في 23 يونيو/حزيران 2016 صوت البريطانيون في استفتاء عام بأغلبية 52% لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، أو ما اصطلح على تسميته بـ"البريكست"، بعد حملة ساخنة نظمها سياسيون يمينيون لإقناع الناخبين بفوائد مغادرة التكتل الأوروبي، وقادها حينها بوريس جونسون، الذي تولى بعدها رئاسة الوزراء، ونايجل فاراج، الذي أسس لاحقا حزب الإصلاح المنتمي لأقصى اليمين.
وتجاهل قادة البريكست حينها الدراسات الاقتصادية التي أكدت أهمية وجود بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، أكبر شريك تجاري لها، وطغى صوت المطالبين بالخروج من الاتحاد للتخلص من العمالة الأووربية المهاجرة، وهو ما كان له تأثير كبير على الناخبين حينها، في ظل انقسام شديد بين حزبي المحافظين والعمال، وتأييد رئس الوزراء في ذلك الوقت، ديفيد كاميرون، البقاء في الاتحاد.
وأوضح ستارمر أن بريطانيا ستعقد مؤتمرا اقتصاديا مع الاتحاد الأوروبي في الأسابيع القادمة، ليس فقط لمتابعة اتفاقات سابقة، ولكن بهدف إرساء "علاقات طموحة" مع التكتل الأوروبي لمواجهة التحديات الاقتصادية، ومنها ارتفاع تكلفة المعيشة.
وكان وزير الصحة البريطاني ويس ستريتينغ، أحد أبرز المنافسين لستارمر على زعامة حزب العمال، طالب في مطلع العام الجاري بعودة بريطانيا لعضوية الاتحاد الجمركي الأوروبي، فيما اعتبره مراقبون تحديا لستارمر، الذي لم يحسم أمره تجاه هذه العودة.
وأكد ستريتينغ أن عودة بريطانيا للاتحاد الجمركي الأوروبي سوف تحقق لها مكاسب اقتصادية كبيرة، وستخلصها من كافة القيود الجمركية والإدارية التي تقيد التبادل التجاري مع السوق الأوروبية وترفع تكلفته.
ولا يتضمن الاتحاد الجمركي مبدأ حرية انتقال العمالة، وهو أحد المبادئ التي تقوم عليها السوق الأوروبية الموحدة، وهي أوسع نطاقا من مجرد اتحاد جمركي، ومن ثم أكد ستيرينتغ أنها خيار مناسب لبريطانيا.
ورغم أن ستارمر لم يحسم في خطابه تفاصيل الشراكة الاقصادية الأوسع التي يريدها مع أوروبا، إلا أنها تمثل مخرجا كبيرا من الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تتعرض لها حكومته بعد اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.
وأدت الحرب على إيران إلى إغلاق مضيق هرمز، ونقص المعروض من الإمدادات العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، الأمر الذي أدى لارتفاع سعر النفط بأكثر من 50% منذ بداية الحرب، وارتفاع سعر الغاز الطبيعي في أوروبا بأكثر من 70%.
وكانت النتيجة قفزة في أسعار الديزل وبنزين السيارات وتكلفة الغاز المنزلي بالنسبة للأسر البريطانية بنحو 300 جنيه إسترليني (نحو 396 دولارا) سنويا، وفق صحيفة الغارديان، وارتفاع تكلفة النقل والتصنيع للشركات، وتوقعات بارتفاع نسب التضخم.
ويوضح صادق الركابي مدير البحوث الاقتصادية في المركز العالمي للدراسات التنموية في المملكة المتحدة في مقابلة مع الجزيرة نت أن بريطانيا تعتمد على نحو 40% من الغاز الطبيعي المسال لتوليد الكهرباء، ولهذا تأثرت كثيرا بارتفاع أسعاره، وتعمل الحكومة على دعم قطاع الطاقة، وهو ما سوف يكلفها نحو 40 مليار جنيه إسترليني هذا العام إذا امتدت الأزمة.
وأضاف الركابي أن هناك مخاوف من أن يرفع بنك إنجلترا سعر الفائدة، مع ارتفاع مستوى الأسعار، مما قد يؤدي إلى ركود تضخمي، ولهذا هناك محاولات لتأجيل قرار رفع سعر الفائدة إلى سبتمبر/أيلول المقبل لتخفيف الضغط عن الشركات والمستهلكين.
وكانت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توقعت أن يتراجع النمو الاقتصادي في بريطانيا هذا العام ليبلغ 0.7%، فيما كانت توقعاتها السابقة هي نمو بنسبة 1.2%، وهذه أقل نسبة نمو بين الدول الصناعية السبع الكبرى باستثناء إيطاليا، كما توقعت المنظمة أن تصل نسبة التضخم في بريطانيا إلى 4%، مقابل توقعات قبل الحرب بنسبة 2.5%.
وأضاف الركابي أن أصواتا كثيرة في حزب العمال تطالب بالتوجه للشراكة مع أوروبا لامتصاص أزمتي البريكست ومضيق هرمز، إذ إن البريكست رفع تكلفة التجارة مع أوروبا بحدود 10% إلى 15%.
وقال الركابي إن ستارمر لا يرغب حتى الآن في العودة للاتحاد الجمركي أو السوق الأوروبية الموحدة، خشية إغضاب الناخبين الذين صوتوا للخروج من الاتحاد الأوروبي، ولكن بدلا من ذلك يرغب في "شراكة قطاعية"، أي في قطاعات محددة، وذلك في إطار "صيغة محسنة ومعدلة" لاتفاق التجارة مع أوروبا.
وبمعنى آخر يسعى ستارمر، وفق الركابي، إلى اتفاق شراكة جزئي مع الاتحاد الأوروبي يخدم القطاعات التي يحتاجها الطرفان، مشيرا إلى أن أكثر من 60% من الشركات الكبيرة في بريطانيا تضغط على حكومة ستارمر للعودة للاتحاد الجمركي علاوة على أصوات من حكومته، مثل ويس ستريتينغ.
وتعني العودة لشكل من الشراكة مع أوروبا تخفيض هذه التكاليف، والتخلص من العوائق الإدارية للتجارة مع أوروبا، علاوة على زيادة الاستثمارات الخارجية من جانب الشركات الأوروبية وغيرها، وهو ما يحتاجه ستارمر بشدة لزيادة النمو وتوفير فرص العمل، علاوة على أن دخول الشركات الأوروبية أسواق بريطانيا بكثافة سوف يساهم في تخفيض الأسعار.
وفي السياق ذاته أوضح الركابي أن استيراد الكهرباء من الاتحاد الأووربي سوف يساهم في تنويع مصادر الطاقة وخفض فاتورتها بحدود 200 جنيه إسترليني (نحو 264 دولارا) سنويا لكل الأسرة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة