آخر الأخبار

هجمات أوكرانية في البحر الأسود.. ماذا تخسر روسيا اقتصاديا؟

شارك
روسيا، نوفوروسيسك 2024 ، رافعات الميناء على البحر الأسودصورة من: Alexander Strela/Zoonar/picture alliance

عندما تحدث الرئيس فلاديمير بوتين في عام 2014 عن دوافع روسيا وراء ضم شبه جزيرة القرم الأوكرانية بشكل مخالف للقانون الدولي برر موقفه قائلا: "وإلا لكانت قوات حلف الناتو قد وصلت ولتغير توازن القوى في منطقة البحر الأسود تغيراً جذريا". لم تأتِ قوات الناتو أبدا لكن توازن القوى في المنطقة تغير مع ذلك وذلك مع اندلاع الحرب التي شنتها روسيا ضد أوكرانيا بأكملها.

وماذا الآن؟ تسببت الهجمات الأوكرانية المتزايدة على نوفوروسيسك، أكبر ميناء تجاري روسي على البحر الأسود في اضطرابات كبيرة في إمدادات النفط والحبوب خلال الأسابيع الماضية. لم تعد البحرية الروسية تهيمن على المنطقة. كما أن تصدير البضائع عبر البحر الأسود أصبح أكثر صعوبة بالنسبة لروسيا بسبب الضربات التي تشنها الطائرات المسيرة الأوكرانية. ولا يمكن إعادة تنظيم العمليات اللوجستية إلا جزئيا.

وإذا استمرت الهجمات العنيفة فقد تكون العواقب وخيمة على المصدرين الروس والميزانية العامة للدولة، حسب الخبراء الذين تحدثت إليهم DW.

روسيا، نوفوروسيسك 2025 ، سفينة حاويات في ميناء نوفوروسيسك على البحر الأسودصورة من: Igor Onuchin/TASS/ZUMA/picture alliance

ما هي أهمية نوفوروسيسك؟

يُعد نوفوروسيسك أكبر ميناء في روسيا من حيث حجم البضائع المنقولة كما أنه واحد من أكبر الموانئ في أوروبا. ومنذ القرن التاسع عشر تُعدّ هذه المدينة نقطة محورية مهمة للتجارة الخارجية الروسية. واليوم يتم تسيير ما يصل إلى ثلث صادرات الحبوب الروسية عبر نوفوروسيسك بفضل قرب الميناء من المناطق الزراعية الهامة في البلاد. علاوة على ذلك يتم شحن النفط والمعادن والبضائع المعبأة في حاويات عبر نوفوروسيسك إلى الأسواق العالمية.

وقد أثرت الهجمات الأخيرة التي شنتها الطائرات بدون طيار البحرية والجوية الأوكرانية تأثيرا هائلا على الإمدادات، لا سيما الحبوب. ويصف أندريه سيسوف، مدير وكالة "سوفكون" الزراعية والاستشارية والبحثية، الأحداث على قناته على تطبيق تيليغرام. وبحسب ما ذكره توقف عن العمل في 12 أغسطس مجمع "نوفوروسيسك" للمنتجات الخبزية وهو أحد أكبر مجمعات الحبوب والموانئ التصديرية في روسيا وكذلك محطة الحبوب في نوفوروسيسك. وتبع ذلك بعد يوم واحد توقف محطة KSK وهي أكبر محطة مياه عميقة للحبوب. وكان تشغيل محطة تامان قد توقف بالفعل في نهاية يوليو. وقبل ذلك كانت أوكرانيا قد شلت تشغيل الموانئ ذات المياه الضحلة على بحر آزوف. ولم يبقَ قيد التشغيل سوى توابسي، أصغر محطات المياه العميقة. وقال سيسوف: "وبذلك أصبحت جميع صادرات الحبوب الروسية عبر حوض بحر آزوف والبحر الأسود معطلة عمليا".

الوضع فيما يتعلق بتصدير النفط ليس بهذه الدرجة من الخطورة. صحيح أنه لم يتوقف تماما لكنه يتعرض لاضطرابات متكررة. وحسب وكالة رويترز اضطر أكبر مركز لتفريغ النفط والمنتجات النفطية في روسيا على البحر الأسود وهو محطة "شيشاريس" التي تبلغ طاقتها الاستيعابية حوالي 700 ألف برميل يوميا إلى توقف العمل في 14 أغسطس ولم يتمكن من استئنافه إلا بعد يومين.

ما هي العواقب على أسواق الحبوب؟

وحسب "أرغوس ميديا" في لندن وهي إحدى الوكالات المستقلة الرائدة عالميا في مجال تقارير الأسعار لأسواق الطاقة والمواد الخام والنقل العالمية قد تتمكن روسيا من توريد 45 مليون طن من القمح إلى السوق العالمية في موسم 2026-2027. وبذلك يُعد القمح البند الرئيسي في الصادرات الزراعية. إلا أن الحصار المستمر في البحر الأسود يجعل ذلك مستحيلا. فحوالي 90 في المائة من الشحنات تمر عادة عبر هذه المنطقة.

روسيا، نوفوروسيسك، 2026 ، صورة ملتقطة بالأقمار الصناعية تُظهر الأضرار التي لحقت بمنشأة نقل الحبوب عقب هجوم أوكرانيصورة من: Vantor/Handout/REUTERS

ويقدر أندريه سيسوف من "سوف إيكون SovEcon" أن "العديد من المزارعين الروس لن يتمكنوا من الصمود هذا الموسم، خاصة بعد عدة سنوات من تدهور الوضع المالي". ونظرا لتوقف الصادرات يتعين بيع فائض الحبوب في السوق المحلية، مما يؤدي بالفعل إلى انخفاض الأسعار. وحتى لو تعافت الصادرات بمرور الوقت فإن المشاكل ستكون حتمية. ويُعد شهر أغسطس ذروة الشحنات وما لا يتم شحنه الآن سيكون من الصعب تعويضه لاحقا لأن المحطات تعمل بأقصى طاقتها خلال أشهر الخريف على أي حال.

سيكون لتصاعد الأعمال القتالية في منطقة بحر آزوف والبحر الأسود تأثيره أيضا على السوق العالمية، فروسيا هي في النهاية أكبر مصدر للقمح. وفي الوقت نفسه انخفضت صادرات الحبوب الأوكرانية انخفاضا حادا. وتأتي الهجمات حاليا من كلا الجانبين. ومنذ النصف الثاني من شهر يوليو كثفت روسيا أيضا هجماتها على الموانئ الأوكرانية والسفن التي ترسو فيها.

”بسبب الاضطرابات اللوجستية أصبح محصول القمح الوفير في أوكرانيا وروسيا معزولا عن السوق العالمية. ويحاول كلا البلدين الاستفادة من طرق بديلة مثل موانئ بحر البلطيق أو المحطات على نهر الدانوب. لكن هذه الطرق لا يمكنها أن تحل محل الطرق التقليدية بالكامل"، كما صرح شياوي دينغ من "أرغوس ميديا" لـدويتشه فيله.

ماذا يحدث لصادرات النفط الروسية؟

في الأسبوعين الأولين من شهر أغسطس انخفض حجم النفط الذي تم تداوله في ميناء نوفوروسيسك بنسبة 30 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفقا لبيانات مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف وهو منظمة بحثية ومركز أبحاث مقره في هلسنكي. وقد سبق هذا الانخفاض في الإمدادات هجوم بطائرات مسيرة على محطة تابعة لاتحاد أنابيب بحر قزوين في 19 يوليو.

ويشير إسحاق ليفي، محلل الطاقة في CREA في حوار مع DW إلى أن انخفاض الإمدادات قد لا يرجع فقط إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية. فبعض مالكي السفن يرفضون ببساطة الرسو في الموانئ التي تُعتبر أهدافا محتملة ذات أولوية لهجمات الطائرات المسيرة. ولا يوجد ضمان لأحد بمرور آمن عبر البحر الأسود. وحسب معلومات قناة "بلومبرغ" التلفزيونية تعرضت ناقلة يونانية يُعتقد أنها كانت تنقل نفطا روسيًّا لهجوم في 17 أغسطس.

روسيا، منطقة كراسنودار 2021 ، حادث تسرب نفطي في المحطة البحرية التابعة لاتحاد خط أنابيب بحر قزوين بالقرب من نوفوروسيسكصورة من: Yuri Bereznyuk/TASS/dpa/picture alliance

يقول ليفي: "إذا استمرت القيود الحالية حتى نهاية أغسطس فسيصبح من الصعب بشكل متزايد على روسيا تأجيل الشحنات ببساطة على أمل تعويض الخسائر لاحقا"، ويضيف: "يمكن إعادة توجيه الكميات المفقودة لكن بشكل جزئي فقط. الخيارات الأكثر واقعية هي ميناءا بريمورسك وأوست لوغا على بحر البلطيق. لكن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل. أما ميناء نوفوروسيسك فلا يمكن استبداله بالكامل".

ويوضح ليفي أن العواقب، كما هو الحال مع صادرات الحبوب ستعتمد على مدة وشدة هجمات الطائرات المسيرة وكذلك على قدرة روسيا على إصلاح الأضرار بسرعة. لكن يبدو أن القيادة الروسية مستعدة للمخاطرة. فقد رفض الكرملين الاقتراح الذي أعلنته أوكرانيا في 13 أغسطس بشأن وقف إطلاق النار في البحر الأسود.

أعده للعربية: م.أ.م (ع.ج.م)

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا