آخر الأخبار

تحليل: مذكرة التفاهم مع إيران.. اتفاق "متناقض" قد ينجح لهذه الأسباب

شارك

تحليل من بريت ماكغورك، محلل للشؤون الدولية لدى شبكة CNN ، وقد شغل مناصب عليا في مجال الأمن القومي في عهد الرؤساء جورج دبليو بوش، وباراك أوباما، ودونالد ترامب، وجو بايدن .

(CNN)-- تُعد مذكرة التفاهم المؤلفة من 14 بنداً واحدة من أكثر الاتفاقيات الدولية غرابة في الذاكرة الحديثة؛ إذ تفتقر صفحتاها إلى التفاصيل، فيما تمنح -بحسب ظاهرها- تنازلات أمريكية كبيرة ومسبقة لإيران مقابل فتح مضيق هرمز، وهو المضيق الذي كان مفتوحاً بالفعل قبل الحرب التي أشعلها الرئيس دونالد ترامب في فبراير/شباط، ويأمل الآن في إنهائها .

وقد تعرضت الوثيقة لانتقادات حادة من كثير من الجمهوريين، في حين تلقفها الديمقراطيون باعتبارها دليلاً يدعم موقفهم، مشيرين إلى المقارنة مع الاتفاق النووي الذي أُبرم في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، والذي جاء في 159 صفحة وفرض قيوداً على البرنامج النووي الإيراني .

وفي غضون ذلك، فسّرت إيران مذكرة التفاهم على أنها لا تلزمها حتى بالسماح بحرية الملاحة عبر مضيق هرمز، وهي القضية الوحيدة التي ساقتها إدارة ترامب سبباً رئيسياً لإبرام الاتفاق في المقام الأول. بل إن إيران أطلقت طائرات مسيّرة على سفن تجارية بدعوى انتهاكها لتفسير طهران للاتفاق. وفي المقابل، استهدفت الولايات المتحدة مواقع داخل إيران رداً على ذلك، وللدفاع عن تفسير واشنطن للاتفاق .

وفي المقابل، فإن كل ما تقوله الولايات المتحدة بشأن معنى الاتفاق تقريباً، بدءاً من الإفراج عن الأموال المجمدة لشراء فول الصويا الأمريكي، وصولاً إلى قصر تخفيف العقوبات على اتخاذ إيران خطوات فعلية، تقابله إيران بتفسير مغاير تماماً؛ إذ ترى أنه لا توجد قيود على أوجه إنفاق الأموال المفرج عنها، وأن تخفيف العقوبات شرط مسبق حتى لإجراء أي محادثات مستقبلاً .

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ إن الفقرة الأولى من الاتفاق تنص على وقف إطلاق النار في لبنان من دون أي تفاصيل. وقد اعتبرت إيران أن ذلك يقتضي انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، حيث تتمركز منذ عام 2024 بموجب اتفاق سابق لوقف إطلاق النار. لكن إسرائيل رفضت ذلك، ثم وقّعت الأسبوع الماضي مع لبنان اتفاقاً منفصلاً يقضي بانسحابها فقط بعد أن يتمكن الجيش اللبناني من بسط سيطرته على تلك المناطق وإبعاد حزب الله عنها .

وهنا تقول إيران إن الاتفاق الجديد ينتهك مذكرة التفاهم، بينما ترى الولايات المتحدة أنه لا يعدو كونه تجسيداً لما تنص عليه المذكرة بالفعل .

ولتبرير هذا التخبط، صرح نائب الرئيس جي دي فانس، كبير المفاوضين في الاتفاق، بأن "الكلمات لا تهم"، في حين تعتبر إيران مذكرة التفاهم بمثابة معاهدة ملزمة .

ومن السهل السخرية من هذا التناقض الذي يكاد يرقى إلى مستوى الإخفاق الدبلوماسي. فللمرة الأولى، يوقع رئيس أمريكي اتفاقاً مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بينما لا يبدو أن أحداً يتفق على ما تنص عليه المذكرة، أو حتى على الغاية التي يفترض أن تحققها .

وكان من المقرر أن يجتمع الوفدان الأمريكي والإيراني هذا الأسبوع في الدوحة لتوضيح توقعات كل طرف، وربما إطلاق المحادثات النووية التي لا تزال مجمدة، والتي تنص المذكرة على أن تفضي في النهاية إلى اتفاق شامل. لكن مفاوضي ترامب التقوا وسطاء قطريين، لا مسؤولين إيرانيين، ولا يزال هناك خلاف حول ما إذا كانت محادثات على مستوى أدنى تُعقد من الأساس .

وسواء عُقدت تلك المحادثات أم لا، فلا أتوقع أن تسفر عن نتائج تُذكر. فإذا كانت مذكرة التفاهم بدت غير متماسكة عند الإعلان عنها، فإن تطبيقها العملي جعلها تبدو أكثر ارتباكاً .

الاختبار الحقيقي.. الوقت

ومع ذلك، وعلى صعيد ربما يكون الأهم على الإطلاق، وهو عامل الوقت وإبقاء الخيارات مفتوحة، يبدو أن مذكرة التفاهم تحقق هدفها .

فقد قال وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر ذات مرة: "عندما يريد رجال الدولة كسب الوقت، فإنهم يعرضون إجراء محادثات ".

ويبدو أن هذا ينطبق على كل من الولايات المتحدة وإيران. فقد كان استمرار الجمود في مضيق هرمز يضر بالجميع؛ إذ فرض الجيش الأمريكي حصاراً على الموانئ الإيرانية، مما خنق الاقتصاد الإيراني، بينما احتجزت إيران الاقتصاد العالمي رهينة عبر تهديد الملاحة التجارية .

وأتاحت مذكرة التفاهم للطرفين التراجع خطوة إلى الوراء والتقاط الأنفاس. وقد كشف ترامب بنفسه عن هذه الحقيقة عندما قال إن البديل عن المذكرة كان يتمثل في ركود اقتصادي عالمي. كما أشار المسؤولون الإيرانيون المؤيدون للاتفاق إلى المكاسب الاقتصادية التي يمكن أن تحققها إيران بموجبه .

أما بشأن الطرف الذي سيستفيد أكثر من هذه المهلة الزمنية، فلا يزال من المبكر إصدار حكم. ولو سُئلت قبل أسبوعين، وعند أول قراءة للمذكرة، لقلت إنها تمثل انتصاراً واضحاً لإيران، لأن واشنطن بدت وكأنها تقدم الكثير مقابل القليل، باستثناء إعادة فتح مضيق هرمز .

لكن اللقطات العابرة، خصوصاً في الشرق الأوسط، نادراً ما تعكس الصورة الكاملة، وهذه القصة لا تزال تتكشف. بل إن هناك بعض العوامل التي تصب حالياً في مصلحة واشنطن :


* أولاً: لم تستأنف إيران تخصيب اليورانيوم. فقد تعطلت قدرتها على التخصيب ولم تُستأنف حتى الآن، كما تلزمها مذكرة التفاهم بالحفاظ على هذا الوضع، ما يجعل إنتاج سلاح نووي أمراً بالغ الصعوبة. وحتى الآن، يظل هذا التهديد الأكثر خطورة معطلاً .
* ثانياً: يمر الاقتصاد الإيراني بمرحلة صعبة. فقد أفاد صندوق النقد الدولي مؤخراً بأن الاقتصاد الإيراني سينكمش بأكثر من 6%، وهو "أكبر انكماش منذ ثمانينيات القرن الماضي"، ويرجع ذلك جزئياً إلى الحرب الأخيرة. كما يُتوقع أن يبلغ متوسط التضخم نحو 70%، بينما لن يؤدي تخفيف العقوبات المنصوص عليه في المذكرة، في أفضل الأحوال، إلا إلى تعافٍ بطيء .
* ثالثاً: بدأت الضغوط الاقتصادية على الولايات المتحدة تتراجع. فمنذ توقيع المذكرة، هبطت أسعار النفط العالمية بأكثر من 20%، مما خفف الضغوط الاقتصادية وخفض أسعار الوقود للمستهلكين الأمريكيين مع بدء موسم العطلات الصيفية. وأكد ترامب مجدداً أن ذلك كان أحد أهدافه الرئيسية، إذ كتب على وسائل التواصل الاجتماعي: "ستعود أسعار البنزين قريباً إلى مستوياتها القياسية المنخفضة التي كان الأمريكيون يتمتعون بها قبل رحلتنا الناجحة جداً إلى إيران ".
* رابعاً: يواجه "محور" إيران الإقليمي ضغوطاً متزايدة. فقد منح التفسير الإيراني المتفائل للمذكرة دفعة معنوية لحزب الله وغيره من حلفاء طهران في المنطقة، لكن الاتفاق الأخير بين لبنان وإسرائيل أضعف هذه الرواية. وحتى في العراق، حيث شاركت فصائل مسلحة في الحرب إلى جانب إيران ضد دول الخليج، بدأت الحكومة الجديدة حملة للحد من نفوذ تلك الفصائل والدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة .

خامساً: تراجع الاعتماد على مضيق هرمز. فقد نجحت إيران في قلب المعادلة عبر إغلاق المضيق، وما زالت تؤكد سيادتها على حركة الملاحة فيه مستقبلاً، وهو أمر يثير قلقاً بالغاً. إلا أن ذلك دفع دولاً أخرى إلى إنشاء خطوط أنابيب وموانئ جديدة تتجاوز المضيق، كما أن الهجمات الأخيرة على السفن التجارية لم تترك أثراً يُذكر على أسعار النفط العالمية .

إلى أين تتجه الأمور؟

لا يستطيع أحد الجزم بما سيحدث. وأرجح شخصياً أن يستمر الوضع الحالي لبعض الوقت، على الأقل حتى انتهاء الانتخابات المقررة هذا الخريف في كل من إسرائيل والولايات المتحدة .

لكن ما نعرفه حتى الآن هو أن القتال واسع النطاق قد تراجع، والضغوط الاقتصادية انخفضت، والقنوات الدبلوماسية لا تزال مفتوحة، وإن كانت مرتبكة وفي مراحلها الأولى .

ورغم كل ما سبق، فإنني أمنح مذكرة التفاهم قدراً من التقدير. ففي الشرق الأوسط، يمكن للأوضاع دائماً أن تصبح أسوأ بكثير .

سي ان ان المصدر: سي ان ان
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا