آخر الأخبار

سيبيريا 2.. رهان موسكو الآسيوي لتعويض السوق الأوروبية

شارك

يُعدّ مشروع "قوة سيبيريا 2″ من أكبر مشاريع الطاقة العابرة للحدود في العالم، ويهدف إلى نقل الغاز الطبيعي من حقول يامال الروسية إلى الصين عبر خط أنابيب يمتد أكثر من 4 آلاف كيلومتر مرورا بمنغوليا، بطاقة سنوية تصل إلى 50 مليار متر مكعب.

ويأتي المشروع استكمالا لخط "قوة سيبيريا 1" الذي تبلغ طاقته التشغيلية الكاملة 38 مليار متر مكعب سنويا، في إطار مساعي موسكو وبكين إلى توسيع التعاون في مجال الطاقة وزيادة كميات الإمدادات مستقبلا.

وتنظر روسيا إلى المشروع باعتباره ركيزة استراتيجية لإعادة توجيه صادراتها من الغاز نحو الأسواق الآسيوية، بعدما تراجعت صادراتها إلى أوروبا بصورة حادة منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا وما تبعها من عقوبات غربية واسعة استهدفت قطاع الطاقة الروسي.

وظل المشروع لسنوات يواجه عقبات مرتبطة بالخلافات حول الأسعار وشروط الملكية، فضلا عن تحفظات صينية بشأن تنامي الاعتماد على روسيا مصدرا رئيسيا للطاقة، إلا أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة دفعت بكين إلى إعادة تقييم أولوياتها في مجال أمن الطاقة.

وفي 20 مايو/أيار 2026، أعلن المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف أن روسيا والصين توصلتا بصورة عامة إلى تفاهم بشأن المعايير الرئيسية لمشروع "قوة سيبيريا 2″، في خطوة عُدت مؤشرا على تقدم المفاوضات المتعلقة بالمشروع.

مصدر الصورة حقل مكثفات غاز من خط أنابيب قوة سيبيريا 1 (غازبروم)

الأهداف

يهدف مشروع "قوة سيبيريا 2" إلى نقل الغاز الطبيعي من حقول شبه جزيرة يامال الروسية في القطب الشمالي إلى شمال شرق الصين عبر خط أنابيب يتجاوز طوله 4 آلاف كيلومتر، يمر عبر الأراضي الروسية ثم منغوليا، بما يعزز إمدادات الطاقة بين البلدين ويوفر منفذا جديدا للغاز الروسي نحو الأسواق الآسيوية.

ويسعى المشروع إلى توسيع قدرة الصين على استيراد الغاز عبر الأنابيب، والتوسع في خطوط الغاز الأخرى بين روسيا والصين، مما قد يحدّ من نمو الطلب الصيني على الغاز الطبيعي المسال في العقود المقبلة، كما يمنح الصين مرونة أكبر في إدارة عقود استيراد الغاز.

إعلان

وعلى المستوى الدولي، يتوقع أن يسهم المشروع في زيادة تجارة الغاز العابرة للحدود عبر الأنابيب، وتعزيز الترابط بين أسواق الطاقة الآسيوية، فضلا عن إعادة تشكيل موازين المنافسة في سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية.

المواصفات

يُخطط أن تبلغ طاقة خط "قوة سيبيريا 2" نحو 50 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا، لتقترب سعته من خط "نورد ستريم 1" الذي كان أحد أهم مسارات تصدير الغاز الروسي إلى أوروبا قبل أن تتراجع أهميته عقب الحرب الروسية الأوكرانية.

ويمتد الخط لأكثر من 4 آلاف كيلومتر، منها نحو 2600 كيلومتر داخل روسيا، قبل أن يعبر الأراضي المنغولية وصولا إلى الصين، مما يجعله أحد أطول مشاريع نقل الغاز في أوراسيا. ورغم أن المشروع لا يتطلب تطوير حقول إنتاج جديدة للغاز، فإنه يمر عبر دولة ثالثة هي منغوليا، مما يضيف تحديات فنية ولوجستية وتنظيمية إلى عملية التنفيذ.

وتشير التقديرات إلى أن إنجاز المشروع سيستغرق سنوات عدة، استنادا إلى تجربة خط "قوة سيبيريا 1" الذي بدأ بناؤه عقب اتفاق عام 2014، وبدأ ضخ الغاز عام 2019، قبل أن يبلغ طاقته التشغيلية الكاملة عام 2024.

ويرجح أن يحتاج مشروع "قوة سيبيريا 2" إلى فترة تقارب عقدا من الزمن منذ بدء الإنشاء للوصول إلى كامل طاقته التشغيلية، مع احتمال أن تستغرق عملية رفع التدفقات إلى مستوى 50 مليار متر مكعب سنويا أكثر من 5 سنوات بعد بدء التشغيل.

مصدر الصورة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (وسط) في حفل تدشين خط أنابيب غاز "قوة سيبيريا 1" (رويترز-2019)

الأهمية


*

لروسيا:

يمثل مشروع "قوة سيبيريا 2" أهمية استراتيجية لروسيا باعتباره أحد أبرز أدوات إعادة توجيه صادراتها من الغاز نحو آسيا، بعد التراجع الحاد في واردات أوروبا من الغاز الروسي عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022.

ويتيح المشروع لموسكو تصريف كميات كبيرة من الغاز كانت موجهة أساسا إلى الأسواق الأوروبية، بما يساعد شركة "غازبروم" المالكة على تعويض جزء من الإيرادات التي فقدتها في سنوات الحرب.

كما يعد المشروع ركنا أساسيا في سياسة "التوجه نحو آسيا" التي تتبناها روسيا، وأحد أبرز رموز الشراكة الاستراتيجية مع الصين، إذ تنظر إليه موسكو بوصفه دليلا على قدرتها على إعادة رسم مسارات تجارة الطاقة رغم العقوبات الغربية والقيود المفروضة على قطاعها النفطي والغازي.


*

للصين:

أما بالنسبة للصين، فيوفر المشروع مصدرا بريا مستقرا لإمدادات الغاز الطبيعي، ويعزز تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على واردات الغاز الطبيعي المسال المنقولة بحرا. وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة في ظل اعتماد جزء كبير من واردات الصين من الغاز المسال على ممرات بحرية استراتيجية مثل مضيق هرمز ومضيق مالقا، وهي ممرات معرضة للمخاطر الجيوسياسية والاضطرابات التجارية.

ويمنح الغاز المنقول عبر الأنابيب الصين قدرا أكبر من الاستقرار مقارنة بسلاسل إمداد الغاز المسال التي تعتمد على شبكة معقدة من المنتجين وناقلات الشحن ومحطات الاستقبال، مما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار والتوترات الدولية.

كما يوفر لبكين مسارا للإمدادات يعتمد أساسا على التنسيق مع روسيا التي تبدي حرصا متزايدا على توثيق علاقاتها الاقتصادية مع الصين.

إعلان

وتزداد أهمية المشروع في ضوء التحديات التي تواجه بعض مشاريع الغاز الروسية الأخرى، إذ تحصل الصين حاليا على الغاز الروسي عبر خط "قوة سيبيريا 1" بطاقة 38 مليار متر مكعب سنويا، إضافة إلى واردات الغاز الطبيعي المسال من مشروع "يامال".

إلا أن تعثر تشغيل مشروع "أركتيك-2" الروسي بسبب نقص الناقلات الجليدية المتخصصة الخاضعة للعقوبات، عزز من أهمية تطوير مسارات التصدير البرية عبر خطوط الأنابيب.


*

عالميا:

وعلى مستوى سوق الطاقة العالمية، يمثل "قوة سيبيريا 2" أحد أكبر التحولات المحتملة في تجارة الغاز الدولية، إذ تعادل الكميات المخطط نقلها عبره نحو ثلث صادرات الغاز الروسية إلى أوروبا قبل الحرب الأوكرانية.

كما يأتي في وقت تتوقع فيه وكالة الطاقة الدولية ارتفاع احتياجات الصين من واردات الغاز إلى أكثر من 200 مليار متر مكعب سنويا بحلول عام 2030، مما يجعله مشروعا مؤثرا في موازين العرض والطلب العالمية وفي المنافسة بين الغاز الروسي والغاز الطبيعي المسال -ولا سيما الأمريكي- داخل الأسواق الآسيوية.


*

لمنغوليا:

ويكتسب المشروع بعدا اقتصاديا إضافيا بالنسبة لمنغوليا التي يمر عبر أراضيها، إذ يوفر لها موردا ماليا من رسوم العبور السنوية، ويعزز موقعها الجغرافي باعتبارها حلقة وصل بين أكبر مصدر للطاقة في المنطقة وأحد أكبر مستهلكيها.

مصدر الصورة خط "قوة سيبيريا 1" من المفترض أن يكمله مشروع خط "قوة سيبيريا 2" (غيتي)

تفاهم عام

ظل مشروع "قوة سيبيريا 2" لسنوات يواجه عقبات تتعلق بالخلافات بين موسكو وبكين حول أسعار الغاز والكميات المتعاقد عليها وشروط الملكية، فضلا عن تحفظات صينية مرتبطة بتجنب الاعتماد المفرط على روسيا في تأمين احتياجاتها من الطاقة، مما أدى إلى تباطؤ التقدم في المفاوضات الخاصة بالمشروع.

من جهة أخرى، أعادت التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط الزخم إلى المشروع، إذ أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" بأن الحرب بين إسرائيل وإيران دفعت القيادة الصينية إلى إعادة تقييم أمن إمداداتها من الطاقة، في ظل تزايد المخاوف بشأن استقرار تدفقات النفط والغاز القادمة من الشرق الأوسط.

وذكرت الصحيفة أن الصراع دفع الصين إلى إعادة النظر في مدى موثوقية إمدادات الطاقة الواردة من منطقة الخليج، حتى مع استمرار الهدنة في أعقاب الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية التي اندلعت يوم 28 فبراير/شباط 2026، مما عزز أهمية البدائل البرية الطويلة الأمد وفي مقدمتها مشروع "قوة سيبيريا 2".

وبحسب الصحيفة، تعتمد الصين على نحو 30% من وارداتها من الغاز الطبيعي في صورة غاز مسال يُنقل بحرا من قطر والإمارات عبر مضيق هرمز الذي يُعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية، في حين تعتمد مصافي التكرير الصينية المستقلة بشكل متزايد على النفط الإيراني منخفض التكلفة.

وفي المقابل، تسعى الصين إلى زيادة وارداتها من النفط والغاز الروسيين، بينما تواصل موسكو جهودها لإعادة توجيه صادرات الطاقة نحو الأسواق الآسيوية بعد تراجع صادراتها إلى أوروبا. وفي هذا السياق برز مشروع "قوة سيبيريا 2" بوصفه امتدادا لخط "قوة سيبيريا 1" الذي دخل الخدمة عام 2019.

وتطمح روسيا إلى نقل الغاز من حقول يامال -التي كانت مخصصة في السابق للسوق الأوروبية- إلى الصين عبر الأراضي المنغولية، رغم تقارير تحدثت عن تفضيل بكين دراسة مسارات بديلة تقلل الاعتماد على منغوليا بوصفها ممر عبور.

وفي 20 مايو/أيار 2026، أعلن المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف أن روسيا والصين توصلتا بصورة عامة إلى تفاهم بشأن المعايير الرئيسية لمشروع "قوة سيبيريا 2″، مشيرا إلى وجود توافق حول مسار خط الأنابيب وآليات تنفيذ أعمال البناء.

إعلان

وأوضح بيسكوف أن بعض التفاصيل الفنية والتجارية لا تزال قيد التفاوض، لكنه أكد وجود تفاهم عام بين الجانبين بشأن الأسس الرئيسية للمشروع، في إشارة إلى إحراز تقدم في المباحثات التي ظلت لسنوات عالقة بسبب الخلافات المتعلقة بالأسعار والكميات وآليات التنفيذ.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا