"هجموا على البيت وكانت في سريرها تغفو".. بهذه الكلمات استعاد جد رضيعة فلسطينية لم يتجاوز عمرها شهرا واحدا لحظات الرعب التي عاشتها العائلة، بعدما نجت حفيدته بأعجوبة من الموت إثر هجوم شنه مستوطنون على منزلهم في قرية عوريف جنوب نابلس في الضفة الغربية، وأضرموا النار فيه بينما كانت الطفلة نائمة.
وبين ألسنة اللهب والدخان، استطاع أفراد العائلة انتشال الرضيعة من داخل المنزل، بعدما هاجم أكثر من 150 مستوطنا القرية وأحرقوا منزل العائلة، في مشهد اختزل قسوة الاعتداء وبراءة الطفولة في آن واحد.
وبصوت يملؤه الألم، روى الجد تفاصيل تلك اللحظات، موضحا أن حفيدته كانت تغفو في سريرها عندما اندلع الحريق، قبل أن يتمكّن أفراد الأسرة من إنقاذها، مختتما حديثه برسالة تحدٍّ قال فيها: "هنا باقون يا سيدي".
وفي مقطع فيديو وثّق آثار الهجوم، ظهرت الرضيعة وهي تنظر إلى جدها بابتسامة بريئة وسط جدران المنزل المتفحمة، في مشهد لامس مشاعر كثيرين على منصات التواصل الاجتماعي.
ويأتي ذلك في أعقاب هجمات نفذها مستوطنون، مساء الجمعة، على عدد من القرى الفلسطينية جنوب نابلس وغربها، حيث أضرموا النار في منازل ومركبات وممتلكات فلسطينية، وسط حماية من قوات الاحتلال الإسرائيلي.
غضب واسع
وأشعل الفيديو، مرفقا بشهادة الجد، موجة غضب واسعة بين الناشطين الفلسطينيين، الذين اعتبروا أن المشهد يلخص قسوة اعتداءات المستوطنين بحق الفلسطينيين، ويعكس استهداف المدنيين حتى داخل منازلهم، دون استثناء الأطفال الرضع.
وتساءل عدد من الناشطين: "أي عقل يقبل أن تُحرق طفلة وهي نائمة في سريرها؟" مؤكدين أن ما جرى لا يمكن اعتباره "حادثا أمنيا"، بل يمثل جريمة بحق الإنسانية، إذ تتحول منازل المدنيين إلى أهداف، والأطفال إلى ضحايا.
وأشار آخرون إلى أن محاسبة المسؤولين عن هذه الاعتداءات ليست خيارا، بل واجبا يفرضه القانون الدولي والضمير الإنساني، مطالبين بتحرك جاد لوقف اعتداءات المستوطنين ومحاسبة مرتكبيها.
وكتب ناشطون أن نجاة الرضيعة من بين ألسنة اللهب لا تلغي فداحة ما جرى، مشيرين إلى أن مجرد تعرض طفل بهذا العمر لمحاولة حرق داخل منزله يكشف حجم الخطر الذي يواجهه المدنيون في القرى الفلسطينية.
وأكد آخرون أن الحادثة تعكس تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، داعين إلى توفير حماية دولية للمدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الهجمات، مؤكدين أن استمرار الإفلات من العقاب يسهم في تكرارها.
تحذيرات أممية وإسرائيلية
ومن جانبها، حذرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيزي، من تصاعد هجمات المستوطنين في الضفة الغربية.
وقالت، في منشور عبر منصة "إكس"، إن "إسرائيليين مسلّحين يشنون هجمات دامية ضد فلسطينيين عزّل"، مشيرة إلى ورود تقارير عن إطلاق النار "بدم بارد" على 5 فلسطينيين في قريتي تل وفرعاتا بمحافظة قلقيلية.
وأضافت أن الهجمات العنيفة تتواصل في مختلف أنحاء الضفة الغربية، لا سيما في شمالها ومدينة نابلس، معتبرة أن "تجمعات من المستوطنين، الذين يمارسون الإرهاب، تتحرك بكامل قوتها وبدعم من الجنود الإسرائيليين، وتطالب حرفيا بالدماء".
وختمت ألبانيزي منشورها بالدعوة إلى "إيقاف هؤلاء المجرمين"، مطالبة الدول بالتحرك العاجل ونشر قوة دولية لحماية المدنيين الفلسطينيين.
وفي السياق، حمّل عضو الكنيست الإسرائيلي عوفر كاسيف الاحتلال مسؤولية تصاعد العنف، واصفا إياه بأنه "أقصى درجات الإرهاب" ومصدر الاعتداءات المستمرة.
وقال كاسيف إن الحكومات الإسرائيلية تجاهلت، على مدار سنوات، التحذيرات من تصاعد "إرهاب المستوطنين"، معتبرا أن التغاضي عنه والتواطؤ معه، إلى جانب دعم الجيش، أسهما في تفاقم الأوضاع وإراقة الدماء.
وأضاف أن مئات المستوطنين ينفذون حملات اعتداء وترويع جماعي بحق الفلسطينيين، متسائلا عما إذا كانت السلطات ستتحرك لوقفهم، قبل أن يختتم منشوره بالدعوة إلى "رفض التواطؤ ومقاومة الاحتلال".
تصاعد ميداني
وتزامنت هذه المواقف مع تصاعد اعتداءات المستوطنين في محيط نابلس، إذ شهدت بلدة تل، جنوب غرب المدينة، مواجهات بين مستوطنين مدججين بالسلاح وسكان البلدة، بعد هجمات نُفذت تحت حماية قوات الاحتلال الإسرائيلي، مما دفع الأهالي إلى التصدي لهم دفاعا عن منازلهم وأراضيهم.
وأسفرت المواجهات، وفق حصيلة أولية، عن استشهاد 4 فلسطينيين وإصابة 4 آخرين، 3 منهم في حالة خطرة، برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي، بينما رجّحت مصادر طبية ارتفاع عدد الضحايا مع استمرار الاعتداءات.
المصدر:
الجزيرة