آخر الأخبار

تحليل: مجتبى خامنئي يخطط لحرب طويلة ولينكولن تدفع ثمن الاستنزاف

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تكشف التعيينات التي أجراها المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي مؤخرا عن تصور جديد لإدارة الحرب مع الولايات المتحدة والتوجه نحو إرساء إستراتيجية عسكرية وأمنية طويلة المدى تعتمد الصمود والردع المباشر.

وفي تحليل موسع نشرته مجلة فورين بوليسي للباحث سينا توسي، الزميل المقيم في مركز السياسة الدولية بواشنطن، يتبين أن هذه التغييرات لا تقتصر على تعويض الخسائر الكبيرة التي لحقت بالقيادات الإيرانية جراء المواجهات المستمرة منذ يونيو/حزيران 2025، بل تعكس إعادة بناء شاملة للمؤسسة الأمنية للاستعداد لمواجهة طويلة الأجل مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 بعد ليفيت.. من يصبح الدرع الإعلامي لترمب؟
* list 2 of 2 ما الذي سيحدث للقواعد الروسية في سوريا؟ end of list

إستراتيجية الحرب الطويلة

ويوضح التحليل أن الهيكلية الجديدة لغرفة العمليات الإيرانية تقوم على مركزية القرار العسكري، والتركيز على العمليات الهجومية لفرض تكاليف باهظة على الخصوم، والتكامل الوثيق بين السياسات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والأمن الداخلي.

وعلى عكس التقييمات الشائعة، فإن هذا التشدد -برأي الكاتب- لا يعني بالضرورة إغلاق باب المفاوضات، "بقدر ما يهدف إلى إقران الدبلوماسية بمفهوم أكثر صلابة للردع، يضمن ألا تؤدي أي محادثات مستقبلية إلى مجرد هدنة مؤقتة، بل إلى تسوية دائمة تعترف بنفوذ طهران وتصون مصالحها".

وتبرز هنا أهمية تعيين محسن رضائي أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، المؤسسة التي تنسق السياسات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية والأمنية.

ووفق تحليل فورين بوليسي، فإن وصف رضائي بالشخص المحافظ المتشدد أو القائد السابق للحرس الثوري ينطوي على تبسيط مخل؛ إذ يُعد الرجل مهندسا إستراتيجيا أسهم خلال قيادته للحرس الثوري لمدة 16 عاما في تأسيس قوته البرية والبحرية والجوية، فضلا عن فيلق القدس ومقر خاتم الأنبياء".

وتستحضر المجلة سجله خلال الحرب الإيرانية العراقية عام 1988، عندما أرسل خطة خمسية لمواصلة القتال برغم التدهور الاقتصادي والعسكري، وهي الخطة التي استغلها السياسي الرفيع علي أكبر هاشمي رفسنجاني آنذاك لإقناع الإمام الخميني بضرورة قبول قرار مجلس الأمن رقم 598 لإخراج البلاد من أزمتها.

مصدر الصورة تعيين محسن رضائي قد يشي بأن إيران لا تنوي تقديم تنازلات في صراعها مع الولايات المتحدة (رويترز)

الهجوم في عقيدة الردع الإيرانية

ويرى التحليل أن استدعاء رضائي اليوم يشير إلى رفع سقف الشروط الإيرانية في أي محاولة لإنهاء الصراع، والتمسك بعدم تقديم تنازلات قبل بناء أوراق ضغط عسكرية وازنة.

إعلان

وتعزز بقية التعيينات هذا الاتجاه؛ فقد كُلف علي عبد اللهي، رئيس أركان القوات المسلحة الجديد، بإكمال دمج مقر خاتم الأنبياء المركزي ضمن هيئة الأركان العامة لتعزيز مركزية القيادة، مع التركيز على مواجهة التهديدات التقليدية والحديثة والإدراكية والهجينة.

كما تم تثبيت أحمد وحيدي قائدا للحرس الثوري وترقيته إلى رتبة لواء بعد توليه المنصب عقب اغتيال محمد باكبور.

وفي نظر كاتب المقال أن الصياغة الأخيرة مهمة لأنها تجعل العمل الهجومي جزءا معلنا من عقيدة الردع الإيرانية، لا مجرد رد فعل على هجوم.

وفي مضيق هرمز تتضح الأبعاد الاقتصادية والإستراتيجية؛ إذ يأتي تعيين علي عظمائي قائدا للقوات البحرية للحرس الثوري خلفا لعلي رضا تنكسيري، في وقت أصبحت فيه السيطرة على هذا الممر الحيوي أهم أوراق الضغط الإيرانية على واشنطن والاقتصاد العالمي، بالتوازي مع إدارة مفاوضات مع سلطنة عمان بشأن ترتيبات الملاحة دون العودة إلى وضع ما قبل الحرب.

وعلى الصعيد الداخلي، أُعيد حسين طائب لقيادة قوات الباسيج لتعزيز الشبكات الاستخباراتية الشعبية واستغلال التقنيات الحديثة لضبط الشارع.

فورين بوليسي: القراءة السائدة الآن داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية ترى أن ضبط النفس أتى بنتائج عكسية، إذ عزز الاعتقاد في واشنطن وإسرائيل بأن إيران ضعيفة، وأن ردودها يمكن توقعها

من الصبر الإستراتيجي إلى رفع تكلفة الحرب

ترى فورين بوليسي أن هذه التعديلات تعكس مراجعة عميقة داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية لمعادلة الردع التي فشلت قبل الحرب.

فبعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018، اعتمدت طهران سياسة "الصبر الإستراتيجي". لكنّ القراءة السائدة الآن داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية ترى أن ضبط النفس هذا أتى بنتائج عكسية، إذ عزز الاعتقاد في واشنطن وإسرائيل بأن إيران ضعيفة، وأن ردودها يمكن توقعها وأن تكلفة مهاجمتها يمكن التحكم فيها.

ومن ثم، أضحت العقيدة الجديدة تقوم على فرض تكاليف اقتصادية وعسكرية لا يمكن للخصوم تحملها. وفي هذا السياق، يُنظر إلى الأمن الاقتصادي كجزء لا يتجزأ من الأمن القومي، حيث يصر مستشارون اقتصاديون -مثل مجيد شاكري ومحسن رضائي- على أن إنهاء الحرب يجب أن يضمن آفاقا اقتصادية مستدامة لإيران، بعيدا عن الارتهان للإعفاءات الأمريكية الموقتة من العقوبات، وهو ما يفسر التمسك بالسيطرة على مضيق هرمز لإجبار العالم على ربط استقراره الاقتصادي بأمن إيران.

وعلى الرغم من أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وصف اللحظة الراهنة بأنها "أنسب وقت" للتوصل إلى اتفاقٍ بناء على التفاهمات السابقة. بيد أن تصريحات محسن رضائي تعكس موقفا أكثر راديكالية؛ إذ أكد في لقائه مع السفير الصيني أن مضيق هرمز سيظل مغلقا حتى تُنهي واشنطن الحرب، وتفرج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وتستجيب للشروط الإيرانية، مع مطالبات إضافية بإنهاء الحرب في غزة ولبنان، وفصل أي اتفاق ملاحي مع سلطنة عمان عن إعادة فتح المضيق بشكل كامل.

مصدر الصورة حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لينكولن (غيتي)

إنهاك الأسطول الأمريكي

في المقابل، تُظهر تحليلات الصحافة الأمريكية تأثير هذه المواجهة الممتدة على واشنطن من خلال أزمات لوجستية وضغوط ميدانية متزايدة.

إعلان

فقد كشفت تقارير لصحيفتي وول ستريت جورنال وواشنطن بوست وموقع ذا هيل الإخباري أن الجيش الأمريكي يستعد لاستبدال حاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" لتحل محل نظيرتها "يو إس إس أبراهام لينكولن"، التي تجاوز انتشارها 250 يوما ولم تدخل ميناء منذ 200 يوم، في محاولة لتخفيف العبء عن القوات المنتشرة في المنطقة ضمن عمليات الحصار البحري.

ونقلت صحيفتا واشنطن بوست ووول ستريت جورنال" أنباء عن وجود نقص حاد في الأغذية الأساسية والمستلزمات الشخصية، وأعطال متكررة في شبكات الصرف الصحي، وتلوث المياه، وتأخير الطرود البريدية، إلى جانب تدهور الصحة النفسية للطاقم وتسجيل حادثة قفز أحد البحارة في البحر في أغسطس/آب الجاري، فضلا عن تقارير صحفية أشارت إلى محاولة بحارين القفز نتيجة الإرهاق النفسي.

وأثارت هذه الظروف، التي تحدث في الحاملة أبراهام لينكولن، موجة غضب داخل الكونغرس الأمريكي. وطبقا لواشنطن بوست، فقد وجه أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ -في مقدمتهم السيناتور ريتشارد بلومنتال والسيناتور مارك كيلي والسيناتور روبين غاليغو- رسائل ومطالبات حادة لوزير الحرب بيت هيغسيث والقائم بأعمال أمانة البحرية هانغ كاو.

وشدد المشرعون على ضرورة إجراء زيارات تفقدية برلمانية للحاملة، مؤكدين أن غياب الأهداف الواضحة للعمليات العسكرية في إيران يضاعف من وطأة الانتشار الطويل على الجنود.

وكتب السيناتور كيلي أن "عمليات الانتشار الطويلة صعبة للغاية، وتزداد صعوبة عندما لا تكون المهمة الموكلة محددة بوضوح ولا تلوح لها نهاية في الأفق".

من جانبه، سارع وزير الحرب بيت هيغسيث إلى نفي هذه الادعاءات، واصفا إياها بأنها "معلومات مضللة بالكامل" و"أخبار كاذبة"، ومؤكدا في تصريحات صحفية أن وزارته توفر كافة الإمكانيات والموارد المتاحة لكل سفينة وطاقم.

وأضاف هيغسيث أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة التشغيلية المباشرة لتدوير سفنها والاستمرار في الحصار البحري على الموانئ الإيرانية لأجل غير مسمى.

مصدر الصورة حاملة الطائرات الأمريكية جورج واشنطن (غيتي إيميجز)

التداعيات الإستراتيجية والجاهزية العالمية

إلى جانب الأبعاد الإنسانية والتشغيلية، يرى محللون عسكريون أن لنقل الحاملات تبعات إستراتيجية أوسع نطاقا على مستوى العالم.

ونقلت وول ستريت جورنال عن بريان كلارك، الضابط السابق بالبحرية والباحث في معهد هودسون، إشارته إلى أن تحويل مسار حاملة الطائرات جورج واشنطن من المحيط الهادي سيُحدث فراغا مؤقتا في منطقة المحيطين الهندي والهادي، مما يتيح للصين فرصا أكبر لتعزيز نفوذها واستعراض قوتها في المنطقة.

ولفت كلارك كذلك إلى أزمة الجاهزية على المدى الطويل للأسطول الأمريكي البالغ قوامه 11 حاملة طائرات نشطة، مشيرا إلى أن الضغط التشغيلي الناجم عن الحرب الإيرانية يتطلب تراكم أعمال الصيانة والإصلاح في أحواض السفن، وهو ما قد يستغرق زهاء 3 سنوات للعودة إلى وضع الجاهزية الأمثل.

في الختام، تُظهر القراءة المتكاملة للمشهد أن الطرفين يتجهان نحو إدارة صراع طويل طابعه الاستنزاف. فبينما تعيد طهران صياغة مؤسساتها العسكرية لتحويل نفوذها الميداني والبحري إلى مكاسب إستراتيجية وسياسية غير قابلة للتراجع، تواجه واشنطن تحديات متزايدة في الموازنة بين ضغوط الحصار الميداني والكلفة اللوجستية والعسكرية المترتبة على الانتشار الممتد.

وبين صمود إيراني وضغط أمريكي متواصل في البحار، تظل المنطقة معلقة بين معادلات ردع متجددة ومفاوضات مؤجلة تنتظر لحظة انكسار التوازن.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا