آخر الأخبار

"نمر من ورق".. لماذا يريد ترمب الانسحاب من حلف الناتو؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي


"قلت قبل ربع قرن إن الناتو ليس سوى نمر من ورق، أنتم جبناء ولن ننسى".

بواسطة (الرئيس الأمريكي دونالد ترمب)

بينما وقف العالم مشدوها يراقب الحشود العسكرية الأمريكية الزاحفة نحو الشرق الأوسط، والتوتر المتعلق باحتمالات شن حرب أمريكية إسرائيلية على إيران، وسط قلق مما قد ينتج عنها من تأثيرات على الملاحة في مضيق هرمز وعلى أسعار النفط والغاز؛ نشرت دائرة أبحاث الكونغرس دراسة في 27 فبراير/شباط 2026، أي قبل بدء الحرب بيوم واحد، بعنوان "فصل السلطات والانسحاب من حلف الناتو"، تناقش في صفحاتها ما إذا كان الرئيس ترمب يملك صلاحية سحب الولايات المتحدة من معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو) دون الحصول على موافقة الكونغرس أم لا، وكان لافتا صدور الدراسة في ذلك التوقيت.

ومع اندلاع الحرب، تدفق سيل من تصريحات الرئيس ترمب ومسؤولين في إدارته، تذمرت في مجملها من مدى استعداد الحلفاء الأوروبيين في حلف الناتو لمساندة الولايات المتحدة. وسرعان ما صرح ترمب بوضوح قائلا: "الناتو سيواجه مستقبلا سيئا للغاية إذا فشل في المساعدة في فتح مضيق هرمز.. لم يكن علينا مساعدة الناتو في أوكرانيا لكننا فعلنا، والآن سنرى ما إذا كانوا سيساعدوننا".

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 التأسيس الثاني لحزب الله.. هل تعافى من صدمة اغتيال نصر الله؟
* list 2 of 2 لماذا يعجز أقوى جيش في العالم عن فتح مضيق هرمز؟ end of list

امتد الخطاب المناوئ للناتو إلى داخل الإدارة الأمريكية، إذ صرح وزير الخارجية ماركو روبيو أن "سلوك الناتو يثير تساؤلات حول الفائدة التي تحصل عليها الولايات المتحدة من الحلف.. وأن الوضع لم يعد جيدًا، وأن الاستمرار في الالتزام به يطرح إشكالات متزايدة" وفي نفس السياق أشار تقرير نشرته صحيفة التليغراف إلى أن ترمب يدرس سحب القوات الأمريكية من ألمانيا، في ظل حالة إحباط من المواقف الأوروبية، مع دعوات داخلية إلى توجيه رسالة واضحة للحلفاء بشأن ما يُعد مقبولا، وما لا يُعد كذلك.

"تصريحات ترمب ضد الناتو تتجاوز حدود التلاسن السياسي أو الضغط التكتيكي عبر ضفتي الأطلسي".

في المقابل، صدرت مواقف من داخل الحلف للتهدئة، حيث أكد مارك روته الأمين العام للحلف في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز أن التحرك الأمريكي ضد إيران كان ضروريا لتحييد قدراتها النووية وصواريخها الباليستية، ولأنها تمثل تهديدا وجوديا لإسرائيل والمنطقة وأوروبا والعالم أجمع، وشدد على أن العمل جارٍ ضمن مجموعة تضم 22 دولة لإعادة فتح مضيق هرمز، مع حديث عن بدء ظهور استجابات من بعض الحلفاء لدعوات الولايات المتحدة.

إعلان

تكشف هذه التطورات، عند وضعها في سياق واحد، عن مسار يتجاوز حدود التلاسن السياسي أو الضغط التكتيكي بين ضفتي الأطلسي. فالتزامن بين صدور دراسة تتناول الإطار القانوني للانسحاب من الحلف، وتصاعد خطاب أمريكي يشكك في جدوى البقاء به، يفتح الباب أمام قراءة تتعلق بطبيعة التحول الجاري في نظرة واشنطن إلى الحلف التاريخي الذي طالما نظر إليه كواحد من أهم بيوت القوة الأمريكية والغربية.

ترمب في مواجهة مع الناتو

حضر ملف تقاسم الأعباء داخل حلف الناتو في النقاشات قبل وصول ترمب إلى البيت الأبيض للمرة الأولى، وبالتحديد خلال إدارة أوباما، التي شددت على ضرورة رفع الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء في الحلف إلى مستوى 2% من الناتج المحلي. ومع مرور الوقت، تحول هذا الهدف أثناء قمة الحلف في ويلز عام 2014 إلى معيار يقاس به مدى التزام الحلفاء، وإلى بند رئيسي في اجتماعات الحلف ونقاشاته الدورية.

ومع وصول ترمب للبيت الأبيض للمرة الأولى عام 2017، تركزت نقاشاته مع أمين عام الحلف آنذاك ينس ستولتنبرغ، حسب ما روى الأخير في مذكراته، على حجم مساهمة الدول الأعضاء، وتعامل الرئيس الأميركي مع الفجوة بين ما يُنفق وما يُفترض إنفاقه باعتباره عبئا تتحمله الولايات المتحدة، ودينا ينبغي على الحلفاء سداده، حتى أنه طلب من المستشارة الألمانية أنغلا ميركل دفع 374 مليار دولارِ، بحجة أنها قيمة ما لم تدفعه برلين للناتو على مدار 10 سنوات بأثر رجعي، ما جعل وزير الحرب الأمريكي آنذاك جيمس ماتيس يقول: "سيدي الرئيس، الأمر لا يتعلق بديون أو رسوم، بل بإجمالي إنفاق كل دولة على دفاعها".

"خلال ولايته الأولى، طلب ترمب من المستشارة الألمانية أنغلا ميركل دفع 374 مليار دولارِ، بحجة أنها قيمة ما لم تدفعه برلين للناتو على مدار 10 سنوات بأثر رجعي".

وجَّه ترمب في قمة الحلف المنعقدة في بروكسل عام 2017 انتقادات حادة للدول الأعضاء التي لا تلتزم بالنسبة المستهدفة. وتكرر المشهد في قمة 2018، مع تصعيد في اللهجة، وطرح تساؤلات حول جدوى استمرار الولايات المتحدة في تحمل أعباء أمن حلفاء لا يلبّون التزاماتهم، وصولا للتهديد بأنه "إذا لم يدفع الأوروبيون والكنديون المزيد، فقد لا تضمن الولايات المتحدة أمنهم. لماذا نحمي دولًا لا ترغب في دفع تكاليف أمنها؟".

ومع عودة ترمب إلى البيت الأبيض مجددا مطلع عام 2025، عاد ملف الناتو إلى واجهة النقاش في سياق اتسم بقدر أكبر من التوتر. ففي قمة الحلف المنعقدة في لاهاي العام الماضي، اتفق المجتمعون بضغط من واشنطن على رفع سقف الإنفاق الدفاعي إلى 5% من ناتجهم المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، على أن توزع النسبة بين 3.5% لمتطلبات الدفاع الأساسية، و1.5% لتعزيز البنية التحتية والجاهزية المدنية، وتطوير القاعدة الصناعية الدفاعية، إلى جانب توسيع التعاون الصناعي العابر للأطلسي. وجاء هذا التوجه في ظل تقديرات داخل الحلف بإمكانية حدوث حرب مع روسيا خلال السنوات المقبلة، ما أضفى على القرار طابعا استراتيجيا.

الطريف أنه في تحليل نشرته فورين بوليسي، أوضح الأكاديميان غابرييلي ناتاليزيا وماتيو ماتسيوتي أن إيطاليا طورت نمطا من الاستجابة لطلبات الحلف تقوم على تحقيق "امتثال شكلي" لنسب الإنفاق العسكري. فقد أعلنت روما عام 2025 عن ميزانية دفاعية تقارب 45 مليار يورو (نحو 48.6 مليار دولارِ)، في حين أن الإنفاق الفعلي بلغ 31 مليار يورو (نحو 33.5 مليار دولارِ) فقط، وحُسبت الزيادة الوهمية عبر إعادة تصنيف نفقات تابعة لوزارات أخرى ضمن بند الدفاع بدلا من تعزيز الجاهزية العملياتية أو القدرات القتالية.

إعلان

اضطراب البوصلة

لم يقتصر التحول في المقاربة الأمريكية تجاه حلف الناتو على مسألة الإنفاق الدفاعي، بل امتد إلى طبيعة أدوار الحلف وانتشاره الجغرافي. فقد نقل موقع بوليتيكو في فبراير/شباط 2026 عن دبلوماسيين أوروبيين أن إدارة ترمب تضغط باتجاه تقليص أنشطة الحلف خارج نطاق أوروبا، بما في ذلك إنهاء مهمته في العراق، وتقليص وجوده في كوسوفو، وعدم دعوة أوكرانيا والشركاء الرسميين الأربعة للحلف في منطقة المحيطين الهندي والهادئ -أستراليا ونيوزيلندا واليابان وكوريا الجنوبية- إلى الاجتماعات الرسمية في قمة الناتو القادمة المقرر عقدها في أنقرة في يوليو/تموز المقبل، وذلك ضمن توجه لإعادة تعريف الناتو بوصفه تحالفا أطلسيا بحتا، والتراجع عن توسيع أدواره في إدارة الأزمات العالمية.

"إدارة ترمب تضغط باتجاه تقليص أنشطة الحلف خارج أوروبا، وإعادة تعريفه بوصفه تحالفا أطلسيا بحتا، والتراجع عن توسيع أدواره في إدارة الأزمات العالمية".

أثارت هذه المقاربة قلقا داخل الحلف، خاصة فيما يتعلق بمستقبل بعثاته القائمة. فمهمة الناتو في العراق، التي أنشئت عام 2018 لتعزيز المؤسسات الأمنية العراقية ومنع عودة تنظيم الدولة باتت مهددة بالإنهاء، في وقت لا تزال فيه بعض الدول ترى ضرورتها. كما تثير فكرة تقليص أو إنهاء مهمة الحلف في كوسوفو (KFOR)، التي تضم 4500 جندي منذ عام 1999، مخاوف من حدوث تداعيات أمنية غرب البلقان، في ظل التوترات الكامنة هناك، وطموحات صرب كوسوفو للانفصال.

أما الأغرب، فهو طلب الرئيس ترمب من الناتو مؤخرا المشاركة في فتح مضيق هرمز في مهمة ترتبط بمسرح عمليات بعيد عن أوروبا ويتصل بأمن الطاقة والملاحة الدولية، في تعارض مع طلبات ما قبل الحرب بتركيز دوره على المسرح الأوروبي، في وقت أدت فيه الحرب لصدور قرار بسحب مهمة الحلف من العراق مع انتشار الهجمات على يد الفصائل الداعمة لإيران.

تشير تلك المستجدات إلى غياب إطار ناظم لعمل الناتو في منظور واشنطن، والرغبة في توظيفه كأداة تخدم أولوياتها المرحلية، بحيث يُستدعى لساحات جديدة عندما يخدم ذلك أولوية ما للسياسة الأمريكية، ويُعاد تقليصه في سياقات أخرى لا تتقاطع مع تلك الأولويات.

مصدر الصورة فكرة تقليص أو إنهاء مهمة الناتو في كوسوفو تثير مخاوف من حدوث تداعيات أمنية غرب البلقان في ظل التوترات الكامنة هناك (الفرنسية)

نسخة الناتو الثالثة

في نهاية العام الماضي، نشرت مجلة فورين بوليسي تقريرًا بعنوان "أبرز الشخصيات المؤثرة في السياسة الخارجية في إدارة ترمب الثانية"، ووصفت فيه إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الحرب لشؤون السياسات، بأنه أحد أكثر الأشخاص نفوذا داخل البنتاغون، نظرا لما تصفه المجلة بـ"قلة خبرة رئيسه وزير الحرب بيت هيغسيث"، بالإضافة لإقالة عدد كبير من كبار الجنرالات والأدميرالات الذين كان من الممكن أن يحدوا من نفوذه البيروقراطي.

ويُعَد كولبي مهندس استراتيجيتي الدفاع الوطني في كل من إدارتي ترمب الأولى والثانية. وقد قدم في 12 فبراير/شباط 2026 خطابا مهما بصفته ممثلا لوزير الحرب هيغسيث في اجتماع وزراء دفاع الدول الأعضاء بحلف الناتو، ورسم فيه تصورا لما وصفه بنسخة الحلف الثالثة، شمل إعادة تعريف وظيفة الناتو ودوره في البيئة الدولية الجديدة.

"يُعَد إلبريدج كولبي مهندس استراتيجيتي الدفاع الوطني في إدارتي ترمب الأولى والثانية".

ينطلق طرح كولبي من فرضية مفادها أن المرحلة التي تلت الحرب الباردة، التي تشكلت خلالها أنماط عمل الحلف، قد انتهت، وأن عودة سياسات القوة واستخدام الأدوات العسكرية تفرض إعادة التكيف مع واقع مختلف. وفي هذا السياق، قسم كولبي تاريخ الحلف إلى 3 مراحل: نسخة "الناتو 1.0" التي تشكلت طيلة الحرب الباردة، حيث تمحورت وظيفته حول الردع والدفاع عن أوروبا في مواجهة الاتحاد السوفيتي، ثم نسخة "الناتو 2.0" بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، التي اتجه فيها الحلف نحو توسيع مهامه خارج مجاله الجغرافي فانخرط في حرب أفغانستان ونشر بعثاته الاستشارية في العراق، متبنيا خطاب "النظام الدولي القائم على القواعد".

إعلان

أما نسخة "الناتو 3.0" التي يطرحها كولبي، فتمثل محاولة للعودة إلى الوظيفة الأصلية للحلف، ولكن في سياق مختلف يتسم بتعدد مراكز القوة، وتزايد الضغوط على الموارد الأمريكية، ما يتطلب توزيع الأعباء. فبدلا من أن تكون الولايات المتحدة المزود الرئيسي للقوة العسكرية والردع النووي، في حين يكتفي الحلفاء الأوروبيون بمستويات إنفاق أقل، ينبغي أن تتحمل أوروبا المسؤولية الأساسية عن دفاعها التقليدي، وذلك بحجة مفادها أن أوروبا غنية، ومكتظة بالسكان، وتمتلك قدرات صناعية وتكنولوجية هائلة، ما يؤهلها للعب هذا الدور، خاصة في ظل وجود تهديد عسكري روسي على حدودها. وفي المقابل، ستتجه الولايات المتحدة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، مع إعطاء أولوية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، بوصفها الساحة المحورية للتنافس الدولي في المرحلة المقبلة.

وفي هذا الإطار، يشدد كولبي على أن نسخة "الناتو 3.0" لا تمثل انسحابا أمريكيا من أوروبا، بقدر ما تعني إعادة توزيع للأدوار داخل الحلف، بحيث يركز كل طرف على المجالات التي يمتلك فيها ميزة نسبية، ما يعزز فعالية الحلف ككل. ورغم ذلك أثار خطاب كولبي تساؤلات حول مدى استمرارية الالتزام الأمريكي في حال تصاعدت التوترات في أكثر من مسرح في الوقت نفسه.

مصدر الصورة إلبريدج كولبي (وسط) قدم في 12 فبراير/شباط 2026 خطابا في اجتماع وزراء دفاع الدول الأعضاء بحلف الناتو رسم فيه تصورا لما وصفه بنسخة الحلف الثالثة (غيتي)

إمكانية الانسحاب من الناتو

يقودنا ذلك إلى التهديد الأمريكي بالانسحاب من الناتو ما لم يستجب الحلف للتطورات والمطالب الخاصة بالإدارة الأمريكية. تسمح المادة 13 من معاهدة الناتو للدول الأعضاء بالانسحاب بعد عام واحد من تقديم إشعار الانسحاب إلى حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تقوم بدورها بإبلاغ حكومات الأطراف الأخرى. وفي ضوء التطورات المتلاحقة، والتقلبات في موقف الرئيس الأمريكي ترمب، والتعبير المتكرر عن غضبه من الناتو، أصبح الحديث عن انسحاب الولايات المتحدة من الحلف سؤالا مطروحا داخل مؤسسات الحكم الأمريكية.

وقد تجسد ذلك في النقاش الذي طرحته دراسة "فصل السلطات والانسحاب من حلف الناتو"، التي تناولت مسألة جدلية في الفقه الدستوري الأمريكي: من يملك قرار الانسحاب من المعاهدات، الرئيس أم الكونغرس؟ وينطلق هذا الجدل من فجوة دستورية في المسألة، إذ تنص المادة الثانية من الدستور الأمريكي على منح الرئيس سلطة إبرام المعاهدات بمشورة وموافقة مجلس الشيوخ، إلا أنها لا تتطرق إلى كيفية إنهاء هذه المعاهدات.

"تنص المادة الثانية من الدستور الأمريكي على منح الرئيس سلطة إبرام المعاهدات بمشورة وموافقة مجلس الشيوخ، إلا أنها لا تتطرق إلى كيفية إنهاء هذه المعاهدات".

لقد خضعت القواعد التي تنظم انسحاب الولايات المتحدة من المعاهدات لممارسات وتفسيرات متغيرة، فعلى مدار القرن التاسع عشر، استقر العرف على أن الانسحاب يتم عبر قرار مشترك بين السلطة التنفيذية ممثلة في الرئيس، والسلطة التشريعية ممثلة في الكونغرس، بحيث يخول الكونغرس الرئيس اتخاذ إجراءات الانسحاب. غير أن هذا النمط بدأ يتغير تدريجيا، ففي عام 1899 أنهت إدارة الرئيس ويليام ماكينلي بعض بنود معاهدة تجارية مع سويسرا دون انتظار موافقة الكونغرس، ثم تكرر الأمر عام 1927 حين سحبت إدارة الرئيس كالفن كوليدج الولايات المتحدة من اتفاقية مع المكسيك بشأن منع التهريب.

مع مرور الوقت، تعزز نمط الانسحاب الأحادي بقرار رئاسي طيلة القرن العشرين، سواء بالنسبة للمعاهدات التي تحتوي على بنود انسحاب أو تلك التي لا تحتوي عليها. ويُعد الانسحاب من معاهدة الدفاع المشترك مع تايوان مثالا بارزا. ففي عام 1979، قررت إدارة الرئيس كارتر إنهاء المعاهدة الموقعة عام 1954 مع تايوان، في سياق التوجه نحو الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية، وذلك دون الحصول على موافقة مسبقة من الكونغرس.

وقد دفع هذا القرار عددًا من أعضاء الكونغرس إلى الطعن عليه أمام القضاء في قضية عرفت باسم "غولد ووتر ضد كارتر"، معتبرين أن الرئيس لا يملك سلطة الانسحاب الأحادي من معاهدة أبرمت بموافقة مجلس الشيوخ. غير أن المحكمة العليا لم تفصل في جوهر النزاع، واعتبرت القضية مسألة سياسية غير قابلة للتقاضي، ما ترك الباب مفتوحا أمام استمرار هذا النمط من الممارسة دون حسم دستوري.

إعلان

وفي عام 2020، قدم مكتب المستشار القانوني بوزارة العدل تفسيرا يذهب إلى أن الرئيس يتمتع بسلطة حصرية في الانسحاب من المعاهدات باعتبار ذلك جزءا من صلاحياته السيادية في إدارة العلاقات الخارجية، واحتج المكتب بسلطة الرئيس في عزل المسؤولين التنفيذيين المعينين بموافقة من الكونغرس. فرغم أن بند التعيينات لبعض المسؤولين التنفيذيين يشترط موافقة مجلس الشيوخ، قضت المحكمة العليا بأن للرئيس سلطة أحادية لعزلهم. ورغم أن آراء مكتب المستشار القانوني بوزارة العدل غير ملزمة للمحاكم أو الكونغرس، جرت العادة تاريخيا على اعتبارها ملزمة داخل السلطة التنفيذية الأمريكية.

لكن هذا التفسير واجه ردا تشريعيا عام 2023، حين أقر الكونغرس المادة "1250 إيه" ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2024، التي تحظر على الرئيس الانسحاب من معاهدة حلف الناتو أو تعليقها دون موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين أو صدور قانون من الكونغرس. ومع صدور التشريع الجديد تحول الانسحاب الأحادي إلى صراع مؤسسي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. فإذا قرر رئيس أمريكي الانسحاب من الناتو بشكل أحادي، فإن ذلك يضعه في مواجهة مع نص قانوني صريح، ويفتح الباب أمام طعون قضائية معقدة.

"أقر الكونغرس مادة ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2024، تحظر على الرئيس الانسحاب من معاهدة حلف الناتو أو تعليقها دون موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين أو صدور قانون من الكونغرس".

غير أن هذه الطعون ستصطدم بعقبات إجرائية، أبرزها مبدأ "المسألة السياسية"، الذي يدفع المحكمة العليا الأمريكية إلى تجنب التدخل في المسائل التي تختص بها السلطات السياسية. وفي حال تعذر الحسم القضائي، يظل أمام الكونغرس أدوات أخرى للتعامل مع أي محاولة انسحاب أحادي، تشمل حجب التمويل الحكومي، وحجب الموافقة على الترشيحات، والرقابة. وهو ما يعني أن مسألة الانسحاب من الناتو، لو طُرحت بقرار رئاسي، ستتحول إلى اختبار لتوازن القوى داخل النظام السياسي الأمريكي.

في ضوء ما سبق، يبدو أن سؤال انسحاب الولايات المتحدة من حلف الناتو يأتي ضمن محاولات إعادة تعريف موقع الحلف في الاستراتيجية الأمريكية. فالتوترات التي ظهرت من طرف الرئيس ترمب وإدارته مع اندلاع الحرب على إيران، والطرح الذي قدمه كولبي حول "الناتو 3.0″، والجدل القانوني داخل واشنطن حول صلاحيات الانسحاب، كلها مؤشرات تتحرك في اتجاه واحد، حتى وإن بدت متناقضة في بعض تفاصيلها.

قد لا يكون الانسحاب الكامل هو السيناريو الأكثر ترجيحا على المدى القريب، بالنظر إلى القيود القانونية، لكن المسار الجاري يشير إلى شيء آخر يتمثل في تقليص الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا تدريجيا، وربطه بشروط أكثر صرامة تتعلق بتقاسم الأعباء وتحديد الأولويات، وضمان أمن الدول التي تلبي شرط إنفاق نسبة 5% من ناتجها المحلي، والتخلي عن الالتزام بتطبيق المادة الخامسة من معاهدة الحلف، والتي تنص على الدفاع الجماعي عن أي دولة من دوله تتعرض لاعتداء.

وقد عبر أمين عام الحلف السابق ستولتنبرغ عن هذه النتيجة في قراءة بدت كأنها قراءة مستقبلية، حين قال في مذكراته الصادرة عام 2025 "ليس بالضرورة أن يحل حلف الناتو رسميا، بل يكفي أن يفقد معناه. يبقى حلف الناتو قائما أو ينهار بموجب الضمان الأمني. إذا أعلن رئيس أمريكي أنه لم يعد يرغب في الدفاع عن الحلفاء الآخرين، فإن معاهدة الناتو وضمانها الأمني لا قيمة لهما. العالم مليء بالمعاهدات عديمة القيمة، والآن قد تصبح معاهدة الناتو واحدة منها".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا