آخر الأخبار

بريطانيا تتهم والصين تندد.. معركة الاستخبارات والسرديات بين بكين ولندن

شارك

لم تكد زيارة وزيرة الخارجية البريطانية لبكين تختتم على وقع رسائل الانفتاح الحذر وإعادة بناء الثقة، حتى جاء التحذير الاستخباراتي المشترك ليقلب المشهد رأسا على عقب، قاطعا هذا المسار ومعيدا العلاقات إلى مربع الشكوك المتبادلة.

وبالفعل برزت فجوة عميقة بين دبلوماسية تسعى ظاهريا إلى التهدئة، وأجهزة أمنية تدق ناقوس الخطر، كاشفة أن التقارب السياسي لا يلغي بالضرورة صراع المصالح ولا يحد من تصاعد الهواجس الإستراتيجية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 بريطانيا على حافة الاستقطاب.. مقتل نوفاك يؤجج خطاب اليمين المتطرف
* list 2 of 2 العودة إلى الرسوم.. ترمب يخطط لموجة تعريفات جمركية جديدة end of list

تحذير أمني غير مسبوق

وحسب ما أوردته صحيفة تلغراف البريطانية، أصدر تحالف "العيون الخمس " الذي يضم بريطانيا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا- تحذيرا علنيا مشتركا وصف داخل الأوساط الاستخباراتية بأنه "غير مسبوق "، سواء من حيث توقيته أو طبيعته العلنية.

مصدر الصورة الموقع المُزمع أن يكون مقرًا للسفارة الصينية الجديدة بالقرب من جسر البرج في لندن (غيتي إيميجز)

ويفيد التحذير أن أجهزة الاستخبارات العسكرية الصينية تستهدف بشكل مباشر أفرادا يمتلكون تصاريح أمنية أو معرفة متخصصة في مجالات الدفاع والسياسة والاقتصاد، عبر عروض مالية تتراوح بين مئات وآلاف الدولارات مقابل تقارير أو معلومات.

وأشارت الصحيفة إلى أن هذا النشاط ليس مجرد حالات فردية، بل هو جزء من جهد منظم يهدف إلى "الحصول على معلومات مميزة تمنح الصين تفوقا إستراتيجيا وتكتيكيا "، ونقلت عن وزير الدولة لشؤون الأمن البريطاني دان جارفيس تأكيده أن نشر هذه التحذيرات لن يردع الصين بشكل مباشر، ولكنه يهدف إلى تقليل فعالية النشاطات وتأثيرها.

كما حذر البيان من أن بعض المعلومات المستهدفة قد تبدو غير حساسة في ظاهرها، لكنها تستخدم عند ربطها بمعلومات أخرى متعلقة بها، في تهديد حياة الجنود على خطوط المواجهة الأولى، أو في إضعاف الأداء الاقتصادي والتأثير على العمليات الديمقراطية.

إعلان

وفي السياق ذاته، لفت التقرير إلى أن هذا التحذير هو الأول الذي يصدر بشكل مشترك عن جميع أجهزة الأمن الداخلي في دول التحالف، مما يعكس -وفق توصيف مسؤولين- حجم القلق من مستوى الموارد والجهود التي توظفها بكين في هذا المجال.

مصدر الصورة بالون تجسس صيني حسب الاستخبارات الأمريكية (أسوشيتد برس)

تجنيد ناعم في منصات مهنية

من جهتها، نشرت صحيفة آي بيبر البريطانية تقريرا يضيف بعدا تفصيليا لآليات تنفيذ هذا النشاط، ويكشف عن نمط تجنيد يعتمد على عمليات "التمويه المهني " عبر منصات مثل "لينكد إن " و "إنديد " و "أب-وورك ".

ووفقا لتحذيرات جهاز الأمن الداخلي البريطاني، تبدأ العملية بإعلانات وظائف تبدو مشروعة، غالبا ما تكون في مجالات تحليل السياسات أو الدفاع، تنشرها جهات تتخفى خلف شركات استشارات أو موارد بشرية لا تحمل صلة واضحة بالصين.

وتتطور العملية تدريجيا عبر مراحل مدروسة، مقابلات افتراضية تطرح خلالها أسئلة حول طبيعة العمل أو الوصول إلى المعلومات، ثم طلب إعداد تقارير "تجريبية " حول قضايا عامة، قبل الانتقال إلى طلب معلومات أكثر حساسية يتم تمريرها بتطبيقات مشفرة.

وتشير الصحيفة إلى أن هذه الإستراتيجية لا تستهدف فقط أصحاب التصاريح الأمنية، بل تمتد إلى من لديهم صلاحية وصول "غير مباشر " إلى المعلومات، مثل الأكاديميين والباحثين والصحفيين.

كما يبرز تقرير آي بيبر جانب المدفوعات كإشارة تحذيرية، حيث تتم غالبا عبر حسابات غير معروفة أو منصات تحويل دولية أو حتى بعملات رقمية، مع زيادة المقابل المالي تبعا لقيمة المعلومات.

هذه الحملة تمثل فخا خطابيا محكم الصياغة هدفه ترسيخ نظرية التهديد الصيني، وربطها بعوامل داخلية في الدول الغربية

بواسطة وانغ هان يي

رواية غربية ونفي صيني

ما أوردته الصحف البريطانية يشكّل رواية غربية متماسكة تقوم على ثلاث ركائز، أولاها أن النشاط الصيني ممنهج ومؤسسي، وثانيتها أنه يعتمد على أدوات مدنية رقمية لتجاوز الرقابة التقليدية، وثالثتها أن خطورته تكمن في قدرته على تجميع معلومات متفرقة لتكوين صورة استخباراتية شاملة.

في المقابل، ترفض الصين هذه الاتهامات جملة وتفصيلا، وقد نقلت صحيفة غلوبال تايمز الصينية القريبة من التوجه الرسمي عن متحدث باسم السفارة الصينية في لندن وصفه التحذيرات بأنها "مختلقة بالكامل " و "تشهير خبيث "، معتبرا أن ما يجري هو محاولة لصناعة تهديد صيني وهمي.

ويمضي الخطاب الصيني أبعد من النفي، إذ ينقل عن الباحث في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية "وانغ هان يي " قوله إن هذه الحملة تمثل "فخا خطابيا محكم الصياغة " هدفه ترسيخ "نظرية التهديد الصيني "، وربطها بعوامل داخلية في الدول الغربية، مثل التباطؤ الاقتصادي وتصاعد الاستقطاب السياسي، بما يخدم توحيد المواقف الداخلية.

وفي هذا السياق، أوردت وكالة الأنباء الصينية "شينخوا " تصريحات المتحدثة باسم الخارجية ماو نينغ، التي اعتبرت أن اتهام الصين من قبل "أكبر تحالف استخباراتي في العالم " أمر "ساخر "، في إشارة إلى ما تراه بكين ازدواجية في المعايير، على اعتبار أن من يتهمها طرف لديه تاريخ حافل بأنشطة التجسس العالمية.

مصدر الصورة غرفة عمليات إلكترونية حكومية تعرض العلم الصيني على شاشة كبيرة، ترمز للتجسس الإلكتروني (شترستوك)

صراع يتجاوز الاستخبارات

وفي قراءة أوسع، يربط تحليل نشرته صحيفة هوان تشيو الصينية للباحث الأكاديمي جانغ تشاو، بين هذا التصعيد الاستخباراتي والسياق الجيوسياسي الأشمل، حيث تتداخل المنافسة الأمنية مع الاقتصادية.

إعلان

ويشير جانغ، وهو نائب مدير مكتب أبحاث العلاقات الدولية بمعهد الدراسات الأوروبية، إلى أن المبادرات الغربية ظلت دائما تظهر سعيا لإعادة تشكيل نفوذ عالمي في مواجهة صعود الصين، وهو ما يفسر ضمنيا تصاعد الخطاب التحذيري.

وبهذا المعنى، لا تبدو الاتهامات والردود مجرد خلاف حول وقائع محددة، بل هي جزء من صراع أوسع على النفوذ والتأثير، تستخدم فيه الأدوات الاستخباراتية والسرديات الإعلامية على حد سواء.

وبين تحذيرات تقدّم باعتبارها ضرورة أمنية، وردود تنكرها وتصفها بالأداة السياسية، تتشكل معركة موازية عنوانها السيطرة على السردية، وفي هذه المساحة الرمادية يكون السؤال الأهم هو من ينجح في إقناع العالم بروايته.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا لبنان إيران أمريكا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا