب، ردا على سؤال عما إذا كان بوتين قد تعهد بعدم مهاجمة الحلف: "إنه لن يهاجم أراضي تابعة للناتو". وجاء التصريح بعد أيام قليلة من زيارة مفاجئة قام بها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) جون راتكليف إلى موسكو، والتي أفادت تقارير بأنها حملت تحذيرا أمريكيا إلى الكرملين من اختبار تماسك الحلف.
لكنْ بعد 5 أيام فقط، اتهمت برلين روسيا بشن هجوم هجين على الأراضي الألمانية.
وبحسب نيوزويك، فإن هذه المفارقة تكشف أن المشكلة لم تعد فقط في طبيعة الهجوم، بل في تعريف ما يشكل "هجوما" في القرن الـ21.
حتى الآن، اختارت ألمانيا والدول الأوروبية الأخرى الرد بأدوات تقع دون مستوى العمل العسكري المباشر. فقد استدعت برلين السفير الروسي، وأعلنت إجراءات ضد مؤسسات روسية، وفرضت قيودا جديدة على التأشيرات، في حين تعهدت بتعزيز التعاون الاستخباراتي مع أوكرانيا وإرسال بطاريات إضافية للدفاع الجوي وآلاف الطائرات المسيرة الهجومية.
كما تسعى تلك الدول إلى وضع خيارات بديلة تضغط على الكرملين، أبرزها تصعيد الدعم المالي والعسكري لكييف.
وتجلى ذلك -كما ورد في تقرير وول ستريت جورنال- في تصريح رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ذكرت فيه حدوث تقدم في مباحثات تجري لتقديم قرض جديد لأوكرانيا بمليارات الدولارات لشراء منظومات أسلحة دفاعية ضمن حزمة الـ90 مليار يورو (104 مليارات دولار أمريكي تقريبا) التي تمت الموافقة عليها في وقت سابق من العام الحالي لتغطية الاحتياجات المالية لكييف خلال العام المقبل.
وتلفت الصحيفة إلى أن المسؤولين الألمان تعمدوا أن يكون الرد على حادثة لايبزيغ محسوبا بدقة، ويُعزى ذلك جزئيا إلى أن الطائرة المسيرة تعطلت ولم تتسبب في أضرار أو إصابات. في حين يريد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، وفق الصحيفة، الاحتفاظ بمساحة تسمح برد أكثر حدة إذا استمرت روسيا في التصعيد.
الفكرة الأساسية بالنسبة إلى برلين هي توجيه رسالة إلى موسكو مفادها أن الاستفزازات لن تهز دعم ألمانيا لأوكرانيا، من دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة. لكنّ بعض المسؤولين والخبراء الأوروبيين يرون أن هذا النهج قد يكون أقل من المطلوب لردع موسكو.
ففي تصريح نقلته الصحيفة الأمريكية، قال نيكو لانغه، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الألمانية والباحث في مؤتمر ميونيخ للأمن: "يجب الضغط على بوتين بموضع يؤلم"، داعيا إلى حظر ما يعرف بأسطول الظل الروسي من ناقلات النفط غير المشروعة، وتقييد حركة الدبلوماسيين الروس داخل الاتحاد الأوروبي، وتشديد الضغط على الدول التي تساعد موسكو في الالتفاف على العقوبات.
وفي سياق متصل، نقلت مجلة نيوزويك، في مقال آخر، عن فرانس ستيفان غادي، الباحث المشارك في مركز الأمن الأمريكي الجديد، أن حادثة لايبزيغ تتوافق مع نمط من النشاط الروسي المتصاعد في أوروبا، محذرا من أن الاتجاه العام "ينم بوضوح عن تصعيد وليس ضبط النفس".
والسبب، وفق غادي، أن مثل هذه العمليات "تضعف تماسك الحلفاء من دون أن تؤدي إلى تفعيل المادة الخامسة".
وأضاف غادي أن الخطر يكمن في أن تستنتج موسكو أن الناتو منقسم وبطيء في الرد، في وقت تعاني فيه قدرات عسكرية حيوية -من قمع الدفاعات الجوية إلى الضربات بعيدة المدى ومخزونات الصواريخ الاعتراضية- من نقص حاد بسبب حربي أوكرانيا وإيران أو لا تزال بحاجة إلى تعزيز.
ويحذر الخبير -بحسب ما نقل عنه الكاتب توم أوكونور في تحليله بنيوزويك- من أنه لا ينبغي التعامل مع التصعيد باعتباره نتيجة حتمية لحادث عرضي، قائلا: "ليست هناك حرب عرضية أو تصعيد غير مقصود.. فالتصعيد دائما خيار سياسي"، والخطر يكمن -برأيه- في أن تستنتج موسكو أن الناتو في حالة انقسام ويعاني من بطء في الرد.
وسلط أوكونور في مقاله الضوء على التداخل الملحوظ بين الحرب في أوروبا والحرب على إيران؛ حيث أشار إلى تقارير استخباراتية تتحدث عن تعاون روسي إيراني متزايد، شمل استخدام المسيرات الإيرانية في أوكرانيا، وأنباء عن مساعدة موسكو لطهران في تقنيات الصواريخ، مما يزيد من تعقيد المشهد الميداني والجيوسياسي لواشنطن وحلفائها.
كما أن تراجع مخزونات الذخائر الأمريكية نتيجة تيْنك الحربين يفرض ضغوطا إضافية على أوروبا، التي تحاول في الوقت نفسه تعزيز قدراتها الدفاعية والاستمرار في دعم أوكرانيا.
ومع ذلك، لا يرى جميع الخبراء أن موسكو تستعد لهجوم تقليدي على أوروبا.
ونقل أوكونور عن مارك غاليوتي، المتخصص في الشؤون الروسية، قوله إن الرد الأوروبي المرجح سيكون في صورة "هجمات إلكترونية متبادلة، أو الاستيلاء على مزيد من السفن أو الأصول الروسية، أو تقديم المزيد من المساعدة لأوكرانيا"، بدلا من شن هجوم مباشر على روسيا.
ويضيف أن أوروبا لا تملك الوسائل ولا الرغبة في بدء حرب مع روسيا، كما أنه لا يرى أن موسكو تستعد، في الوقت الراهن، لمهاجمة أوروبا بالطريقة التقليدية.
لكنّ ديمتري ترينين، المشرف الأكاديمي في معهد الاقتصاد والإستراتيجية العسكرية العالمية بموسكو، يقدم تقييما أكثر تشاؤما قائلا إن "التهديد يتعاظم"، وإن الردود الأوروبية والدعم المتزايد لأوكرانيا يستندان إلى "وهم بأن روسيا لن تجرؤ على الرد".
وقال ترينين لنيوزويك إن "الردع النووي قد ضعف بشكل خطير بسبب السلوك غير المسؤول لدول الناتو"، مضيفا أنه "لا يمكنه تصور نزاع بين روسيا والناتو يُخاض بالأسلحة التقليدية فقط"، محذرا، في الوقت نفسه، من الوصول إلى نسخة أكثر خطورة من أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، "التي أُجهضت في اللحظة الأخيرة".
وخلاصة القول: إن روسيا وحلف الناتو لا يريدان -حتى الآن على أقل تقدير- الدخول في حرب مباشرة، لكنّ المشكلة أن حرب الظل قد تخلق الظروف التي لا يريدها أي طرف. فكل عملية تخريب أو طائرة مسيرة أو هجوم إلكتروني تفرض اختبارا جديدا لحدود الرد، وكل رد محدود قد يشجع على اختبار جديد.
ولهذا تبدو معركة أوروبا الحقيقية في المرحلة المقبلة هي منع الحرب الهجينة من التحول إلى حرب مفتوحة، من دون أن يؤدي الخوف من التصعيد إلى تقويض الردع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة