آخر الأخبار

قد يفعلها بيل غيتس ويبشر بالفجر النووي الجديد

شارك

قبل بضعة عقود، تبوأت الولايات المتحدة طليعة الدول في تطوير ونشر الطاقة النووية المدنية. وآنذاك، استمد نحو 20% من إجمالي الطاقة الكهربائية المولدة في أمريكا من الطاقة النووية. وقد تجلت الأهمية الكبيرة لهذه القيمة المقترحة في تميزها بتكاليف بناء منخفضة نسبيا، ونفقات تشغيلية زهيدة للغاية، فضلا عن ضمان إمدادات كهربائية ثابتة على مدار الساعة بانبعاثات صفرية.

حوادث نووية كبرى

غير أنه في حقبتي السبعينيات والثمانينيات، وقعت بعض الحوادث أو أشباه الحوادث في المحطات النووية، والتي حظيت بتغطية إعلامية واسعة النطاق في الولايات المتحدة وخارجها. وقد قضت حالة الذعر التي أحدثتها تلك الحوادث، بين عشية وضحاها تقريبا، على مستقبل الطاقة النووية المدنية في الولايات المتحدة من الناحية العملية.

وأشير هنا إلى حادثة "ثري مايل آيلاند" في الولايات المتحدة 28 مارس/آذار 1979، وكارثة "تشيرنوبيل" الأسوأ بكثير 26 أبريل/نيسان 1986 في الاتحاد السوفياتي السابق.

وفي الآونة الأخيرة، شهدنا أيضا حادثة "فوكوشيما دايتشي" في اليابان 11 مارس/آذار 2011. فقد خلفت السيناريوهات المخيفة للحوادث الكبرى، وما يعقبها من تسرب إشعاعي ذي عواقب مدمرة على عامة الناس، تأثيرا سلبيا هائلا. ونتيجة لتلك الأخبار السيئة، تحول الرأي العام في الولايات المتحدة بقوة ضد الطاقة النووية.

تأثير سلبي على الصناعة النووية

ونتيجة لهذا التحول، لم يُبن في أمريكا خلال السنوات اللاحقة سوى عدد قليل جدا من محطات الطاقة النووية الجديدة، في حين تعين التخلص التدريجي من بعض المحطات القائمة لبلوغها نهاية عمرها الافتراضي.

وأدى ذلك إلى تقليص دور الطاقة النووية في المزيج الإجمالي لتوليد الطاقة الأمريكية، والذي يشمل الغاز الطبيعي، والفحم، والطاقة الكهرومائية، والرياح، والطاقة الشمسية، والطاقة النووية.

ولم تقتصر الأمور على هذه المعارضة السياسية القوية، بل غدت اقتصادات بناء محطات الطاقة النووية غير مستدامة. فقد دخلت أحدث محطة نووية أمريكية -وهي الوحدة الرابعة من مفاعل محطة فوغتل المنجزة حديثا في ولاية جورجيا- الخدمة في عام 2024، متأخرة سبع سنوات عن جدولها الزمني المحدد، وبتكلفة باهظة بلغت 30 مليار دولار.

إعلان

وعبر المحيط الأطلسي في المملكة المتحدة، تتأخر أيضا محطة مفاعل "هينكلي بوينت" الطموحة لسنوات عن جدولها الزمني، بينما تقدر تكلفتها المتوقعة بحوالي 65 مليار دولار. وتنبئِنا هذه الأرقام بأن صناعة الطاقة النووية، بمفهومها الحالي، غير قابلة للاستمرار من الناحية المالية.

يحتاج العالم إلى المزيد من الكهرباء باطراد، في الوقت الذي يسعى فيه صناع السياسات إلى الحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري جراء المخاوف المتعلقة بالاحتباس الحراري

ما هي المشاكل؟

فماذا حدث إذن؟ تعزى التكاليف الباهظة في الغالب إلى حقيقة أن كل مفاعل يعد منتجا "مفصلا" يصنع خصوصا؛ مما يتطلب أجزاء ومكونات محددة يتعذر إنتاجها بكميات كبيرة، ويستحيل معه بالتالي خلق وفورات الحجم.

وعلاوة على ذلك، وبغية تبديد المخاوف المتعلقة بالحوادث- كما أشير أعلاه بشأن الخوف من التسربات الإشعاعية- فقد أضيفت طبقات من أنظمة الأمن، الأمر الذي أدى إلى زيادة التكلفة الإجمالية.

وعلى الرغم من استمرار استخدام الطاقة النووية بشكل موثوق في العديد من البلدان، بدءا من كوريا الجنوبية وصولا إلى فرنسا والإمارات العربية المتحدة، تبرز الحاجة الماسة إلى نموذج عمل جديد لهذه الطاقة؛ لأن العالم في أشد الحاجة إليها.

وفي الواقع، خلص العديد من المحللين إلى ضرورة أن تشكل الطاقة النووية الإضافية جزءا لا يتجزأ من أي مزيج يهدف إلى زيادة إجمالي إمدادات الكهرباء "الخالية من الانبعاثات".

الحاجة إلى المزيد من الكهرباء

نعم، يحتاج العالم إلى المزيد من الكهرباء باطراد، في الوقت الذي يسعى فيه صناع السياسات إلى الحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري جراء المخاوف المتعلقة بالاحتباس الحراري.

وفي ظل هذه المعطيات والمرحلة الحالية من التطور التكنولوجي، يصعب التفكير في أي إستراتيجية للإمداد الكهربائي تخلو من مساهمة كبيرة للطاقة النووية. ومع ذلك، من الواضح أن نموذج المفاعل القديم- المبني خصوصا- لم يعد مجديا.

المفاعلات النمطية الصغيرة قد تغير الصناعة النووية

فإلى أين نتجه من هنا؟ هنا يبرز دور نموذج "المفاعل النمطي الصغير". فقد استعرضنا آنفا أوجه القصور في المفاعلات "المفصلة"؛ إذ يتحتم على البناء المخصص في الموقع أن يتعامل مع لوائح محددة، وقيود في سلسلة التوريد، وتكاليف تمويل ضخمة تدفعها الفوائد المركبة خلال فترات التأخير.

في المقابل، يستند الوعد الذي تحمله المفاعلات النمطية الصغيرة إلى نموذج عمل مختلف تماما. فبادئ ذي بدء، ستتميز هذه المفاعلات بتصميم مبسط؛ ولذا ستصنع العديد من مكوناتها الرئيسية داخل المصانع. إن بناء وحدات نمطية في بيئات تصنيع خاضعة للرقابة، عوضا عن البناء الميداني المخصص، سيؤدي بمرور الوقت إلى خفض تكاليف الوحدة.

وعلاوة على ذلك، فإن صغر حجم المفاعلات يعني انخفاض تكلفتها لكل وحدة، مما يذلل العقبات المالية التي تحول دون الدخول في هذا المجال.

كما سيكون بناء أنظمة السلامة اللازمة لها أيسر وأقل تكلفة. وما يميز هذه المفاعلات أيضا هو قابليتها للتوسع؛ إذ يمكن إلحاق وحدات إضافية بالوحدات القائمة بمرور الوقت، مما يتيح توزيع العبء المالي للاستثمارات في توليد الطاقة النووية على مدى زمني أطول.

إعلان

ومع ذلك، يجب أن نضع في الحسبان أن جميع هذه الافتراضات الإيجابية المتعلقة بتحقيق وفورات الحجم لا تزال قيد الاختبار. فسيتعين على الهيئات التنظيمية النووية الموافقة على تصميم وجودة المكونات المنتجة في المصانع، كما سيتوجب على كل مكون اجتياز اختبارات سلامة صارمة. ونظرا لكون هذه التكنولوجيا لا تزال في طورها التجريبي وغير مثبتة بعد، فإن النجاح النهائي ليس مضمونا تماما.

لقد خلق الذكاء الاصطناعي وحده طلبا هائلا على طاقة إضافية في الولايات المتحدة ومناطق أخرى من العالم. إذ يمكن أن يتطلب مركز بيانات كبير للذكاء الاصطناعي ما بين 500 ميغاواط إلى أكثر من 1 غيغاواط من الكهرباء المستمرة، وهو ما يعادل تقريبا حجم إنتاج مفاعل نووي تقليدي

بدء أعمال البناء

وبأخذ ذلك في الاعتبار، تنتقل صناعة المفاعلات النمطية الصغيرة الآن من مرحلة النمذجة النظرية إلى حيز البناء. فتعمل شركة "تيراباور" -التي يمولها بيل غيتس إلى حد كبير- حاليا على مشروع مفاعل نمطي صغير في مدينة كيميرر بولاية وايومنغ. وبعد الحصول على تصريح من اللجنة التنظيمية النووية الأمريكية، انطلقت أعمال البناء في أبريل/نيسان 2026، ومن المتوقع أن تكتمل بحلول عام 2030. وعقب ذلك، بافتراض نجاح اختبارات السلامة وغيرها من الاختبارات، قد تبدأ العمليات التجارية في عام 2031.

ويستخدم هذا المشروع -المعروف باسم الوحدة الأولى في محطة كيميرر للطاقة- مفاعلا سريعا يعمل بتبريد الصوديوم بقدرة 345 ميغاواط، مقترنا بنظام لتخزين طاقة الملح المنصهر. ويسير المشروع بخطى ثابتة ليصبح أول محطة نووية متقدمة على مستوى المرافق في الولايات المتحدة.

ويعمل مبرد الصوديوم بضغط منخفض، مما يلغي الحاجة إلى أنظمة الاحتواء والأنابيب الضخمة عالية الضغط التي تتطلبها مفاعلات المياه التقليدية. وبعبارة أبسط، لا يتطلب مفاعل الضغط المنخفض تركيب أنظمة باهظة التكلفة.

تكنولوجيا تجريبية

ومع ذلك، يجب أن نبقي في أذهاننا أن هذه التكنولوجيا لا تزال تجريبية؛ فالتخفيضات الكبيرة في تكلفة الوحدة -وهو الوعد الذي تبشر به المفاعلات النمطية الصغيرة- لا تزال رهنا بالمستقبل. ونظرا لكون مفاعل كيميرر هو الأول من نوعه، فإنه يحمل تكلفة باهظة تبلغ حوالي 4 مليارات دولار. وبعد تكلل أعمال البناء بالنجاح والحصول على تصريح التشغيل، ستتمكن شركة "تيراباور" من البدء في التفكير في قابلية التوسع، ومن ثم تحقيق تخفيضات جوهرية في التكاليف للوحدات المستقبلية.

هل تمثل المفاعلات النمطية الصغيرة موجة المستقبل؟

وبافتراض نجاح مفاعل إثبات المفهوم التابع لشركة "تيراباور" في كيميرر، إلى جانب التجارب الأخرى الجارية حاليا في مجال المفاعلات النمطية الصغيرة في بلدان مختلفة، فهل يمكننا أن نتصور بزوغ حقبة جديدة للطاقة النووية؟ حقبة قد تشهد بناء مئات المفاعلات الصغيرة بوتيرة سريعة وتكلفة معقولة في جميع أنحاء العالم خلال 10 أو 15 عاما، لتوفير كل ما تحتاجه البشرية من كهرباء نظيفة بهذه الطريقة؟

قد تكون الإجابة نعم. فرغم طموح هذه الخطة، فإنها ليست ضربا من الخيال، وبإمكاننا حقا استشراف مثل هذا المستقبل. ولنتأمل أيضا الجانب الإيجابي لهذه التكنولوجيا منخفضة التكلفة والقابلة للتطوير، ضمن سياق عالمي يتسم بطلب متزايد لا ينفك على توليد المزيد من الكهرباء.

مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى طاقة

لقد خلق الذكاء الاصطناعي وحده طلبا هائلا على طاقة إضافية في الولايات المتحدة ومناطق أخرى من العالم. إذ يمكن أن يتطلب مركز بيانات كبير للذكاء الاصطناعي ما بين 500 ميغاواط إلى أكثر من 1 غيغاواط من الكهرباء المستمرة، وهو ما يعادل تقريبا حجم إنتاج مفاعل نووي تقليدي.

وتتوقع جميع شركات التكنولوجيا الكبرى التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها نفقات رأسمالية تقدر بمئات المليارات من الدولارات لبناء مراكز بيانات جديدة للذكاء الاصطناعي. فمن أين ستأتي الكهرباء الإضافية لتشغيلها إذن؟ لا شك أن الطاقة النووية يجب أن تكون جزءا من هذه الإجابة.

تظل القيمة المقترحة للمفاعلات النمطية الصغيرة كامنة في انخفاض تكلفتها وضمان إمدادات ثابتة وموثوقة من الكهرباء. وبافتراض إمكانية تحقيق تكاليف منخفضة للوحدة بالتزامن مع مستويات عالية من السلامة، فقد تمثل هذه المفاعلات الاختراق التكنولوجي الذي ينشده العالم

طلب إضافي

وبالنظر إلى العالم بشكل عام، يتعين علينا أن نأخذ في الحسبان الطلب الإضافي على الكهرباء لتشغيل ملايين السيارات الكهربائية الجديدة، جنبا إلى جنب مع احتياجات الطاقة للصناعة المكهربة، ومحطات تحلية المياه في البلدان التي تفتقر إلى المياه العذبة، فضلا عن إنتاج الهيدروجين الأخضر، وأنظمة تكييف الهواء في المناخات الدافئة، والكميات الهائلة من الكهرباء اللازمة لدعم عجلة النمو الاقتصادي في آسيا وأفريقيا.

إعلان

ففي أفريقيا وحدها، يفتقر حوالي 600 مليون شخص إلى الكهرباء، في حين يعتمد ملايين آخرون على إمدادات متقطعة تفتقر إلى الموثوقية. ومن الصعب التفكير في أي إستراتيجية تنموية اقتصادية هادفة دون أن تستند إلى دعامة من الكهرباء الموثوقة وبأسعار معقولة. وهنا، قد تقدم الطاقة النووية الرخيصة حلا عمليا يرتقي بمستويات النمو والرفاهية لملايين البشر.

الإضافة إلى مزيج توليد الطاقة

صحيح أن السنوات الأخيرة قد شهدت تطورات بالغة الأهمية في تكنولوجيا توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. وستغدو حلول الطاقة المتجددة أكثر موثوقية، لا سيما إذا ما اقترنت بالتصاميم المبتكرة والبطاريات ذات السعة الكبيرة القادرة على تخزين كميات هائلة من الكهرباء؛ مما سيسهم في انتشار اعتمادها على نطاق أوسع.

ومع ذلك، تظل القيمة المقترحة للمفاعلات النمطية الصغيرة كامنة في انخفاض تكلفتها وضمان إمدادات ثابتة وموثوقة من الكهرباء. وبافتراض إمكانية تحقيق تكاليف منخفضة للوحدة بالتزامن مع مستويات عالية من السلامة، فقد تمثل هذه المفاعلات الاختراق التكنولوجي الذي ينشده العالم لتلبية الطلب المتزايد باستمرار على الكهرباء، واهبة بذلك أملا حقيقيا للبلدان الأقل نموا في أفريقيا وآسيا والتي تسعى جاهدة نحو التحديث من بوابة النمو الاقتصادي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا