آخر الأخبار

"صوت هند رجب".. شبح الضحية إذ يطارد قاتليها

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

قبل تقديم جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي في الحفل الثامن والتسعين لجوائز الأكاديمية في 15 مارس/آذار الماضي، خرج الممثل الإسباني خافيير بارديم بطلّته المعتادة، وبهدوء ينضح بالثقة، ليلخّص اللحظة الراهنة في شعار مقتضب: "لا للحرب، والحرية لفلسطين". لم يصدح بارديم بشعاره فحسب، وإنما وضعه أيضا على شارة مثبّتة على سترته، وهي الشارة التي قال عنها بارديم خلال مروره على السجادة الحمراء قبل دخوله إلى الحفل: "هذه هي الشارة نفسها التي استخدمتها عام 2003، قبل 23 عاما، خلال الحرب غير الشرعية على العراق".

ورغم أن كثيرين من الحضور صفقوا بحماس لتصريحه، فإن شريكته في التقديم، الممثلة الهندية بريانكا شوبرا جونز، اكتفت بابتسامة جامدة دون أن تعلّق. ثم جرى إعلان قائمة المرشحين التي كان آخرها فيلم "صوت هند رجب" للمخرجة التونسية كوثر بن هنية. ولولا تصريح بارديم الافتتاحي، ولولا نشاطه كناقد مثابر للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة، لربما بدا ذلك الفيلم مجرد عمل فني عابر ضمن قائمة الأفلام المرشحة، خاصة وأنه لم تُعرض أي مقاطع من الأفلام المرشحة في الحفل لتعطي للجمهور والحضور في حفل الأوسكار لمحة عن سياق إنتاج تلك الأعمال الفنية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 في يوم واحد.. أمريكا وروسيا تفقدان قاذفتين وأقمار صناعية تكشف موقعي السقوط
* list 2 of 2 جنرالات بياقات بيضاء.. قناع أمازون ومايكروسوفت الذي سقط في طهران end of list

وعلى الرغم من أن الفيلم لم يفز، فإن اسم هند رجب تردّد في أرجاء القاعة، وعلى شاشات التلفزيون والحواسيب حول العالم؛ كما حدث سابقا خلال حفل الغولدن غلوب عندما كان الفيلم مرشحا أيضا لنيل الجائزة.

مصدر الصورة المنتجان التنفيذيان للفيلم (يسار) والمخرجة التونسية كوثر بن هنية والممثل معتز مليس، والممثلة كلارا خوري يحملون صورة الطفلة هند رجب (غيتي)

محو الذاكرة

قبل عامين من صدور الفيلم، كان طلاب من جامعة كولومبيا قد احتلوا مبنى "هاملتون هول" متوشحين الكوفية، رمز الكفاح الفلسطيني، وأعادوا تسمية المبنى التاريخي في الجامعة إلى "هند هول" تكريماً للطفلة التي قضت برصاص جنود الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة. بعد أيام، أصدر نجم الهيب هوب ماكليمور أغنية "هند هول"، وهي عمل شهير أطلقه ماكليمور تأييدا للقضية الفلسطينية والاحتجاجات الطلابية المدافعة عنها، وحصدت حتى اليوم 125 مليون مشاهدة. وقد استعار ماكليمور نغمتها الموسيقية من أغنية "أنا لحبيبي" لفيروز.

إعلان

لكن هؤلاء الطلاب سرعان ما أُخرجوا قسرا، في أقل من 24 ساعة، وألقي القبض على عدد منهم، وذلك على يد شرطة نيويورك التي تحرّك جنودها وكأنهم آلات عسكرية فوق مركبة تبدو وكأنها تنتمي إلى عالم "ماد ماكس" الخيالي، فهي مركبة يعبر اسمها، "مارس" (Mars)، عن ذلك الخيال العسكري المولع بالأساطير وعوالم الأبطال الخارقين.

"أدرك الطلاب أن الفن قادر على إطالة عمر احتجاجهم بعد طردهم القسري من الحرم الجامعي"

وبينما كان المشاهير وصنّاع الأفلام يجلسون في قاعة لوس أنجلوس، كان قاضٍ في نيويورك قد ألغى للتو قرارات فصل وتعليق 22 طالبا ممن احتلوا "هند هول"، مؤكدا أن جامعة كولومبيا لا تملك أي دليل مقبول يثبت أنهم كانوا داخل المبنى أصلا.

وأثناء انتظارهم للمحاكمة، أدرك الطلاب الذين كان كثير منهم يدرسون برامج السينما والفنون الجميلة في كولومبيا، أن الفن قادر على إطالة عمر احتجاجهم بعد طردهم القسري من الحرم الجامعي. وبالشراكة مع المتحف الفلسطيني في بيرزيت، امتلك المنظمون الجرأة على إقامة معرض في مقرّ أخوية طلابية يقع في الشارع المقابل للمكان الذي قبض عليهم منه واقتيدوا إلى السجن.

كان كل ركن في المبنى مشغولا: في المدخل، رسالة صوتية مسجلة من والدة هند، وسام حمادة، تعبّر عن مباركتها للفنانين والمتظاهرين. وفي غرفة الألعاب، وُضعت الأدوات التي استخدمها الطلاب لاقتحام "هاملتون هول" وتضمنت نظارات واقية، وقفازات، ومسدس تدبيس، فوق طاولة البلياردو. وتدلّت أجزاء من لحاف احتجاج متحف المتروبوليتان من الجدران والأسقف، إلى جانب مذابح رمزية لهند، ولوحات لنساء يحملن أطفالاً موتى، وملصقات تسرد السلع الممنوع إدخالها إلى غزة.

كما عُلّقت أثواب فلسطينية، وسترات مرشوشة بالطلاء، وأعلام من الثريات. وعلى امتداد السلالم وممرات الطابق السفلي، علّق المنظمون صور "الجريمة" التي استخدمها الادعاء كأدلة ضدهم، منتزعين بذلك السيادة على حركتهم لأنهم هم من يشرحون دلالتها ومعناها لا خصومهم.

"جُرِّمَ الفنانون وفنهم، وكان عليهم أن ينسحبوا إلى الظل، تاركين فراغا مؤلما في حفظ ذكرى هند رجب"

تعرّف الطلاب والداعمون على المعرض المؤقت الذي استمر يومين عبر تطبيقات المراسلة ووسائل التواصل الاجتماعي. وقد شهد إقبالا جيدا، لكنه كان معرضا حربيا خاطفا يتحرك بسرعة. وبعد معرض آخر استمر يومين في منزل في بروكلين، اختفى المعرض. لقد جرى تجريم الفنانين وفنهم، وكان عليهم أن ينسحبوا إلى الظل. وبعد انسحابهم من كولومبيا وتراجع التغطية الإعلامية، نشأ فراغ مؤلم في حفظ ذكرى هند رجب.

ومع قمع احتجاجات الحرم الجامعي، ورغم جهود صحفيين مثل بريم ثاكر الذي واصل الضغط على إدارة بايدن بشأن مقتل هند رجب، برز خطر حقيقي يتمثل في أن تُمتص وفاتها ضمن حصيلة 20 ألف طفل قُتلوا في غزة، وهو رقم هائل إلى درجة يختفي عندها الفرد. وأصرّ المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، ماثيو ميلر، على أن التحقيق مسؤولية الإسرائيليين، وأن الولايات المتحدة لا دور لها في مقتلها. تلعثم ميلر، لكنه تمكّن من نطق الكلمات: "وجّهوا أسئلتكم إليهم لمعرفة أين وصل التحقيق. وإذا كانت المساءلة مناسبة، فنحن نريد أن نرى هذه المساءلة تتحقق".

إعلان

شبح يلاحق قاتله

عندما عُرض فيلم صوت هند رجب لأول مرة في سبتمبر/أيلول 2025، تجدد حضور ذكراها، فالفيلم الذي حظي بترشيحات عديدة لكثير من المهرجانات وإشادة حارة في عروضه حول العالم، لم يكن ليتوارى في ظلال عرضٍ محدود في دور السينما الفنية. اختارت المخرجة بن هنية أن تؤدي هند رجب دور نفسها. عاد شبحها ليظهر لمن عرفوها، لمن رأوا صورها بقبعة التخرج، لمن سمعوا مقاطع من صوتها، غالبا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي تتوسل أن يأتي أحد لإنقاذها: صوتٌ منفصل لطفلة في السادسة، ورغم رعبها، ما تزال تؤمن بأن الكبار سيحمونها وينقذونها.

أما لمن لم يعرفوا قصتها، فيأتي الفيلم على هيئة توترٍ درامي. تجد نفسك ترجُو فريق الهلال الأحمر أن يرسل المسعفين بأسرع ما يمكن، وتشعر بالإحباط من قائد الفريق لتردده في اتخاذ القرار دون تنسيق مع الجيش الإسرائيلي. يقرر أخيرا، فيتنفس الجمهور الصعداء. لكن القوات الإسرائيلية كانت قد أطلقت 335 طلقة على السيارة.

"كانت هند على قيد الحياة وظلت على الهاتف لساعات، ولم يأتِ أحد، بينما كانت دبابة إسرائيلية تقف على بعد أمتار من سيارتها"

رغم ذلك، كانت هند على قيد الحياة وظلت على الهاتف لساعات، ولم يأتِ أحد، بينما كانت دبابة، سيُحدد المحققون لاحقا موقعها على بعد يتراوح بين 13 و23 مترا من السيارة التي كانت بداخلها هند، ثابتة في مكانها. ثم قتلت القوات الإسرائيلية المسعفين الاثنين اللذين كانا يقودان سيارة الهلال الأحمر الواضحة العلامات، بأضوائها الوامضة، في طريقهما لإنقاذ هند. ينتهي الفيلم بمشاهد حقيقية لانتشال جثث المسعفين المتحللة بعد 12 يوما، وبمقاطع تظهر فجيعة الأم المكلومة.

ربما بقي بعض المشاهدين الذين لم يكونوا على دراية بالقصة في مقاعدهم لثوانٍ إضافية قبل أن يستقلوا المترو أو سياراتهم ويعودوا إلى منازلهم. هل توقفوا فقط ليتحققوا عبر هواتفهم مما إذا كان "صوت هند رجب" قصة "حقيقية"؟ في العرض الذي حضرته في منتدى الأفلام " Film Forum" في نيويورك، كانت الوجوه مكفهرة وبعضها شارد. لم يرغب أحد في تبادل النظرات مع الآخرين.

بالنسبة لمئات الملايين حول العالم، فإن قضية مقتل هند رجب، إلى جانب أفراد عائلتها ومسعفي جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني الذين حاولوا إنقاذها، والتحقيق فيها، كانت أمورا معروفة جيدا عبر الصحف ونشرات الأخبار. لكن، في أغلب الأحيان، عندما كنت أسأل الناس، بل أتوسل إليهم، أن يشاهدوا صوت هند رجب، كانت الإجابة الأكثر شيوعا، حتى بين من يعرفون مصيرها، هي: "لا أستطيع".

"في العالم العربي لم تكن هناك حاجة لعودة الناس إلى هذه الدائرة من الألم داخل قاعة سينما، لتذكِّرهم بعجزهم مرة أخرى"

"لا أستطيع". لا أستطيع أن أعرّض نفسي لهذا القدر من الألم، أن أستمع إلى هند رجب وهي تؤدي دورها في البطولة، تتوسل لساعات طلبا للأمان، وأحياناً لمجرد الرفقة. لا أستطيع أن أسمع نقاش فريق الهلال الأحمر حول إرسال آخر اثنين من أفراده لإنقاذها، وهم يعلمون أنهم سيصبحون أهدافا، وهو ما حدث بالفعل. لا أستطيع تحمّل هذا الألم.

أما في العالم العربي، فقد كان بإمكانهم فهم كلماتها مباشرة دون وسيط الترجمة. كان ألمها أقرب إليهم، لأنها لم تكن غريبة عنهم، بل واحدة منهم. وربما كان التدفق المستمر لصور الأطفال الذين قُصفوا قد ولّد مشاعر اليأس والغضب، لكنهم كانوا يدركون أن ذلك لم يفضِ إلى فعلٍ سياسي. لقد عادوا إلى حياتهم الطبيعية وهم يشعرون بالعجز. ولم تكن هناك حاجة للعودة إلى هذه الدائرة داخل قاعة سينما، لتذكِّرهم بعجزهم مرة أخرى.

عنف العجز

غير أن الاستجابة المُخدَّرة واليائسة تظل استجابة غير كافية في مواجهة مثل هذا الرعب. فحين كتب الناقد البريطاني جون بيرغر عن نشر صور حرب فيتنام، شدّد على أن شعور المشاهد باليأس، بل وحتى بالغضب، يعقبه استئناف حياته كالمعتاد، وهو ردّ فعل غير كاف. إن مشاعر العجز الناتجة عن افتقارنا للفعالية داخل النظام السياسي الذي أنتج هذه المآسي من الحروب، تخفي الحاجة الحقيقية إلى المواجهة.

إعلان

قد تُوقفنا الصور للحظة، لكننا سرعان ما نعود إلى حياتنا. وهذا، بحسب بيرغر، يؤدي إلى نزع الطابع السياسي عن اللحظة. لقد أصرّ بيرغر على أن الخطوة التالية بعد اليأس يجب أن تكون مواجهة افتقارنا إلى الحرية السياسية بما أفضى إلى نظام يشنّ الحروب باسمنا. ومن دون هذه الاستجابة السياسية، فإن رعبنا وغضبنا وعودتنا إلى الحياة الطبيعية تحمل في ذاتها عنفا من نوع خاص.

"يرى بيرغر أن الخطوة التالية بعد اليأس يجب أن تكون مواجهة غياب الحرية السياسية بما أفضى إلى نظام يشنّ الحروب باسم مواطنيه دون موافقتهم"

ورغم مخاوف بيرغر من دورة الرعب والغضب والعودة العاجزة إلى الاعتياد، فقد واصل المصورون الصحفيون توثيق كيف تفتك الحروب بالأطفال. فإذا كان جسد شابٍ مُدمى (ربما كان من مقاتلي حماس، ربما من الفيتكونغ، وربما كان عضوا في الحرس الثوري الإيراني، وبالتالي "مذنبا" بطريقة ما في نظر من يشنون الحروب)، فإن الطفل القتيل يظل، بلا لبس، بريئا. ولذلك، نتعرض على شاشاتنا باستمرار لصور الطفل الصارخ، أو ما هو أسوأ، أي الطفل المذهول، أو الأم التي تصرخ وهي تحتضن طفلها الميت.

ومع امتداد الحرب الحديثة من ساحات القتال إلى الأسواق والمطابخ والمستشفيات والمدارس الابتدائية، وثّق المصورون الدماء التي تسيل من جباه أطفال في الخامسة من العمر. بعض هذه الصور لأطفال ضحايا الحروب تنغرس في مشهدنا الإعلامي، متجاوزة حدود الزمن المصطنعة، لأن هذه الحروب لا تنتهي فعليا.

ترويض الذاكرة

وإزاء عدم الاكتفاء بهذه الصور وعنف العودة العاجزة إلى الحياة اليومية، يتدخل الفنانون لتذكيرنا عبر إعادة تخيّل موضوعاتهم، فينحتونها في ذاكرتنا الجمعية بعد زمن طويل من وقوع الأحداث نفسها. تسمح التأويلات الفنية المتجددة لهذه الصور بتجذير الفظائع في أعمق نقطة في ذاكرتنا المشتركة.

إننا جميعا نتذكر صورة فان ثي كيم فوك التي عُرفت لاحقا بـ"فتاة النابالم"، وهي تصرخ وتركض عارية على الطريق بعد أن أصيبت بحروق بالغة جراء القصف الجوي الأمريكي في فيتنام. نُشرت الصورة على الصفحة الأولى من صحيفة "نيويورك تايمز " عام 1972، وفاز المصور نيك أوت بجائزة بوليتزر عنها.

لكن بمرور الوقت، لم يعد أثر هذه الصورة هو الفزع لرعب طفلة عارية في التاسعة تصرخ من الألم والخوف بسبب النابالم، وإنما أصبحت صورة مفزعة لعريها، حتى إن فيسبوك حظر نشرها عام 2016. لم نعد مشغولين بالجريمة وإنما بالجدل حول ما إذا كان نيك أوت هو ملتقط الصورة فعلا أم أنه سرقها.

"يتدخل الفنانون لتذكيرنا، عبر إعادة تخيّل موضوعاتهم، فينحتونها في ذاكرتنا الجمعية بعد زمن طويل من وقوع الأحداث نفسها"

الأمر نفسه بالنسبة لصورة جسد الطفل إيلان الكردي، ذي الثلاثة أعوام، الممدد على وجهه على الشاطئ بعد أن لفظه البحر عقب محاولة عائلته الهرب من الحرب الأهلية السورية. وكذلك صورة عمران دقنيش، ذي الخمسة أعوام، المغطى بالدم والغبار بعد إنقاذه من تحت الأنقاض في حلب عام 2016، جالسا في مؤخرة سيارة إسعاف، وعيناه الجامدتان تحدّقان فينا.

وقد انتشرت صورة دقنيش في وسائل الإعلام المملوكة للشركات، من سي إن إن إلى إنستغرام، وأشار إليها الرئيس أوباما آنذاك كدعوة لدعم "اللاجئين"، دون إشارة إلى الحرب نفسها، وكأن قضية اللاجئين لا علاقة لها بالحرب.

وكتب طفل آخر في السادسة يُدعى أليكس رسالة إلى أوباما، يطلب منه أن يذهب لإحضار عمران ومساعدته. زار أليكس البيت الأبيض ونال الثناء من أوباما؛ أما عمران فلم يحدث معه ذلك. لقد انتقلنا من الحزن على عمران إلى تهنئة أنفسنا لامتلاكنا أطفالا أمريكيين متعاطفين مثل أليكس. لا مجال في تلك الحالة طبعا لطرح رفضنا للنظام السياسي الذي أنتج هذه الصورة، ونحن منشغلون بالبحث عن تعافينا الخاص من الألم.

مصدر الصورة تجمُع على شاطئ غزة لتذكر مأساة إيلان الكردي، سبتمبر/أيلول 2015 (الأناضول)

سياسة الذاكرة

خلال حرب فيتنام، احتفى الفنانون بصورة "فتاة النابالم". في عام 1974، دمج الرسام الأمريكي بن ساكوجوتشي صورة الفتاة في سلسلته "ملصقات صناديق البرتقال"، حيث وضعها في مواجهة الألوان الزاهية والمثالية والتأطير البصري لملصقات الحمضيات في كاليفورنيا، ليعيد غرسها في لاوعينا الجمعي -نحن الأمريكيين- في كاليفورنيا.

أما فنان الشارع الشهير والناشط السياسي بانكسي، فقد استخدم الصورة نفسها لكيم فوك وقدّمها عام 2004 وهي تمسك بيدي ميكي ماوس ورونالد ماكدونالد. ما يسعى إليه بانكسي هنا يتجاوز كثيرا مجرد الإحالة الثقافية: فميكي ماوس ورونالد ماكدونالد ليسا مجرد رمزين للثقافة الأمريكية، بل هما وجه نظام عالمي. فالإمبراطور الياباني هيروهيتو، الذي عفا عنه الاحتلال الأمريكي، زار ديزني لاند بعد سنوات قليلة من غزو جيشه الإمبراطوري لآسيا في زيارة كانت بمثابة تأكيد إعلان الاستسلام والاندماج. كما جادل توماس فريدمان كما هو معروف بأن دولتين لديهما مطاعم ماكدونالدز لم يخوضا حربا معا قط. كان بانكسي يدرك تماما دلالة تلك الأيدي المتشابكة.

مصدر الصورة صورة لجدارية الفنان البريطاني بانكسي تظهر "فتاة النابالم" تمسك بيدي ميكي ماوس ورونالد ماكدونالد – تم التضبيب لأغراض تحريرية (الفرنسية)

مثال آخر هو إعادة الفنان الصيني آي ويوي تمثيل مشهد موت إيلان الكردي على الشاطئ. هذا الطفل الصغير، الذي جرى التعرف عليه لاحقا بفضل الصورة، يظهر هنا في جسد فنان يحمل مكانة شخصية تجعله قابلاً للتعرّف فورا. حين ننظر إلى آي ويوي ممددا على وجهه على الشاطئ الذي عُثر فيه على الكردي، فإننا لا نراه فعليا: بل نتذكر فورا الطفل الصغير. لا نحتاج إلى رؤية جسد الكردي لكي نتخيله هناك، ونستعيده إلى المكان الذي تعرّفنا عليه فيه أول مرة. ومن خلال توظيف شهرته وهويته كفنان معارض، يضمن آي ويوي ألا تغادر صورة إيلان ذاكرتنا. فبإبداع الفن، تتجذر تلك الصور في ذاكرتنا الجمعية، لتصبح بمثابة تذكير وإشارات للأجيال القادمة.

إعلان

هذا هو ما يمكن للفنانين أن يفعلوه، خصوصا في أزمنة التشبع بالمحتوى المروّع، وهو ما فعلته كوثر بن هنية بالصوت لا بالصورة، وهو إنجاز يعني أن مقتل هند رجب سينضم إلى كيم فوك وإيلان الكردي بوصفه مجازا مكثفا للحرب. وعلى خلاف الصورة، يمكن كتم الصوت. يمكننا أن نختار ألا نستمع. لكن كون الفيلم يُجبرنا على الجلوس مع صوت هند -لساعات، في الظلام- هو بالضبط مصدر قوته ومطلبه.

"كون الفيلم يُجبرنا على الجلوس مع صوت هند، لساعات في الظلام، هو بالضبط مصدر قوته"

ومن خلال إدماج صوت هند، يتحول فيلم بن هنية إلى عمل من الواقعية الوثائقية، وهو اتجاه فني دعا إليه نقاد من أجيال سابقة باعتباره النهج الوحيد المناسب في أزمنة الأزمات. قبل عام واحد من غزو هتلر لبولندا، شدّد الفيلسوف جورج لوكاتش على أن الواقعية هي الشكل الفني الأهم لتحفيز الجمهور على الفعل. فالتعبيرية والتجريد كانا، في نظره، ضربا من الترف الذاتي حين يكون أصدقاؤك في معسكرات الاعتقال. وحدها الواقعية، كما رأى لوكاتش، قادرة على "اختراق السطح"، بما يسمح بالفهم، ومن ثمّ التعبئة التي دعا إليها بيرغر. ومع تسارع الرأسمالية، حذّر لوكاتش، نصبح أكثر عرضة لعدم رؤية القوى الاجتماعية الكامنة، لكن الواقعية تظل قادرة على كشف ما هو مخفي.

مصدر الصورة الفنان الصيني آي ويوي يقف على شاطئ يصل إليه اللاجئون والمهاجرون يوميا في جزيرة ليسبوس اليونانية (رويترز)

من الفن إلى الفعل

إن صوت هند رجب يخترق ذلك السطح من الغموض والتشظي والجهل الذي يعتم وعينا؛ السطح الذي يقودنا إلى القعود بدلا من الفعل. خلال الفيلم، لا نغادر غرفة التحكم التابعة للهلال الأحمر؛ نبقى محاصرين داخل عجز المستجيبين أنفسهم عن إنقاذ هند. في لقطات قريبة جدا، نرى حبيبات العرق على جباههم. نعيش مع إزعاج صوت الهاتف، لكننا نشعر في الوقت ذاته، بصمت، بشيء من الارتياح المؤقت لغياب الألم الحاد لصوت الطفلة في آذاننا. وهكذا تكسر بن هنية سلبية المشهد السينمائي ذاته.

وحين يعود صوت هند إلى الغرفة، يعود معه عذابنا وشعورنا بالعجز وعدم الكفاية. يجادل الفيلسوف الفرنسي جاك رانسيير بأن هذا "اللاتحمّل" هو ما يدفعنا إلى الفعل. ففي حديثه عن علاقة الجمهور بـ"الصور التي لا تُحتمل"، أشار رانسيير إلى سلسلة الكولاج بعنوان "إحضار الحرب إلى الوطن" لمارثا روزلر، التي صورت فظائع حرب فيتنام وكأنها تحدث داخل بيوت تقليدية في الضواحي الأمريكية، مثل صورة كيم فوك المحترقة وهي تمسك بيدي ميكي ماوس.

تعرض روزلر صورة رجل فيتنامي يحمل طفلا ميتا، لكنها تضعها داخل غرفة معيشة للطبقة الوسطى الأمريكية، بجدران بيضاء وسجاد كثيف ونباتات داخلية. غير أن الطابع الساخر في عملها يخلق مسافة بيننا وبين عنف طفل ميت في ذراعي رجل مكلوم. اليوم، لن يكون لمثل هذه الصورة أثر أكبر على تسييسنا من "ميم" يُظهرنا ونحن ننظر إلى هواتفنا بينما يحترق العالم. إن الإشارة الساخرة إلى امتيازاتنا لم تعد تدفعنا إلى مواجهة ما لا يُحتمل.

"لا تقدم المخرجة أي سخرية، ولا أي تجميل لغرفة الهلال الأحمر أو لمن فيها. لا وجود لأبطال، بل لأناس يواجهون المستحيل ويخفقون"

أما "صوت هند رجب"، فلا يتيح لنا التراجع إلى عجزنا أمام نظام لا نتحكم فيه. لا تقدم المخرجة أي سخرية، ولا أي تجميل لغرفة الهلال الأحمر أو لمن فيها. لا وجود لأبطال، بل لأناس يواجهون المستحيل ويخفقون. لا تمنحنا بن هنية أي راحة من حقيقة ما جرى في ذلك اليوم. ومع ذلك، سيقول بعض النقاد إن الجمهور قد يبتعد ويحمي نفسه إذا واجه شيئا "واقعيا أكثر مما ينبغي".

ربما نصبح بالفعل متبلدي الإحساس تجاه صور الفظائع فلا نعود نراها. لكن داخل قاعة السينما، (حتى وإن كان بإمكاننا إيقاف الشاشات)، فإن اختفاء وعودة هند على امتداد الفيلم يعمل كطيف للذاكرة. نحن لا نراها مضرجة بالدماء داخل السيارة، ولا جثث أفراد عائلتها الذين تجلس بجوارهم. تستخدم بن هنية صوت هند فقط ليطاردنا؛ لا يمكننا الإفلات منه. ولا يمكن أيضا لأولئك الذين كان على عاتقهم المسؤولية السياسية لإنقاذها من تلك الحرب الدموية أن يفلتوا من هذا الطيف.

عشرون ألف هند

ما قد يسمح للجمهور بالانسحاب إلى حالة من التجاهل أو ادعاء عدم المعرفة هو وهم التفرد: إنها مجرد طفلة واحدة. قد نقنع أنفسنا -في الولايات المتحدة والغرب- بأن الجيش الإسرائيلي ارتكب "خطأ"، لأنه كان في حالة صدمة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ويعيش خوفاً دائماً من "الإرهابي" المختبئ خلف الأنقاض. لكننا نواجه خطرا: أن تتحول هند إلى استثناء يسمح لنا بتجاهل العشرين ألف طفل الآخرين الذين قُتلوا في غزة.

عشرون ألف "هند"، وأكثر من ذلك بكثير ممن شُوّهوا. فقد لاحظ أطباء متطوعون مثل مارك بيرلماتر ومحمد رسول أبو نوار وصول أطفال إلى مستشفياتهم بطلقات واحدة في صدورهم أو جباههم، ما يشير بوضوح إلى استهداف متعمّد. وقد عرض الدكتور بيرلماتر نتائجه هذه، مشيرا إلى أن رصاصة واحدة في جبين طفل صغير قد تدل على سياسة تستهدف الإبادة عبر الأجيال. إن التركيز على هند قد يشتت الانتباه عن نهجٍ ممنهج للتطهير العرقي.

من الممكن إذن أن يفتح مقتل هند، إلى جانب إصرار الطلاب الفنانين وصنّاع الأفلام والنشطاء الذين يرفضون أن ننساها، بابا لتحقيق قدر من العدالة لأولئك العشرين ألف طفل. ففي 12 مارس/آذار 2026، قبل أيام قليلة فقط من حفل الأوسكار، قدّمت عضوة مجلس النواب الأمريكي سارة جاكوبس، والسيناتور بيتر ويلش، إلى جانب السيناتور كريس فان هولن، والنائبين خواكين كاسترو وبراميلا جايابال، مشروع قانون "العدالة لهند رجب"، وهو تشريع يُلزم الحكومة الأمريكية بالتحقيق ومحاسبة المسؤولين عن مقتل هند رجب وعائلتها والمسعفين الذين أُرسلوا لإنقاذها.

بل إن مشروع القانون ذهب إلى حد الإشارة إلى تواطؤ الولايات المتحدة في مقتلها. قد يكون تمرير هذا القانون محل شك، لكن شيئا ما قد تحرّك خارج دائرة التمرير اللانهائي للأخبار الكئيبة. ربما كان مقتل هند واحدا من بين كثيرين، لكن اسمها تم تداوله في أروقة الكونغرس، إلى جانب حضوره في حفل الأوسكار، وفي الحرم الجامعي، وفي جهود المقاومة الشجاعة التي يبذلها "تجمّع فنون هند".

وبالإضافة إلى هؤلاء العشرين ألف طفل، هناك صوت آخر مهدد بالضياع حتى داخل هذه القصة نفسها. فقد نجت ابنة عم هند، ليان حمادة، البالغة من العمر خمسة عشر عاما، من الهجوم الأولي قبل أن تتعرض لاحقا لإطلاق النار. كانت هي من اتصلت بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، قائلة: "إنهم يطلقون النار علينا. الدبابة بجانبي". أربع وستون رصاصة أسكتت ليان، لكن ليس قبل أن تُبلغ، ليس قبل أن تتأكد من أن أحدا قد عرف. ما حققته كوثر بن هنية بالصوت، كما حققه ساكوجوتشي وبانكسي وآي ويوي بالصورة، هو ضمان ألا تختفي هند ولا ليان. لقد أجرت ابنة عمها الاتصال، ويحرص الفيلم على أن نتذكر اسمها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا