بعد دقائق من افتتاح أهدافه في كأس العالم، أمس الأحد، وجد لاعب المنتخب الإسباني لامين جمال نفسه أمام موجة هجوم واسعة على منصات التواصل، وذلك بعد أن سجد احتفالا بالهدف الذي سجله في مرمى المنتخب السعودي، مما أغضب الحسابات اليمينية الإسبانية والأوروبية، التي لم تره احتفالا عابرا، بل وصفته بأنه "أسلمة" للمنتخب الإسباني ودليل على "الإحلال السكاني"، وفق زعمهم.
ولم يرتكز الهجوم على انتقاد طريقة الاحتفال، بل اعتمد على التشكيك في انتماء جمال إلى المنتخب الإسباني، واستدعاء أصوله المغربية وهويته الدينية في خطاب عنصري واضح، يستهدف جمال بوصفه رمزا للمهاجرين والمسلمين.
وتتبعت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة عينة من المنشورات المتداولة على منصة "إكس"، وحللت الحسابات التي قادت الحملة، وكيف خرج الهجوم من المنصات الإسبانية إلى المنصات العالمية عبر شبكات وحسابات تربطها الأفكار نفسها.
ويُظهر تتبّع تداول اسم جمال على منصة "إكس" أن الهجوم عليه لم يبدأ مع سجدة الاحتفال فقط، بل كان حاضرا قبل المباراة بساعات، على خلفية نقاشات أثارها مقال نشرته صحيفة "التليغراف" البريطانية بعنوان "لامين جمال الحالي يختلف كثيرا عن الفتى الذي ظهر في اليورو".
وتناول المقال مواقف جمال الأخيرة، وأبرزها موقفه من العنصرية في مباراة ودية أمام مصر في 31 مارس/آذار الماضي، ورفعه علم فلسطين خلال احتفالات برشلونة ببطولة الدوري. ووصف الكاتب هذه التصرفات بأنها "مثيرة للجدل"، مضيفا أنها تعكس إحساس اللاعب بقيمته وتأثيره ورغبته في استخدام صوته بدلا من الصمت.
وأثار هذا الوصف انتقادات واسعة، إذ رأت حسابات كثيرة أن المقال يقدّم تضامن جمال مع فلسطين وكأنه عبء سياسي على اللاعب. وكتبت ناشطة أن جمال كان يُعامَل بوصفه "فتى ذا عيون لامعة" إلى أن رفع علم فلسطين، مضيفة أن صحفيين يحتفون تاريخيا برياضيين مثل محمد علي يعاقبون اليوم من يحاول استخدام صوته في قضية ذات معنى.
وانتشر المقال على نطاق أوسع بعد سجدة جمال، ووصلت التغريدة المرتبطة به إلى آلاف المشاركات وملايين المشاهدات، قبل أن تتحول لقطة الاحتفال إلى شرارة لحملة أشد اتساعا.
وانتقد كثيرون وصف المقال لدعم اللاعب لفلسطين بأنه مثير للجدل، وعلّقت مدونة "مرعب كيف تتحول وسائل الإعلام للهجوم عليك، في اللحظة التي تعبّر فيها عن التضامن مع فلسطين".
وانتشر المقال انتشارا واسعا بعد سجدة جمال، وأعيد نشره على منصة إكس ألفي مرة، وحظي بـ11 مليون مشاهدة، وعلّق كثيرون مؤكدين صحة استنتاجات المقال بشأن حرص جمال على استغلال قوته للدفاع عن أفكاره ومعتقداته، لتكون تلك السجدة شرارة إشعال حملة تحريضية قامت على أفكار عدة.
ويُظهر تحليل وحدة المصادر المفتوحة أن الهجوم الذي أعقب الاحتفال بدأ من حسابات إسبانية يمينية مع تعليقات مباشرة ترفض الإسلام والمسلمين، وتتغنى بدين إسبانيا المسيحي.
وشكلت ثنائية "المسيحية لا الإسلام" تفاصيل موجة التفاعل الأولى، التي حضرت فيها عشرات المؤسسات والناشطين اليمينيين المعروفين.
وكتب حساب منظمة "ريفولتا" ( الثورة أو الانتفاضة) -وهي منظمة شبابية يمينية متطرفة- تعليقا جاء فيه "من يسمح بالإسلام من أجل هدف واحد، في المستقبل لن يكون لديه لا منتخب ولا أمة"، في ربط واضح بين سجدة اللاعب ومستقبل الهوية الوطنية الإسبانية.
وعلّق حساب "كاناريو توداي" المختص بأخبار المهاجرين "إسبانيا مسيحية لا مسلمة"، في منشور حصد عشرات الآلاف من المشاهدات خلال ساعات، وعكس الاتجاه الأبرز في الحملة، وهو تحويل لقطة الاحتفال إلى صراع ديني وهوياتي.
وحضرت سريعا صفحات مسيحية عالمية، انتقدت سجدة جمال، وقالت إن إسبانيا التي يلعب باسمها مسيحية، وقالت إحدى الصفحات الشهيرة إنهم سيصلّون من أجل أن يترك جمال إسلامه.
ويوظف اليمين المتطرف بطولات كأس العالم لتعزيز سردية "الإحلال السكاني"، مستشهدا بالحضور البارز للاعبين من أصول مهاجرة في منتخبات أوروبية كبرى، مثل فرنسا.
وتروّج حسابات اليمين لفكرة أن الحضور المتزايد للمهاجرين في كرة القدم يعكس -من وجهة نظرها- تحولات أوسع داخل المجتمعات الأوروبية.
وسرعان ما امتدت هذه السردية إلى حملة الهجوم على جمال، التي قادتها حسابات يمينية مدعومة بتفاعل من حسابات دولية ضمن الموجة الثانية من الحملة.
ويُظهر التحليل أن حساب "لا ديريتشا دياريو" -وهي صحيفة تنشر باستمرار هذا النوع من المحتوى- كان من أبرز الحسابات التي دفعت بالسردية العنصرية إلى مستوى أعلى، إذ نشر تدوينة وصف فيها جمال بأنه "المسلم لامين جمال" و"ابن مغاربة"، وربط احتفاله بالسجود بما سماه "الإحلال السكاني".
كما استدعت حسابات أخرى التاريخ الإسباني، قائلة إن بلادها ضد الإسلام وطردته من أرضها، ولا يمكن أن تقبل بوجود مثل لامين الذي يظهر إسلامه مع انتصارات إسبانيا.
وتُظهر منشورات يمينية أن الهجوم على جمال تجاوز أداءه داخل الملعب، ليرتبط بأصوله المهاجرة، في إطار سردية يتبناها اليمين المتطرف، توظف نجاح اللاعبين من أصول أجنبية لإثارة نقاشات بشأن الهوية والانتماء في أوروبا.
كما يكشف التحليل تكرار الإشارة إلى المغرب وغينيا ، موطنَي والديه، في مؤشر على انتشار منشورات شككت في هويته الإسبانية.
وكتب أحد الناشطين "لقد رأيتموه يقبّل درع المغرب، يحمل حذاؤه علمي غينيا والمغرب. يحمل علم فلسطين عندما يحتفل، لكنه إسباني حقيقي، فقط لأن الناس يحبون كرة القدم أكثر من أي شيء آخر".
كما تكررت التغريدات التي طالبت باستبعاد اللاعب، مؤكدين أنهم لا يرغبون في الفوز إذا كان من يأتي به لاعبون مثل جمال.
وتكشف هذه المنشورات نمطا متكررا في الحملة، يقوم على التعامل مع أصول اللاعب المغربية بوصفها أداة لنفي انتمائه الإسباني، لا بكونها جزءا من سيرة لاعب يمثل منتخب بلاده رسميا.
وتدعم خريطة الحملة التي أعدتها وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة هذا المسار، إذ تُظهر أن موجة الهجوم على لامين جمال لم تكن مجرد منشورات متفرقة أو تعليقات عابرة، بل تشكلت داخل شبكة رقمية متقاربة ومترابطة، تداخلت فيها الحسابات اليمينية والقومية والدينية حول سردية مركزية واحدة: تقديم سجدة اللاعب بوصفها تهديدا لهوية إسبانيا الدينية والقومية.
وشمل التحليل نحو 6 آلاف منشور ضمن الحملة ضد لامين، وأظهرت شبكة تضم 2249 حسابا و2102 تفاعل، توزعت بين منشورات وإعادات نشر وردود تمحورت حول الرسائل ذاتها.
وبرزت حسابات رئيسية ضمن خريطة التفاعل، مثل mrcatolico_ وortizliberal وirene_freedom وdvaciamadrid التي لم تتحرك في اتجاهات منفصلة، بل بدت متداخلة في إنتاج سردية واحدة متعددة الصيغ ضد نجم المنتخب الإسباني ونادي برشلونة من منطلق ديانته أو أصول والديه.
كما تُظهر خريطة التفاعل أن لقطة السجود تحولت إلى نقطة تجميع لدوائر رقمية متقاربة، لا إلى نقاش مشتت، إذ التقت حسابات عدة حول هدف واحد: نزع صفة الانتماء الإسباني عن جمال، وتحويل احتفاله داخل الملعب إلى مادة دعائية ضد الإسلام والهجرة واللاعبين من أصول مهاجرة في أوروبا.
وبذلك، لم تكن سجدة لامين جمال مجرد لقطة احتفال داخل الملعب، بل تحولت في خطاب اليمين المتطرف إلى مدخل لإعادة إنتاج سرديات عنصرية تخدم الإسلاموفوبيا، وتستهدف اللاعب من خلال أصوله ودينه، وتستخدم نجاحه الرياضي لإثارة مخاوف مصطنعة بشأن الهوية والهجرة والانتماء في إسبانيا.
ويكشف التحليل أن الحسابات اليمينية وجدت في سجدة لامين فرصة مواتية لإشعال موجة من التعليقات المعادية للمسلمين والمهاجرين، والمطالبة بطردهم، مع تزايد مستمر لتأثير لاعب مثل جمال، وهو ما يزيد أصوات المهاجرين قوة في مواجهة تلك الحملات.
ويُعَد الموهوب الصاعد لامين جمال أصغر لاعب في التاريخ يشارك أساسيا مع برشلونة في الدوري الإسباني، واختار تمثيل إسبانيا رغم أحقيته في اللعب للمغرب أو غينيا الاستوائية، وشارك لأول مرة مع المنتخب الأول في سبتمبر/أيلول 2023 بعمر 16 عاما.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة