في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
يُطلق جنديٌّ طائرةً مسيّرة رخيصة بقيمة 350 دولاراً، وعندما تصيب سفينةً في عرض البحر يتضور آلاف الناس جوعاً شرقاً وغرباً.
في الغالب تكون هذه السفينة محملة بآلاف الأطنان من القمح الذي يستحوذ الروس والأوكرانيون على 30% من إنتاجه على مستوى العالم.
وهذه ليست المرة الأولى التي يكون فيها البحر الأسود مسرحاً لعمليات عسكرية تهدد البشرية في أرواحها وأقواتها، لقد حصل ذلك في 2022.
والجديد الآن انشغال القوى الدولية بالحرب الأمريكية الإيرانية وتداعياتها على مضيق هرمز، مما يجعل التصعيد في البحر الأسود جبهة منسية تقريباً.
بيد أن اشتعال هذه الجبهة من جديد لا بد أن يفرض نفسه قريباً على المسرح الدولي لأنها تمس أقوات الناس في مختلف أنحاء العالم.
رسمياً، طرفا التصعيد هما روسيا وأوكرانيا اللتان تخوضان حرباً قاتلة، خلفت حتى الحين نحو مليوني قتيل وجريح، وفق تقديرات.
وقد بدأت الحرب في 24 فبراير/شباط 2022، عندما غزت روسيا الشرق الأوكراني لمنع كييف من الانضمام إلى حلف الناتو وفتح حدودها أمام جيوش الغرب، ولم تتوقف منذ ذلك الحين.
والثلاثاء الماضي، أعلنت وزارة الدفاع الروسية استهداف ثلاث سفن شحن قالت إنها تحمل إمدادات عسكرية لأوكرانيا في البحر الأسود.
وغالباً ما تكون هذه المبررات مصدر تشكيك من الطرف الآخر، وتظهر رواية أخرى للعلن تقول إن المسيّرات استهدفت سفناً بريئة تحمل غذاءً ووقودا لدولة لا ناقة لها ولا جمل في حرب موسكو وكييف.
وقالت روسيا إنها نفذت ضربات ضد أربع سفن وبنية تحتية للموانئ في جميع أنحاء أوكرانيا، وسط تقارير تقول إن البحر الأسود أصبح أخطر بيئة في العالم للشحن التجاري.
وقبل 3 أيام فقط، قال رئيس شركة روس آتوم الروسية الحكومية للطاقة النووية أليكسي ليخاتشوف إن مسيرتين أوكرانيتين أصابتا سفينة مدنية تابعة للشركة كانت تبحر في البحر الأسود -خلال الليل- فأغرقتاها.
كذلك زعم الجيش الأوكراني أنه هاجم أربع ناقلات روسية في البحر الأسود وبحر آزوف.
وفي ملمح على حجم التصعيد، قال قائد قوات الأنظمة المسيّرة الأوكرانية روبرت بروفدي -عبر تطبيق تلغرام- إن ما مجموعه 205 ناقلات (130 في بحر آزوف و75 في البحر الأسود) جرى قصفها خلال الأسابيع الثلاثة الماضية.
ووصفت تقارير صحفية هذه الهجمات بأنها حملة بحرية عشوائية، تتجاوز الأهداف العسكرية إلى ضرب السفن المحملة بالقمح والنفط والحديد، وغير ذلك من السلع.
لكن شظايا الحرب تصيب الأتراك والإيرانيين والأفارقة، مما يكبّد الاقتصاد العالمي خسائر جديدة، وينذر باستدراج أطراف وازنة إلى الصراع.
وقد أدانت أنقرة هجوماً بطائرات مسيّرة تعرضت له -مساء الاثنين الماضي- سفينتان تجاريتان تابعتان لشركتي شحن تركيتين في البحر الأسود.
وجاء في بيان للخارجية التركية أن السفينتين المدنيتين "يسار" و"ناديزدا" -المملوكتين لشركتي شحن تركيتين- استُهدفتا بطائرات مسيّرة عقب مغادرتهما ميناء نوفوروسيسك الروسي ليل الاثنين، مؤكدة أن الهجوم أوقع إصابات في صفوف الطاقمين.
وهذه ليست سابقة من نوعها، ففي نهاية يونيو/حزيران الماضي تعرضت سفينة صيد تركية لهجوم قرب سواحل شبه جزيرة القرم، أسفر عن مقتل شخص وإصابة أربعة آخرين.
تركيا -التي تتمتع بثقل عسكري وسياسي عالمي- سبق لها أن لعبت دوراً حيوياً في تسوية أزمة تصدير الحبوب في 2022.
أما في هذه المرة فقد مسها الضر، ولم تجد بداً من الحديث بلغة حاسمة، حيث حذرت -في مايو/أيار الماضي- من خطر "تصعيد خارج نطاق السيطرة" في البحر الأسود.
جاء ذلك بعد هجوم بمسيّرة استهدف سفينة شحن تركية، ووفق البحرية الأوكرانية فإن الهجوم تم تنفيذه بواسطة مسيّرة روسية.
وبعد تحميلها بشحنة من الذُّرة، تعرضت سفينة تحمل علم غينيا بيساو لهجوم قبالة ميناء أوديسا، فغرقت على الفور ولقي 5 من طاقمها حتفهم فيما تم إنقاذ 8 آخرين، كان ذلك في 19 يوليو/تموز الماضي. وطبعاً، لم تتأخر أوكرانيا في تحميل روسيا المسؤولية عن الهجوم.
ووفق تحليلات، فإن روسيا ربما تهدف إلى ردع الشركات الأجنبية عن شراء المنتجات الأوكرانية واستخدام ممرها البحري في البحر الأسود.
لكن الحادث الأخطر يتعلق بتعرض سفينة إيرانية لهجوم في بحر قزوين، وهو مسرح آخر للتصعيد بين الروس وجيرانهم الأوكرانيين.
الهجوم -الذي أدى إلى مقتل بحار إيراني- تبنته كييف في اللحظة الأولى، قائلة إنه استهدف سفينتين تخضعان للعقوبات الدولية.
لكن طهران ردت بلغة حاسمة جداً وأعلنت أنها حددت 3 أهداف لضربها في أوكرانيا للثأر، وللجم كييف عن أي تحركات عدوانية في المستقبل.
وفي الحقيقة، فإن كييف تعرف جيداً خطر المسيّرات الإيرانية، ولعلها رأت أنه من الحكمة امتصاص غضب إيران.
وقد قال محسن رضائي -مستشار المرشد الإيراني- إن طهران كانت مستعدة لتوجيه ضربات إلى ثلاثة أهداف في أوكرانيا عقب الهجوم الذي استهدف السفينة، لكنها ألغت العملية بعد اعتذار كييف.
ووفق نقابة البحارة التركية "دينيز إيشيليري"، فإن 35 سفينة تعرضت للضرب خلال شهر يوليو/تموز، مما أدى إلى مقتل 23 بحاراً وإصابة أكثر من 40 آخرين.
أما شركة الاستشارات الأمنية "بالايمون ماريتيم" فرأت -في تقييم جديد- أن المخاطر "بلغت ذروتها مجدداً مع شن روسيا وأوكرانيا ضربات واسعة النطاق تشمل المنطقة بأسرها".
وجاء في هذا التحذير أن "جميع السفن التجارية تُعد هدفاً للطائرات المسيرة التي تعمل تحت سطح البحر وعلى سطحه وجواً، بما في ذلك المناطق الساحلية".
التصعيد في هذا البحر أدى إلى اضطراب حركة الشحن، مما تسبب في ارتفاع أسعار القمح العالمية بنحو 15% خلال الشهرين الماضيين.
وكانت مصر من المتأثرين بهذا الوضع، حيث تراجعت وارداتها من القمح إلى 350 ألف طن في يوليو/تموز، بعد أن وصلت 400 ألف طن في يونيو/حزيران.
هذا الوضع أدى إلى ارتفاع في أسعار الطحين وبعض أنواع الخبز غير المدعوم، فيما أوضحت السلطات أن معظم وارداتها من القمح مصدرها روسيا وأوكرانيا.
أما تركيا -التي تستورد نحو 80% من احتياجاتها من الفحم الحراري من روسيا- فقد شهدت بالفعل ارتفاع الأسعار المعروضة من أقل من 100 دولار للطن في منتصف يوليو/تموز إلى نحو 135 دولاراً للطن.
كما تعرضت صادرات خامات الحديد الأوكرانية لضربات موجعة، حيث أوقف عمال المناجم الشحنات إثر الهجمات على السفن.
كذلك انخفضت صادرات كازاخستان عبر محطة خط أنابيب بحر قزوين بالنسبة ذاتها، بينما تراجعت الشحنات الموجهة إلى الهند بنسبة 66%.
وقال المحلل لدى شركة "Episode 3" أندرو وايتلو إن السوق لا يعكس بالكامل -حتى الآن- التأثير المحتمل لاضطرابات الصادرات، مرجحاً أن تشهد الأشهر المقبلة تأثيراً أكبر على الإمدادات العالمية.
ووفق تقرير لمجموعة سبلاش ماريتايم المتخصصة في أخبار الشحن البحري، فإن البحر الأسود أصبح البيئة الأكثر خطورة على الملاحة التجارية في العالم.
أما شركة "بالايمون ماريتايم" (Palaemon Maritime) للاستشارات الأمنية، فرأت أن المخاطر "بلغت ذروتها مرة أخرى".
بيد أن هذا الزخم ليس جديداً على البحر الأسود الذي يقع في أوراسيا، ويُعد شرياناً مهماً للنقل على مدار العام، ويفصل بين جنوب شرق أوروبا وغرب آسيا.
وتحدّه أوكرانيا من الشمال، وروسيا من الشمال الشرقي، وجورجيا من الشرق، وتركيا من الجنوب، وبلغاريا ورومانيا من الغرب.
وقد كان ذات يوم بحراً داخل الإمبراطورية العثمانية، وحالياً تتصادم فيه مصالح الروس والناتو والأتراك.
وعبر التاريخ كان ممراً مائياً على ملتقى طرق العالم القديم، واستضاف على شواطئه عدداً لا يُحصى من الحضارات والقبائل، وشهد صراعات وحروباً بين كثير من الشعوب؛ كالإغريق والرومان والبيزنطيين والقوطيين وقبائل الهون والآفار والبلغار والصليبيين وشعب البندقية والتتار.
المصدر:
الجزيرة