آخر الأخبار

فارم غيت.. قصة أموال في أريكة أشعلت أزمة سياسية بجنوب أفريقيا

شارك

تُعرف فضيحة "فارم غيت" (Farmgate) -أو "فضيحة فالا فالا"- بأنها واحدة من أبرز الأزمات السياسية التي واجهت جنوب أفريقيا في عهد الرئيس سيريل رامافوزا ، وتتمحور حول سرقة مبالغ كبيرة من العملات الأجنبية نقداً من مزرعة الرئيس الخاصة "فالا فالا"، وما أعقب ذلك من اتهامات بالتستر على الحادثة وإساءة استخدام النفوذ، إلى جانب شبهات تتعلق بالفساد وغسل الأموال والتصريح الضريبي.

حصلت السرقة عام 2020، لكنها بقيت بعيدة عن الساحة السياسية حتى منتصف 2022 حين اتُّهم الرئيس بالتستر عليها، مما أثار جدلا بشأن مصدر هذه الأموال وشكل إحراجاً سياسياً لرامافوزا، و فتح الباب أمام مطالبات بعزله من منصبه. ثم عادت القضية إلى الواجهة مجدداً في مايو/أيار 2026، بعدما قضت المحكمة الدستورية بأن قرار البرلمان السابق وقف التحقيق في القضية كان مخالفاً للدستور .

الفضيحة

تعود جذور القضية إلى فبراير/شباط 2020، عندما تعرضت مزرعة "فالا فالا" الخاصة بالرئيس الجنوب أفريقي رامافوزا لاقتحام أسفر عن سرقة مبالغ كبيرة كانت مخبأة داخل قطع أثاث، بينها أريكة تحولت لاحقاً إلى أبرز رموز القضية.

وتباينت التقديرات بشأن حجم الأموال المسروقة، إذ تحدثت تقارير عن مبالغ تراوحت بين 580 ألف دولار وبين أربعة أو خمسة ملايين دولار.

لكن القضية بقيت بعيدة عن الواجهة السياسية حتى يونيو/حزيران 2022، حين تقدم رئيس جهاز الاستخبارات الجنوب أفريقي السابق آرثر فريزر بشكوى رسمية إلى الشرطة، اتهم فيها رامافوزا بالتستر على عملية السرقة، وعدم الإبلاغ عنها وفق الإجراءات القانونية، إلى جانب استخدام عناصر أمنية لتعقب المشتبه بهم خارج الأطر الرسمية.

مصدر الصورة إيمانويلا ديفيد أحد المتهمين في قضية سرقة 580 ألف دولار أمريكي من مزرعة "فالا فالا" (رويترز-2024)

وأثارت الاتهامات موجة واسعة من الجدل داخل جنوب أفريقيا، خاصة مع طرح تساؤلات بشأن مصدر الأموال، وما إذا كانت قد صُرّح بها للسلطات الضريبية، إضافة إلى أسباب الاحتفاظ بها نقداً داخل أثاث في المزرعة بدل إيداعها في مؤسسة مصرفية.

إعلان

ونفى رامافوزا ارتكاب أي مخالفة، مؤكداً أن الأموال كانت عائدات بيع حيوانات نادرة في المزرعة، وأن القيمة الحقيقية للمبلغ المسروق أقل بكثير من الأرقام المتداولة. كما قال إنه لم يكن موجوداً في البلاد وقت وقوع الحادثة، وإنه أبلغ الجهات المختصة بعد اطلاعه على تفاصيل السرقة.

واكتسبت القضية حساسية سياسية كبيرة لأن رامافوزا وصل إلى السلطة في عام 2018 متعهداً بمحاربة الفساد وإعادة الثقة بالمؤسسات، عقب الإطاحة بالرئيس السابق جاكوب زوما الذي ارتبط اسمه بسلسلة من فضائح الفساد. ولذلك اعتُبرت قضية "فارم غيت" ضربة مباشرة لصورة رامافوزا الإصلاحية ومصداقية خطابه السياسي.

وفي سياق التحقيقات، ألقت السلطات القبض على 3 متهمين يخضعون للمحاكمة على خلفية القضية، في حين استمرت التداعيات السياسية والقانونية للملف داخل البلاد.

مصدر الصورة أنصار حزب "مقاتلو الحرية الاقتصادية" خارج المحكمة الدستورية بجنوب أفريقيا يطالبون الرئيس بالاستقالة (رويترز-2026)

التداعيات

في أواخر عام 2022، خلصت لجنة مستقلة عينها البرلمان الجنوب أفريقي إلى وجود أدلة أولية قد تشير إلى "سوء سلوك جسيم" وانتهاك للدستور من جانب رامافوزا، مما فتح الباب أمام مطالبات بإطلاق إجراءات لعزله من منصبه.

إلا أن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الحاكم (ANC) حال دون المضي في تلك الإجراءات، مستفيداً من أغلبيته البرلمانية آنذاك.

وفي يونيو/حزيران 2023، برأت هيئة "الحامي العام" المعنية بمكافحة الفساد رامافوزا من تهم تتعلق بتضارب المصالح وانتهاك القسم الرئاسي، مؤكدة عدم وجود أدلة تثبت أنه عرّض واجباته الدستورية للتأثير بسبب مصالحه الخاصة.

كما وثّق تقرير الهيئة إيصالاً مرتبطاً بعملية بيع جاموس في المزرعة، لكنه لم يحسم مسألة التصريح الضريبي عن الأموال، باعتبارها خارج نطاق التحقيق.

وشكلت القضية إحراجاً سياسياً للرئيس الجنوب أفريقي، خاصة أن خصومه اعتبروها تناقضاً مع خطابه الإصلاحي وتعهداته بمحاربة الفساد. ومع ذلك، فشلت محاولات المعارضة في استغلال القضية لإقصائه من الحكم.

وفي الانتخابات العامة لعام 2024، قاد رامافوزا حزب المؤتمر الوطني الأفريقي إلى ولاية رئاسية ثانية، لكن الحزب خسر أغلبيته البرلمانية للمرة الأولى منذ 30 عاماً، مما اضطره إلى تشكيل الحكومة مع أحزاب أصغر.

وبعد تشكيل الحكومة الجديدة، نقلت وسائل إعلام محلية عن القيادية في حزب التحالف الديمقراطي هيلين زيلي، قولها إن الحزب سيدعم رامافوزا ضد أي محاولة لعزله على خلفية القضية.

مصدر الصورة سيريل رامافوزا وصل إلى السلطة عام 2018 متعهدا بمحاربة الفساد وإعادة الثقة بالمؤسسات (رويترز)

النظر في عزل الرئيس

عادت القضية إلى الواجهة مجدداً في مايو/أيار 2026، بعدما قضت المحكمة الدستورية بأن قرار البرلمان السابق بوقف إجراءات التحقيق في القضية كان مخالفاً للدستور، مما أعاد إحياء مسار مساءلة الرئيس.

وفي 11 مايو/أيار 2026، أعلن البرلمان الجنوب أفريقي بدء إجراءات تشكيل لجنة خاصة للنظر في إمكانية عزل رامافوزا، تنفيذاً لحكم المحكمة الدستورية.

ومن المقرر أن تراجع اللجنة الأدلة المرتبطة بالقضية، بما يشمل الأموال الأجنبية التي كانت مخبأة داخل أريكة في مزرعة "فالا فالا"، قبل أن تقرر ما إذا كانت ستوصي بإطلاق إجراءات عزل رسمية.

إعلان

وأكد رامافوزا احترامه لقرار المحكمة، لكنه شدد على رفضه الاستقالة، معلناً عزمه الطعن قانونياً في التقرير الذي خلص إلى وجود مؤشرات أولية على سوء سلوك. كما دعا حزب المؤتمر الوطني الأفريقي إلى اجتماع للجنة التنفيذية الوطنية لبحث كيفية التعامل مع الأزمة.

وجاءت التحركات القضائية والسياسية الجديدة بعد دعاوى قدمتها أحزاب معارضة. ورغم تصاعد الضغوط السياسية، فإن فرص عزل الرئيس لا تزال محدودة، إذ يتطلب ذلك موافقة ثلثي أعضاء البرلمان، بينما لا يزال حزب المؤتمر الوطني الأفريقي يحتفظ بأكثر من ثلث مقاعد الجمعية الوطنية رغم خسارته الأغلبية.

وفي 14 مايو/أيار 2026، أفادت هيئة الإذاعة الجنوب أفريقية الرسمية بأن اللجنة التنفيذية الوطنية لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي جددت دعمها لرامافوزا، في خطوة اعتُبرت بمثابة طوق نجاة سياسي للرئيس وسط تصاعد الدعوات المطالبة بتنحيه.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا