مع اتساع رقعة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، يجد الأردن نفسه أمام تحديات أمنية وسياسية متزايدة، بعدما تحولت أراضيه ومجاله الجوي إلى جزء من مشهد التصعيد الإقليمي. وبين تحالفه الوثيق مع واشنطن، وعلاقاته المعقدة مع جيرانه، يواجه الأردن مهمة صعبة تتمثل في حماية أمنه الداخلي وتجنب الانجرار إلى صراع لا يسعى لأن يكون طرفًا فيه.
شهد الأردن خلال الأيام الماضية هجمات إيرانية وإطلاق صفارات الإنذار في عدد من مناطقه إثر اعتراض صواريخ دخلت مجاله الجوي. وتأتي هذه التطورات بعد هجمات استهدفت مواقع عسكرية أمريكية داخل المملكة، في ظل تصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران .
وتؤكد السلطات الأردنية أن إجراءاتها العسكرية تهدف إلى حماية سيادة المملكة وسلامة أراضيها، مشددة على أن اعتراض الصواريخ يأتي دفاعًا عن المجال الجوي الأردني، بغض النظر عن الجهة التي أطلقتها أو الهدف الذي كانت تتجه إليه.
يعد الأردن من أقرب الحلفاء العرب للولايات المتحدة، وهو واحد من ثماني دول عربية تستضيف منشآت عسكرية أمريكية دائمة. كما تمنح اتفاقية التعاون الدفاعي الموقعة عام 2021 القوات الأمريكية حق استخدام عدد من المنشآت العسكرية الأردنية ، فيما تشير تقارير إلى وجود نحو 4000 جندي أمريكي في المملكة.
ويضيف أن خيارات العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني تبقى محدودة، في ظل اعتماد المملكة عسكريًا واقتصاديًا على الولايات المتحدة، الأمر الذي يجعل الحفاظ على التوازن بين متطلبات الأمن الوطني والعلاقات مع واشنطن مهمة شديدة التعقيد.
وتقول كيلي بيتيلو، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، في تصريحها لـدويتشه فيله، إن السلطات الأردنية تحرص على التقليل من الحديث عن الوجود العسكري الأمريكي داخل المملكة، في ظل تنامي المشاعر المناهضة للولايات المتحدة.
وترى بيتيلو أن استمرار ارتباط الأردن بالولايات المتحدة، بالتزامن مع الحرب في غزة، قد يزيد من حالة الاحتقان الشعبي، بل إن بعض حلفاء واشنطن في المنطقة باتوا يتساءلون عما إذا كانت هذه الشراكة تعزز الاستقرار أم تجعلهم أكثر عرضة لتداعيات الصراعات الإقليمية.
ورغم معاهدة السلام الموقعة بين الأردن و إسرائيل منذ عام 1994، شهدت العلاقات بين البلدين توترات متكررة خلال السنوات الأخيرة، خاصة على خلفية الحرب في غزة والتطورات في الضفة الغربية.
وتكتسب القضية الفلسطينية أهمية خاصة داخل الأردن، إذ ينحدر أكثر من نصف سكان المملكة من أصول فلسطينية، بمن فيهم الملكة رانيا، كما تستضيف البلاد نحو 2.4 مليون لاجئ فلسطيني وفق بيانات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
يأتي التصعيد الإقليمي في وقت يواجه فيه الأردن تحديات اقتصادية متراكمة. فقد شهدت المملكة تراجعًا كبيرًا في تمويل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، إلى جانب تقليص الدعم الأمريكي المقدم لوكالة الأونروا، وهو ما يزيد الضغوط على بلد يستضيف ملايين اللاجئين الفلسطينيين.
وفي الوقت نفسه، يواصل الأردن مواجهة ارتفاع الدين العام ومعدلات البطالة، رغم استمرار الدعم الأمريكي. فبموجب مذكرة التفاهم الموقعة عام 2022، تعهدت واشنطن بتقديم 1.45 مليار دولار سنويًا كمساعدات اقتصادية وعسكرية على مدى سبع سنوات، قبل أن يرفع الكونغرس قيمة هذه المساعدات إلى 1.65 مليار دولار في عام 2025، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف ما كانت تقدمه الولايات المتحدة للأردن في عام 2010.
وترى كيلي بيتيلو أن تراجع بعض مصادر التمويل الدولية، بالتوازي مع الضغوط الاقتصادية الداخلية، يجعل الأردن أكثر حساسية تجاه أي تصعيد إقليمي قد يؤثر في التجارة أو الاستثمار أو تدفقات المساعدات الخارجية.
يحاول الأردن الحفاظ على سياسة تقوم على تجنب الانحياز المباشر لأي طرف، مع الاستمرار في الوفاء بالتزاماته الأمنية وحماية حدوده ومجاله الجوي.
لكن إروين فان فين يرى أن المملكة تجد نفسها "بين المطرقة والسندان"، إذ لا تملك مساحة كبيرة للمناورة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل. ويشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية أعلنت في اتفاقها الائتلافي نيتها المضي نحو ضم أجزاء من الضفة الغربية، وهو تطور يثير قلق الأردن لما يحمله من تداعيات مباشرة على أمنه واستقراره .
وفي ظل استمرار المواجهة الإقليمية، تبدو قدرة الأردن على الحفاظ على هذا التوازن مرهونة بمسار الصراع نفسه، وبمدى نجاح الجهود الدبلوماسية في الحيلولة دون اتساع رقعة المواجهة في الشرق الأوسط.
أعده للعربية: أ.ف (ع.ج.م)
المصدر:
DW