آخر الأخبار

من هم الستة الذين أشاد بهم ديفيد بن غوريون؟

شارك

في مذكرات وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشيه ديان سنراه في العديد من المواضع لا يُخفي إعجابه الكبير بأول رئيس وزراء لإسرائيل ومثله الأعلى ديفيد بن غوريون، حتى إنه ليعتبره أحد الأشخاص القلائل الملهمين في تاريخ إسرائيل، يقول: "كان بن غوريون صاحب تأثير ضخم بسبب قوة شخصيته، وكان الناس دائما يشعرون بأن القرارات التي يتخذها نابعة منهم، ومن هنا كانت قوة بن غوريون. إذ إن ما يفعله أو يقرره كان يلقى قبول الشعب فورا؛ لأنهم كانوا يثقون فيه".

ولهذا السبب يأتي موشيه ديان على ذكر العديد من المواقف السياسية والعسكرية التي برز فيها بن غوريون مفكرا وسياسيا فاعلا في الداخل الإسرائيلي، وأدواره المفصلية سواء حين كان فاعلا في الوزارة والحكومة والدفاع أم حتى في سنوات ابتعاده عن المناصب الحكومية، ولكن أبرز ما لفت انتباه موشيه ديان ذات مرة، كانت تلك الخطبة التي أشاد فيها بن غوريون بالأشخاص الستة الذين يعتبرهم "أكبر من ساهم في تنفيذ الفكرة الصهيونية ومبادئها"، وكان الاعتقاد أنه سيذكر هرتزل ووايزمان، ولكنه بدلا من ذلك ذكر قائمة من ستة يهود "ثلاثة منهم من الفرنسيين واثنين من المجريين، إضافة إلى يهودي من القدس".

"في إحدى خطبه، أشاد ديفيد بن غوريون بستة أشخاص واعتبرهم أكبر من ساهم في تنفيذ الفكرة الصهيونية ومبادئها"

وكان اليهود الفرنسيون هم: أدولف كريمييه، وشارل نيتر، وإدموند دي روتشيلد، أما الآخرون من يهود المجر والقدس فهم؛ يهوشوع ستامفر، ودافيد مائير غوتمان، وموشيه سولومون، ويعلق موشيه ديان على هذه الأسماء الستة في مذكراته قائلا: "ولا شك أن بن غوريون كان شبيها بهؤلاء الستة، فهو ممن قرنوا الفكرة بالعمل على تحقيقها، ولا أظن أن هرتزل أو وايزمان يتساويان مع غوريون، فقد كان وحده قادرا على الربط بين الرؤيا وبين وضعها موضع التنفيذ".

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 معركة بلا جنود.. هل هزمت الروبوتات الجيش الروسي في أوكرانيا؟
* list 2 of 2 من ديغول إلى ماكرون.. لماذا ترفض فرنسا الخضوع لأمريكا؟ end of list
إعلان

فمن هم هؤلاء الستة الذين أشاد بهم بن غوريون؟ وما طبيعة الإسهامات التي قدموها للصهيونية لدرجة إشادة بن غوريون بهم بهذا الشكل؟

أدولف كريمييه

أول هؤلاء الفرنسي اليهودي أدولف كريمييه (1796-1880) المولود في مدينة نيم الفرنسية عام 1796 لأسرة يهودية قديمة كانت قد تبنّت مبادئ الثورة الفرنسية التي سمحت بالاندماج لليهود، حيث تلقّى تعليمه في باريس، وكان من أوائل اليهود الذين سُمح لهم بالالتحاق بالتعليم الثانوي الرسمي، ثم درس القانون في جامعة إيكس-آن-بروفانس، وقُيّد في نقابة المحامين سنة 1817.

في بدايات مسيرته المهنية اصطدم بما كان يُعرف بـ"القَسم اليهودي"، وهو قسَم خاص كان يُفرض على اليهود في المحاكم الأوروبية لإثبات صدقهم وولائهم، فرفض أداءه ونجح قانونيا في قضيته، ثم واصل الدفاع عن يهود آخرين رفضوا هذا القسَم، وهو ما أسهم في إلغائه نهائيا سنة 1827، الأمر الذي رسّخ مكانته كمدافع عن المساواة القانونية لليهود في المجتمع الفرنسي، كما يذكر أندريه شوراكي في كتابه "التحالف الإسرائيلي العالمي والنهضة اليهودية المعاصرة".

مع أربعينيات القرن التاسع عشر تجاوز نشاط كريمييه في الدفاع عن المصالح اليهودية الإطار الفرنسي ليأخذ طابعا دوليا، فقد برز اسمه بقوة إثر ما عُرف بـ"حادثة دمشق" سنة 1840، وهي اتهام جماعي من قناصل أوروبيين ورهبان كاثوليك ليهود دمشق بقتل راهب مسيحي لاستخدام دمه في طقوس دينية في عيد الفصح اليهودي، حيث شارك كريمييه مع صديق له اسمه موسى مونتيفيوري في بعثة دبلوماسية إلى الشرق أدّت إلى الإفراج عن المعتقلين اليهود، وأسهمت في إحياء شعور بالتضامن اليهودي العابر للحدود داخل أوروبا الغربية. ومنذ ذلك الحين بات يُنظر إلى أدولف كريمييه بوصفه أحد أبرز الأصوات اليهودية القادرة على مخاطبة الحكومات الأوروبية باسم الجماعات اليهودية.

"تجاوز نشاط كريمييه في الدفاع عن المصالح اليهودية الإطار الفرنسي ليأخذ طابعا دوليا"

وقد تكرّس هذا الدور مع انتخابه سنة 1864 رئيسا للتحالف الإسرائيلي العالمي، وهي منظمة يهودية دولية أُسست للدفاع عن حقوق اليهود ونشر التعليم بينهم. ومن خلال منصبه ونفوذه، سخّر كريمييه خبرته القانونية ونفوذه السياسي للتدخل لدى حكومات متعددة لصالح يهود شمال إفريقيا وأوروبا الشرقية وروسيا، ومن أبرز تحركاته تدخله سنة 1866 في روسيا لصالح اليهود المتهمين فيما عُرف بـ"افتراء الدم في ساراتوف"، وهي تهمة كانت مشابهة لما وقع في دمشق سنة 1840، حيث اتُّهم يهود تلك المدينة باستخدام دماء مسيحية في طقوس يهودية، وعقب تدخله نجح كريمييه في إطلاق سراحهم.

وبلغ تأثير كريمييه ذروته السياسية عندما تقلد منصب وزير للعدل في فرنسا، حيث وقّع عام 1870 المرسوم المعروف باسمه، والذي منح يهود الجزائر الجنسية الفرنسية بصورة جماعية، وقد اعتُبر هذا الإجراء في الأدبيات اليهودية المعاصرة له إنجازا تاريخيا في مسار اليهود ودمجهم في الدولة الأوروبية الحديثة، بينما ترى دراسات تاريخية لاحقة كتلك التي كتبها سولمون بوسنر في كتابه "أدولف كريمييه" أن هذا الأخير شكّل جزءا من سياسة استعمارية قائمة على المواطنة الانتقائية، إذ ميّز قانونيا بين اليهود والمسلمين في الجزائر الخاضعة للاستعمار الفرنسي وقتئذ.

إعلان

وبذلك يمثّل أدولف كريمييه نموذجا لليهودي الغربي شديد الاندماج في الدولة القومية الأوروبية، الذي جمع بين الاعتزاز بهويته اليهودية والعمل من داخل المؤسسات السياسية والقانونية للدفاع عن اليهود في بلدان متعددة، وقد أسهم من خلال وظائفه ومهنته في ترسيخ مكانة اليهود وترويج قضاياهم على الساحة الدولية.

مصدر الصورة بورتريه لأدولف كريميه (وزارة الثقافة الفرنسية)

شارل نيتر

كان شارل نيتر (1826-1882) أحد أبرز الوجوه اليهودية في القرن التاسع عشر التي جمعت بين العمل الاجتماعي المحلي والنشاط اليهودي الدولي المنظَّم، وُلد في ستراسبورغ بفرنسا، واستقر في باريس منذ مطلع خمسينات القرن التاسع عشر حيث انخرط في نشاط عام واسع ركّز على تحسين أوضاع اليهود اجتماعيا واقتصاديا من خلال دعم التعليم المهني، وحماية حقوق العمال، وتأسيس مؤسسات خيرية تخدم الفئات اليهودية الفقيرة في المدن الأوروبية.

وقد برز دور نيتر عالميا مع مشاركته في تأسيس التحالف الإسرائيلي العالمي عام 1860، وكما يرصد زوسا شايكوفسكي في دراسته "شارل نيتر والتحالف الإسرائيلي العالمي"، فقد انتُخب أمينا لماليته، إذ أصبح أحد العقول التي صاغت سياسة التحالف في الدفاع عن اليهود المضطهدين خارج أوروبا الغربية، وقد تبنّى مقاربة واقعية تقوم على تمكين اليهود عبر التعليم والعمل المنتج، لا عبر الخطاب السياسي وحده، مع اهتمام خاص بأوضاع يهود الشرق وأوروبا الشرقية.

"يقف نيتر وراء تأسيس مدرسة ميكفيه يسرائيل الزراعية جنوب شرق يافا، لتكون أول مؤسسة تعليم زراعي يهودية في فلسطين العثمانية"

وفي تلك الأثناء قدّم نيتر عام 1867 مشروعا لإنشاء مدرسة زراعية لتأهيل اليهود على العمل الزراعي، وتابع بنفسه تنفيذ المشروع بعد حصوله على موافقات عثمانية رسمية، وقد أسفر ذلك عن تأسيس مدرسة "ميكفيه يسرائيل الزراعية" عام 1870، في موقعها المعروف جنوب شرق يافا قرب تل أبيب الحالية، لتكون أول مؤسسة تعليم زراعي يهودية منظَّمة في فلسطين العثمانية، وقد رأى نيتر في هذه المدرسة أداة عملية لدعم اليهود عبر إعدادهم للاستقرار والعمل في فلسطين.

وإلى جانب ذلك يرصد بنتسيون دينابورغ في كتابه "ممهدو الطريق"، كيف أن شارل نيتر قد واصل نشاطه الدبلوماسي عبر التحالف اليهودي العالمي، فتدخل لدى القوى الأوروبية دفاعا عن يهود رومانيا وصربيا والمغرب، وشارك في محافل دولية مثل مؤتمر برلين ساعيا إلى إدراج أوضاع اليهود ضمن جدول الأعمال الدولي للقوى الكبرى، ومع أنه أبدى في مرحلة لاحقة تشككا في قدرة فلسطين على استيعاب أعداد كبيرة من المهاجرين اليهود، ودعا عمليا إلى توجيه الهجرة نحو الولايات المتحدة، فإن موقفه كما يقول دينابورغ عكس قراءة واقعية للظروف السياسية والاقتصادية آنذاك، قبل أن يعيد النظر فيه جزئيا في عامه الأخير وفق المصادر.

مصدر الصورة شارل نيتر

إدموند دي روتشيلد

يُعدّ البارون إدموند دي روتشيلد (1845-1934) أحد أبرز الوجوه المالية اليهودية في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فهو الابن الثالث من جملة خمسة أبناء لجيمس روتشيلد مؤسس فرع العائلة اليهودية المعروفة في باريس، وقد التحق بالمؤسسة المصرفية العائلية عام 1868 قبل أن يتزوج في سن مبكرة من ابنة عمه أدلايد، ومنذ ذلك الحين انخرط في شبكة واسعة من الأنشطة المالية والخيرية داخل المجتمع اليهودي، كان من أبرز محاورها دعم مشاريع الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين.

ويرصد عبد الوهاب المسيري في كتابه "تاريخ الفكر الصهيوني" دور هذا الرجل في ترويج قضايا اليهود عالميا، ودعم الهجرة اليهودية إلى فلسطين، فقد شكّلت أحداث العنف ضد اليهود في روسيا بين عامي 1881 و1882 نقطة تحوّل في مسار اهتمامه، إذ تعاون مع اللجنة الفرنسية لمساعدة اليهود الروس موجّها جزءا متزايدا من دعمه نحو تشجيع الهجرة إلى فلسطين، حيث بدأت مساهماته المباشرة في دعم "اليشوف" وهي التجمعات اليهودية في فلسطين، خلال ثمانينات القرن التاسع عشر. ومع تعرّض القرى الزراعية الأولى التي أنشأتها حركة "أحباء صهيون" لأزمات مالية خانقة، تدخّل روتشيلد لتأمين استمرارها متكفّلا بنفقات مستوطنات رئيسية مثل ريشون لتسيون، وزخرون يعقوب، وروش بينا، وإكرون، إلى جانب دعم مستوطنات أخرى.

"تكفل دي روتشيلد بنفقات مستوطنات يهودية رئيسية في فلسطين مثل ريشون لتسيون، وزخرون يعقوب، وروش بينا، وإكرون"

وخلال إحدى زياراته لمستوطنة زخرون يعقوب عام 1893 سنجد روتشيلد يعبر عن فلسفته في الدعم المالي السخي، مؤكدا أن مساندته للمزارعين لم تنطلق من اعتبارات "الإحسان"، بل من تقديره لالتزامهم بالعمل والاستقرار في فلسطين "وفق تصوّر ديني أخلاقي مستمد من التقاليد اليهودية" وفق زعمه. وقد ترجم هذا الالتزام عمليا بشراء مساحات واسعة من الأراضي، وإيفاد خبراء زراعيين من أوروبا للإشراف على تطوير القرى، حتى بات يُنظر إليه بوصفه "الراعي الأبوي" للمشاريع الزراعية اليهودية، وامتد دعمه ورعايته هو وأحفاده إلى نحو أربع وأربعين مستوطنة، من شمال فلسطين إلى جنوبها.

إعلان

وكما رصدنا في تقرير سابق بالجزيرة نت عن دور عائلة روتشيلد في خدمة إسرائيل، لا تزال أسماء عدد من هذه المستوطنات شاهدة على هذا الإرث، مثل "زخرون يعقوب" نسبة إلى والده جيمس "يعقوب"، ومزرعة باتيا "إكرون" المسمّاة تيمّنا باسم والدته. غير أن اهتمام روتشيلد لم يقتصر على الزراعة، فقد آمن أيضا بأن المجتمع اليهودي الناشئ في فلسطين يحتاج إلى قاعدة اقتصادية وصناعية متكاملة، وقرر على إثر ذلك ضخّ استثمارات كبيرة في إنشاء مصانع النبيذ والصناعات الزراعية والبنية التحتية، بما في ذلك المساهمة في إقامة أولى محطات الكهرباء، وكانت بعض مشاريعه الصناعية من بين الأكبر عالميا في زمنها.

"دعم إدموند تأسيس المعابد والمدارس اليهودية، وشجّع بقوة على إحياء اللغة العبرية واستخدامها في الحياة العامة"

إلى جانب ذلك دعم إدموند تأسيس المعابد والمدارس اليهودية، وشجّع بقوة على إحياء اللغة العبرية واستخدامها في الحياة العامة، معتبرا الثقافة والتعليم عنصرين أساسيين في بناء المجتمع الجديد، وخلال الحرب العالمية الأولى انخرط بقوة في دعم نشاط الحركة الصهيونية، ثم أسس عام 1924 "جمعية الاستعمار اليهودي في فلسطين" التي عُرفت باسم "بيكا"، حيث تولّت إدارة عمليات شراء الأراضي، وأسند رئاستها إلى ابنه جيمس، وتقديرا لدوره الكبير هذا في دعم الاستيطان اليهودي وتوسعه، عُيّن سنة 1929 رئيسا فخريا للوكالة اليهودية، التي اضطلعت بإدارة الشؤون المدنية والتنظيمية لليهود في فلسطين في مرحلة ما قبل قيام الدولة.

مصدر الصورة إدموند جيمس دي روتشيلد أحد أبرز الوجوه المالية اليهودية في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين (غيتي)

يهوشوع ستامفر

يُعدّ يهوشوع ستامفر (1852- 1908) من الشخصيات المحورية في مرحلة الصهيونية المبكرة، ومن المؤسسين الأوائل لمستوطنة بتاح تكفا، التي تُقدَّم في الأدبيات الصهيونية بوصفها أول مستوطنة زراعية يهودية حديثة في فلسطين العثمانية، وقد وُلد ستامفر في مدينة زومباتهيلي بغرب المجر، وتلقّى تكوينه الديني ضمن بيئة أصولية يهودية جمعت بين الالتزام الديني والوعي القومي اليهودي الناشئ.

وكما يذكر سيمون شفارتسفوكس في مادته التي خصصها عنه في موقع "المكتبة اليهودية الافتراضية" فقد شكّل استقلال المجر عام 1867 دافعا فكريا ونفسيا لدى ستامفر للتوجّه نحو فلسطين، انطلاقا من قناعته بأن الهجرة والاستيطان الزراعي يشكّلان وسيلة لضمان بقاء اليهود والحفاظ على الشريعة اليهودية، وفي عام 1869 غادر بلاده ووصل إلى القدس سيرا على الأقدام، قبل أن ينخرط مع مجموعة من الشبان اليهود في محاولات تأسيس تجمع زراعي دائم.

"ستامفر من مؤسسي مستوطنة بتاح تكفا، التي تعد أول مستوطنة زراعية يهودية حديثة في فلسطين العثمانية"

وفي عام 1878 استقر ستامفر ورفاقه في أراضٍ كانت تتبع قرية ملبّس العربية العثمانية، وذلك قرب نهر اليركون شمال يافا، وهنالك أعلن عن إقامة مستوطنة بتاح تكفا، ولم يقتصر دور ستامفر على التأسيس، بل تولّى لسنوات طويلة رئاسة المجلس المحلي للمستوطنة، واضطلع بمهمات خارجية لجمع التبرعات من المحسنين اليهود في أوروبا، فضلا عن الترويج لفكرة الاستيطان في فلسطين.

مصدر الصورة مستوطنة بتاح تكفا في أوائل القرن العشرين (مواقع التواصل)

ويكشف يعري بولِسكن في كتابه "حالمون ومقاتلون" أنه كان لستامفر أدوار سياسية وتنظيمية حيث شارك عام 1903 في مؤتمر مستوطنة زخرون يعقوب، وهو اجتماع لممثلي المستوطنات اليهودية عُقد وقتئذ لصياغة إطار تنظيمي لليشوف، أي المجتمع اليهودي في فلسطين قبل 1948، وقد مثّل فيه التيار المحافظ الديني، الذي عارض بعض التوجهات الليبرالية داخل الييشوف، وكان من بينها منح النساء حق التصويت.

"أدار ستامفر شؤون مستوطنة بتاح تكفا بروح أصولية صارمة، ما جعله يتعامل بحذر مع طلائع المهاجرين اليهود من أوروبا الشرقية بسبب نزعاتهم العلمانية"

ولهذا السبب يرى بولسكن أن ستامفر أدار شؤون مستوطنة "بتاح تكفا" بروح أصولية صارمة، ما جعله يتعامل بحذر مع طلائع الهجرة الثانية اليهودية القادمة من أوروبا الشرقية؛ إذ رحّب بهم من حيث تعزيز الوجود اليهودي والعمل الزراعي، لكنه عارض في الوقت نفسه بشدة نزعتهم العلمانية، وأبدى قلقا من تأثيرها في المجتمع اليهودي وأجياله الناشئة.

وقد امتد أثر ستامفر إلى الجيل التالي إذ أصبح ابنه سليمان ستامفر (1877–1961) أول رئيس لبلدية بتاح تكفا عام 1934، في دلالة على تحوّل المستوطنة من مشروع زراعي ديني محافظ إلى كيان حضري ضمن البنية السياسية الجديدة لليشوف.

ديفيد مائير غوتمان ويوئيل موشيه سالومون

يُمثّل ديفيد مائير غوتمان (1827-1894) أحد النماذج المبكرة لليهود الأوروبيين الذين انتقلوا من الرهان على الاندماج القومي في أوروبا إلى تبنّي مشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين العثمانية. وُلد غوتمان في المجر، وشارك في حرب الاستقلال المجرية عام 1848، وكما يرصد ديفيد تيذهار في "موسوعة روّاد اليشوف وبُناته" فإن التجربة القومية المجرية وما رافقها من مواقف إقصائية تجاه اليهود، أسهمت في تحوّل وعي غوتمان السياسي، ففي عام 1876 باع ممتلكاته وهاجر مع زوجته إلى فلسطين حيث استقر في القدس، وانخرط في نشاط ديني واجتماعي متأثرا بأفكار الحاخام عكيفا شليسنغر أحد دعاة الاستيطان الديني المبكر.

"التجربة القومية المجرية وما رافقها من مواقف إقصائية تجاه اليهود، أسهمت في تحوّل وعي غوتمان السياسي"

لم يقتصر دور غوتمان على العمل الخيري والديني اليهودي، بل شارك عمليا في شراء الأراضي وتأسيس أحياء يهودية خارج أسوار القدس القديمة، كما ساهم في البحث عن أراض صالحة للاستيطان الزراعي، رغم معارضة عدد من الحاخامات لهذا التوجه في ذلك الوقت، ولهذا سنراه في عام 1878 ينضم إلى مجموعة من يهود القدس كان منهم رفيقه ستامفر استطاعت بعد فشلها في شراء أراضٍ قرب أريحا، في الاستحواذ على أراضي قرية ملبّس العربية قرب نهر اليركون، حيث شارك في تأسيس مستوطنة بتاح تكفا.

إعلان

وتكشف غِرشون كِرِسِل في كتابها "أم المستوطنات: بتاح تكفا" أن غوتمان تحمّل أعباء مالية وقانونية جسيمة لضمان بقاء المستوطنة، فباع جميع ممتلكاته في القدس لتسديد ديونها وخوض نزاعاتها القضائية مع مالكي الأراضي السابقين، الأمر الذي أدى إلى إفقاره في شيخوخته، حيث توفي فقيرا معدما في يافا سنة 1894، ودُفن في القدس.

مصدر الصورة يوئيل موشيه سالومون (مواقع التواصل)

أما يوئيل موشيه سالومون (1838-1912)، فيُعدّ من أبرز شخصيات "اليشوف القديم" في القدس، ومن الأسماء التي لعبت دورا انتقاليا بين التدين اليهودي التقليدي وبدايات الاستيطان الزراعي المنظّم، وقد وُلد في القدس لعائلة يهودية متدينة، ونشط صحفيا وثقافيا، وكان من أوائل الداعين إلى تجاوز نمط الحياة القائم على الإعانات والاتجاه نحو العمل المنتج، ولا سيما الزراعة، ولهذا السبب برز اسمه ضمن مجموعة الرواد اليهود التي شاركت في تأسيس مستوطنة بتاح تكفا عام 1878، حيث أسهم بخبرته التنظيمية وصلاته داخل المجتمع اليهودي المحلي.

ويُقدَّم سالومون في الكتابات الصهيونية بوصفه نموذجا لليهودي المقدسي الذي جمع بين الالتزام الديني والانفتاح على أفكار الاستيطان والعمل الزراعي، وسعى إلى إدماج هذه الرؤية داخل المجتمع التقليدي في القدس، وقد استُخدمت سيرته لاحقا في الخطاب الصهيوني لدعم المزاعم أن جذور المشروع الاستيطاني سبقت الصهيونية السياسية الهرتزلية، وأنها نشأت داخل بيئات دينية واجتماعية محلية قبل أن تتحول إلى مشروع سياسي دولي، وقد تُوفي سالومون سنة 1912، بعد أن أصبح اسمه جزءا من السردية المؤسِّسة للاستيطان اليهودي الحديث في فلسطين.

"يُقدَّم سالومون في الكتابات الصهيونية بوصفه نموذجا لليهودي المقدسي الذي جمع بين الالتزام الديني والانفتاح على أفكار الاستيطان والعمل الزراعي"

وهكذا تكشف سيرة هؤلاء اليهود الستة الذين احتفى بهم رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول ديفيد بن غوريون عن نمط واحد يجمعهم؛ ذلك أنهم كلهم حرصوا على دعم المشروع اليهودي المبكر عالميا بصورة عامة، وفي فلسطين بصورة خاصة قبل ظهور هرتزل ووايزمان بالمال والجهد والوقت، والحرص على إنشاء المستوطنات مهما كلفهم ذلك، وهو الأمر الذي اعتبره بن غوريون رابطا راسخا بين الإيمان بالفكرة الصهيونية والعمل من أجلها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا