في 19 أغسطس/ آب، أعلن الرئيس ترمب عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن حكومته ستنفذ "أشد عملية اقتصادية سحقا تنفذ على الإطلاق ضد أي بلد". وسماها "يوم الإنزال الاقتصادي".
وتوعد بـ"عواقب اقتصادية هائلة" لكل دولة تمد إيران بـ"أي نوع من شرايين الحياة". فبعد ستة أشهر من القصف الأمريكي والحصار البحري من دون أن تحقق الولايات المتحدة نصرا، صارت الخطة الآن تجويع إيران حتى الاستسلام. والنهج الجديد غير قانوني، وقاس، ومصيره الفشل.
وقد قال وزير الخزانة سكوت بيسنت لشبكة "سي إن بي سي" إن واشنطن ستفرض "أقسى العقوبات في التاريخ"، وستنظم "أعظم عزل اقتصادي منسق في تاريخ العالم"، وستقول لكل حكومة أخرى على وجه الأرض: "إما أن تكونوا معنا أو ضدنا".
وكتب في مقال نشرته صحيفة فايننشال تايمز في اليوم نفسه أن "على العالم أن يفهم أن هدفنا هو قطع كل شريان حياة اقتصادي"، ولم يكتف بتهديد إيران بل هدد دولا أخرى بأن "أي صلة متبقية بطهران ستعجل بالنبذ الاقتصادي للدول والكيانات".
وفي 24 أغسطس/آب أعلنت وزارة الخزانة عن " عملية المنبوذ الاقتصادي"، وهي ما تصفه بأنه حملة اقتصادية غير مسبوقة تشارك فيها الحكومة بأجهزتها كافة ضد إيران ومن يمكنها. وأصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية خمسة قرارات قطاعية بموجب الأمر التنفيذي (13902) -تشمل الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن البحري- تتيح له فرض عقوبات على أي شخص، أينما كان مقره، يعمل في تلك القطاعات من الاقتصاد الإيراني.
العقوبات الاقتصادية لا تسقط حكومات عاقدة العزم على البقاء. نعم، في وسع العقوبات أن تفقر الشعوب، وأن تقوي الأجهزة الأمنية التي تسيطر على التهريب، وأن تمنح الدولة المستهدفة نقطة التفاف داخلية قوامها الضغينة الأمريكية. لكنها لا تطيح بالحكومات
ويجد الرئيس ووزير خزانته متعة في تقمّص دور الابتزاز. ف المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة تحظر التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة. غير أن التنصل الأمريكي من ميثاق الأمم المتحدة يتجاوز إيران بكثير.
فمن بين الدول الأعضاء الـ193 جميعها، باتت أمريكا البلد الأقل انسجاما مع التعددية القائمة على الأمم المتحدة؛ ففي يناير/كانون الثاني 2026 انسحبت الولايات المتحدة من أكثر من ستين منظمة دولية، وفي عام 2025 صوتت مع الأغلبية الدولية في 5 % فقط من قرارات الجمعية العامة المسجلة.
وستظل السياسة الأمريكية تفشل لأسباب يسهل إدراكها.
لنبدأ بالسجل التاريخي. فالعقوبات الاقتصادية لا تسقط حكومات عاقدة العزم على البقاء. نعم، في وسع العقوبات أن تفقر الشعوب، وأن تقوي الأجهزة الأمنية التي تسيطر على التهريب، وأن تمنح الدولة المستهدفة نقطة التفاف داخلية قوامها الضغينة الأمريكية. لكنها لا تطيح بالحكومات.
ولننظر كذلك في الحساب البسيط لسوق النفط العالمية. فبيسنت يقترح إزالة الصادرات النفطية الإيرانية من عالم فقد أصلا خُمس إمداداته النفطية؛ بسبب إغلاق مضيق هرمز. أي أن الولايات المتحدة تقترح تعميق صدمة ركود تضخمي تتحملها أوروبا واليابان وسائر حلفائها، ثم تأمر تلك الدول بإنفاذ عقوبات ستخنق اقتصاداتها.
والأهم من ذلك كله أن الحملة موجهة ضد الصين، التي تشتري أكثر من 80 % من صادرات إيران النفطية. فإذا فرضت الولايات المتحدة عقوبات على "بنك الصين" أو "آي سي بي سي"، فلن ترد بكين بمذكرة دبلوماسية لطيفة، بل ستقيد صادراتها من المعادن النادرة؛ لأنها خاضت هذه التجربة مرة من قبل وانتصرت فيها، كما أثبتت العام الماضي.
بل إن بكين قد قدمت جوابها سلفا: "إن تعاون الصين مع إيران يجري في إطار القانون الدولي، ومن ثم لا ينبغي تعطيله. والصين تتابع التطورات من كثب، وستفعل كل ما يلزم للدفاع بحزم عن حقوقها ومصالحها".
ففي أبريل/نيسان 2025 فرضت الصين نظام تراخيص تصدير على المعادن النادرة الثقيلة، وخلال أسابيع كانت شركات السيارات الأمريكية والأوروبية تعطل خطوط تجميعها لنقص المغناطيسات المصنوعة من تلك المعادن.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025 أعلنت الصين حزمة أوسع بكثير، فتراجعت واشنطن ووافقت على سحب ضوابط التصدير التي كانت قد وسعتها حديثا، مقابل تعليق بكين إجراءاتها الجديدة مدة عام واحد.
على كل حكومة أن تستخلص ثلاث نتائج. أولا، أن الولايات المتحدة تنصلت من ميثاق الأمم المتحدة. ثانيا، أن الضمانات الأمنية الأمريكية لا يعتمد عليها. ثالثا، أن الاعتماد على تجارة قائمة على الدولار يترك البلد مكشوفا أمام العقوبات الأمريكية
ولم ترفع ضوابط أبريل/نيسان قط، وينتهي تعليق إجراءات أكتوبر/تشرين الأول في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2026. وهكذا اختار بيسنت هذه اللحظة بالذات -قبل أحد عشر أسبوعا فقط من عودة النظام الصيني الموسع للمعادن النادرة، وقبل أسابيع من زيارة مقررة لشي جين بينغ إلى واشنطن- ليبلغ بكين بأن عليها أن تكون إما مع الولايات المتحدة أو ضدها. وهذا فخ نصبته الولايات المتحدة لنفسها.
وعلى كل حكومة أن تستخلص ثلاث نتائج. أولا، أن الولايات المتحدة تنصلت من ميثاق الأمم المتحدة. ثانيا، أن الضمانات الأمنية الأمريكية لا يعتمد عليها. ثالثا، أن الاعتماد على تجارة قائمة على الدولار يترك البلد مكشوفا أمام العقوبات الأمريكية.
ولذلك تتجه دول العالم إلى ترتيبات دفاعية جديدة، مثل اتفاق مكة بين المملكة العربية السعودية، وتركيا، وباكستان.
كما تبتعد الدول، على نحو متوقع، عن التسوية بالدولار الأمريكي، وتخفض حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية ضمن احتياطاتها الأجنبية. وتتجه كذلك إلى نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية مفتوحة الأوزان لتلبية احتياجاتها من الذكاء الاصطناعي بعُشر كلفة النماذج الأمريكية المغلقة.
ويقرأ سرد ثوكيديديس القديم للحرب البيلوبونيسية في أيامنا بوصفه مرآة للتنافس الأمريكي-الصيني. وأشهر عباراته تلك التي تهكم بها القادة الأثينيون على أهل ميلوس عام 416 قبل الميلاد: "الأقوياء يفعلون ما في وسعهم، والضعفاء يقاسون ما لا بد لهم أن يقاسوه". واليوم تتهكم الولايات المتحدة على إيران وعلى دول أخرى بالنبرة نفسها. غير أنه بعد 12 عاما فقط من ذلك التهكم، كانت أثينا هي التي هُزمت أمام إسبرطة.
الكبرياء تسبق السقوط، وما من حكومة اليوم أشد غطرسة من حكومة الولايات المتحدة في عهد دونالد ترمب ومنفذه سكوت بيسنت. ولن تنساق حكومات العالم عمياء وراء الولايات المتحدة نحو الكارثة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة