آخر الأخبار

"إسرائيل الأوروبية".. الفخ الروسي الذي يسعى زيلينسكي لنصبه لترمب

شارك

وسط ضجة إعلامية، وصل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى واشنطن أواخر يوليو/تموز 2026، وذلك بعد أيام قليلة من قيام أوكرانيا بشن هجوم صاروخي على سفينة شحن إيرانية في بحر قزوين، كانت تنقل حديدا من روسيا إلى إيران.

ثمة دلائل كثيرة أن زيلينسكي لم يعد يسعى لمجرد حشد دعم أمريكي أكبر لحربه ضد روسيا، بل يبدو متجها بشكل متزايد نحو هدف أكثر أهمية: دمج الحرب الروسية الأوكرانية مع الصراع الأمريكي الإيراني في مسرح إستراتيجي واحد، واستئناف دور "إسرائيل" الإقليمي بالشرق الأوسط لكن في شرق أوروبا.

هذا التمييز جوهري. فإن اندمجت الحربان، لن تكون أوكرانيا مجرد متلقٍ للمساعدات العسكرية الأمريكية، بل تريد أن تكون طرفا فاعلا في حرب واشنطن مع طهران. وبالمثل، ستنتقل الولايات المتحدة من مجرد مورد الأسلحة الرئيسي لأوكرانيا، لتصبح طرفا محاربا فاعلا في الحرب ضد روسيا، وتوسيع رقعة الصراع لتمتد من البحر الأسود إلى بحر قزوين.

أكثر قيمة من حلفاء أمريكا

بحسب تريتا بارسي، مؤسس ونائب رئيس معهد كوينسي للحكم الرشيد، سيمثل هذا بالنسبة لكييف، اختراقا إستراتيجيا سعت إليه منذ بدء الغزو الروسي عام 2022.

ويبدو أن الهجوم الأوكراني على سفينة الشحن الإيرانية جزء من جهود زيلينسكي لكسب ود الرئيس دونالد ترمب، الذي لطالما اتسمت علاقته بالرئيس الأوكراني بالتوتر. الفكرة بسيطة: أوكرانيا هي الشريك الذي سيتحرك عندما يمتنع الآخرون عن ذلك.

وكما أوضح جورج بيب من معهد كوينسي، فإن هدف زيلينسكي هو "إقناع الرئيس ترمب بأن أوكرانيا ستكون شريكا للولايات المتحدة في أوروبا الشرقية على غرار إسرائيل [في الشرق الأوسط]، حيث يمكنها أن تُسهم في مواجهة "عدوان" روسيا، واحتواء توسعها، وحماية أوروبا وحلف شمال الأطلسي".

إضافة إلى ذلك، تأمل كييف أن تظهر لترمب أنها "أكثر قيمة حتى من حلفاء أمريكا في الناتو"، الذين انتقدهم الرئيس مرارا وتكرارا لعدم دعمهم الكافي لحربه مع إيران.

إعلان

تُعد مناورة -أو ربما مقامرة- زيلينسكي في بحر قزوين جريئة، لكن ثمة ما يدل على أن حجته تلقى قبولا لدى اليمين الأمريكي. ففي الآونة الأخيرة، تراجعت لورا لومر، المؤثرة اليهودية اليمينية المتطرفة المؤيدة لإسرائيل والناشطة المثيرة للجدل، فجأة عن انتقاداتها الممتدة سنوات لأوكرانيا، مشيرة تحديدا إلى العلاقة بين روسيا وإيران.

يبدو أن زيلينسكي يأمل، على الأقل، في أن يُسهم دعمه لحرب أمريكا على إيران في تعزيز مكانته ضمن قائمة أولويات ترمب والحصول على المزيد من أنظمة الدفاع الصاروخي المتقدمة، التي تُسرع الولايات المتحدة في نشرها بالشرق الأوسط

التوريط بالتضليل الاستخباراتي

وخلال زيارة لها إلى أوكرانيا استمرت 10 أيام، التقت زيلينسكي وتعهدت بإقناع ترمب بضرورة بذل المزيد من الجهد لمساعدة أوكرانيا، كما التقت لومر بمؤسس كتيبة آزوف وقائد الفيلق الثالث للجيش أندريه بيليتسكي. وكانت لومر، المؤثرة الصهيونية اليمينية المتطرفة، قد غيرت موقفها تماما من حرب روسيا وأوكرانيا، في استدارة كاملة لمساعدة إسرائيل في حربها مع إيران، بحسب شين فيتزجيرالد.

وقالت لومر لوسائل إعلام أوكرانية: "الحقيقة هي أن الإيرانيين يستخدمون أسلحة روسية لقتل الجنود الأمريكيين ومهاجمة الولايات المتحدة". كما سلطت الضوء على ادعاء زيلينسكي الأخير بأن روسيا تزود إيران بصور الأقمار الصناعية التي "تساعدهم في العثور على الجنود الأمريكيين وقتلهم".

من جانبه، يبدو ترمب متشككا في هذه الصلة الاستخباراتية. وقال للصحفيين لاحقا: "سنتحقق من صحة ذلك"، مضيفا أنه سيسأل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن ذلك.

بحسب كونور إيكولز مدير تحرير "ريسبونسبل ستيتكرافت"، ثمة في الواقع ما يدعو للتشكيك في فكرة أن أوكرانيا تُزود الولايات المتحدة بـ"معلومات استخباراتية بالغة الأهمية" حول احتمال تورط روسيا في الحرب الإيرانية، كما زعم أحد برامج قناة "فوكس نيوز". وقال بيب: "أعتقد أن هذا محض افتراء. فالأوكرانيون لا يملكون قدرات تقنية أفضل من الولايات المتحدة نفسها لتتبع أقمار التجسس الروسية وفهم ما ترصده بمرور الوقت".

وأضاف بيب: في الواقع، تُعد هذه الادعاءات جزءا من "حملة تهدف في المقام الأول إلى إقناع الرأي العام الأمريكي والبيت الأبيض بأن روسيا تعمل بتعاون وثيق مع إيران للإضرار بالولايات المتحدة وتسهيل قتل أفراد عسكريين أمريكيين". والهدف النهائي هنا هو "جر ترمب بشكل مباشر إلى الصراع الأوكراني الروسي بطرق لا أعتقد أنها تخدم مصالح أمريكا".

والتناظر هنا واضح بين جر نتنياهو لترمب إلى حرب إيران ورغبة زيلينسكي في جر ترمب إلى حرب روسيا، وكلاهما يتم باستخدام التضليل الاستخباراتي.

نحو حرب أوسع نطاقا؟

على المدى القريب، يبدو أن زيلينسكي يأمل، على الأقل، في أن يُسهم دعمه لحرب أمريكا على إيران في تعزيز مكانته ضمن قائمة أولويات ترمب والحصول على المزيد من أنظمة الدفاع الصاروخي المتقدمة، التي تُسرع الولايات المتحدة في نشرها بالشرق الأوسط. ويبدو أن له هدفا آخر يتمثل في دفع ترمب للتخلي عن محادثات السلام مع روسيا -بشأن أوكرانيا- والعودة إلى سياسة إدارة بايدن في دعم أوكرانيا بكل قوة ورفض مساعي التفاوض لإنهاء الحرب.

لكن التشابك المتزايد لهذه الحروب يثير أيضا مخاوف المراقبين والرأي العام من الانجراف نحو حرب أوسع نطاقا تمتد من شرق أوروبا وصولا إلى الشرق الأوسط.

إعلان

يرى بيب أن أفضل طريقة لتجنب هذا التصعيد هي أن يتواصل المسؤولون الأمريكيون مباشرة مع نظرائهم الروس. وأشار بيب إلى أن بوتين عرض المساعدة في التفاوض على اتفاق سلام بين إيران والولايات المتحدة، وقال إن على ترمب "قبول العرض" و"البحث عن سبيل مع روسيا لاحتواء مخاطر التصعيد".

بهذا المعنى، قد تُتيح هذه الأزمة المتفاقمة إمكانية تحقيق انفراجة أوسع. وقال بيب: "لن يؤدي ذلك إلى وضع الصراع مع إيران على طريق الحل فحسب، بل سيبني أيضا زخما نحو نهاية توافقية للحرب في أوكرانيا".

ثمة دلائل كثيرة أن زيلينسكي لم يعد يسعى لمجرد حشد دعم أمريكي أكبر لحربه ضد روسيا، بل يبدو متجها بشكل متزايد نحو هدف أكثر أهمية: دمج الحرب الروسية الأوكرانية مع الصراع الأمريكي الإيراني في مسرح إستراتيجي واحد، واستئناف دور "إسرائيل" الإقليمي بالشرق الأوسط

دمج الصراعين في إيران وأوكرانيا

يرى بارسي أن كييف تسعى إستراتيجيا لدمج الصراعين في إيران وأوكرانيا في صراع واحد، لأنه سيُغير جذريا المنطق السياسي للحربين. وبالنسبة لأمريكا سيزداد الترابط بين مسرحي المعارك، من حيث القوات والأصول الاستخباراتية والإمدادات اللوجيستية والتخطيط العملياتي.

كما أن اقتناع واشنطن بوجود تعاون عسكري روسي إيراني سيُشجعها على التعامل معهما كعنصرين من عناصر صراع واحد، وليس كفاعلين منفصلين في أزمتين منفصلتين، بحيث يصبح التمييز بين دعم أوكرانيا ومحاربة روسيا أصعب.

ستغري الدينامية الجديدة في الصراع "إسرائيل" أيضا. إذ ستتيح هذه الحركية فرصة لتجديد حرب إيران وتمنحها حياة جديدة. وستفاقم تدويل الصراع بتوريط حكومات أوروبية في الصراع مع إيران من خلال التزاماتها الراسخة بدعم أوكرانيا. لكن الأكثر دلالة هو تغير السردية السياسية، لتصبح مواجهة إيران ضرورة للدفاع عن أوكرانيا وليس عن "إسرائيل".

ونظرا للدعم الذي تحظى به أوكرانيا غربيا فهذا الطرح أكثر قبولا سياسيا من تركيز الحرب حول "إسرائيل"، نظرا لتراجع موقف "إسرائيل" بالغرب؛ بسبب الإبادة في غزة ودورها المحوري في إشعال الحرب في الخليج.

لا يتوقع بالضرورة نجاح مقامرة زيلينسكي، لكن ترمب قد يكون مُعرضا للضغوط هنا نظرا لتورطه في مأزق مضيق هرمز.

المفارقة أن جو بايدن قاوم هذا التصعيد؛ لأن مخاطر المواجهة المباشرة بين الناتو وروسيا قد تفجر حربا أوسع وأكثر كارثية. كما لم تتوار هذه المخاوف من المشهد لمجرد تغيير سيد البيت الأبيض أو لأن ترمب تورط في حرب أخرى لا طائل من ورائها.

يخلص بارسي إلى أن محاولات حل مشكلة إستراتيجية واحدة بتوسيع نطاق صراع آخر تؤدي لتعقيد حل المشكلتين. قد لا يكمن الخطر الأهم في اختيار ترمب خوض حربين معا، بل في أن خطوات تصعيدية "صغيرة" تمهد الطريق لكارثة "كبيرة" سعى بايدن وترمب لتجنبها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا