تحت شعار منع طهران من حيازة القنبلة النووية، شنت واشنطن وتل أبيب حربهما الحالية على إيران، مستندتين إلى أرقام للوكالة الدولية للطاقة الذرية تفيد بامتلاك إيران 408.6 كيلوغرامات من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، رغم تأكيد طهران المستمر على أنها لا تسعى للسلاح النووي، وأنها تنوي استخدام اليورانيوم المخصب لأغراض سلمية.
لكن المفارقة الكبرى اليوم، وبعد أسابيع من القصف المستمر، تتجلى في أن هذه الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية لم تفشل في القضاء على طموحات طهران فحسب، بل ربما وفرت لها دافعا وجوديا لامتلاك القنبلة، وأطلقت العنان لتأثير "دومينو" ينذر بإدخال العالم في حقبة من "الوفرة النووية" غير المسبوقة.
وقالت مجلة "تايم" الأمريكية في تقرير لها إن بعض الأنظمة قرأت الرسالة بوضوح من التاريخ الحديث. فمصير الزعيم الليبي معمر القذافي، والرئيس العراقي صدام حسين، اللذين أطيح بهما بعد التخلي عن برامجهما النووية، ماثل للعيان، فضلا عن أوكرانيا التي تندم بلا شك على تخليها الطوعي عن ترسانتها النووية.
وتعزز هذا الاقتناع بعد انسحاب ترمب من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018، مما سلط الضوء على "عبثية" عقد صفقات مع واشنطن المتقلبة، إذ يمكن لأي إدارة أن تمزق مواثيق سابقتها، وفقا للمجلة.
من هنا، ينقل التقرير عن راميش ثاكور، المفاوض السابق باسم الأمم المتحدة، قوله: "بالنسبة لإيران، الأسلحة النووية هي الآن الشيء الوحيد الذي سيضمن بقاء النظام.. فلماذا لا يسعون للحصول عليها؟".
وتوضح جينيفر كافانا، من مركز "أولويات الدفاع"، أن تدمير البنية التحتية للصواريخ الباليستية الإيرانية يجعل القنبلة النووية "أسرع طريق لاستعادة الردع لنظام أصبح أكثر تطرفا".
ويمتد "زحف الدومينو النووي" ليضرب مناطق حيوية أخرى:
شرق آسيا: استغل الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون المشهد، معلنا أن "الوضع الراهن يثبت أن بلاده كانت محقة في التمسك بترسانتها التي لا رجعة فيها".
وفي كوريا الجنوبية، قفز التأييد الشعبي لامتلاك نووي محلي إلى مستوى قياسي (76.2%). أما في اليابان، فقد دعا مسؤولون لفتح نقاش علني حول التخلي عن "المبادئ الثلاثة غير النووية".
وحتى تايوان، التي أجبرت سابقا على التخلي عن برنامجها السري، قد تفكر في إحيائه رغم إدراكها أنه سيمنح بكين "ذريعة جاهزة" للغزو.
أوروبا: تحت وطأة تهديدات ترمب لـ" الناتو"، تتصاعد في القارة العجوز نقاشات حول "تحالف وقائي جديد" ضد روسيا.
وأصبح مطروحا نشر الرؤوس النووية الفرنسية والبريطانية في شرق القارة، أو لجوء ألمانيا وبولندا لتطوير أسلحة خاصة بهما.
في تحليل مواز، يفكك فريد زكريا في " واشنطن بوست" حالة التخبط الأمريكية، واصفا إياها بأنها "كارثة". ويسلط الضوء على تهديد ترمب بمسح محطات الطاقة الإيرانية إذا لم يفتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة، ثم تراجعه السريع مدعيا وجود مفاوضات نفتها طهران.
ويصف زكريا السياسة الأمريكية بأنها تحولت إلى "برنامج تلفزيون واقع غريب"، مؤكدا أن واشنطن لا تستطيع إيقاف ما بدأته "لأن إيران تمتلك حق التصويت في هذه المعركة".
هذا المأزق يتجسد في تقرير "الغارديان"، الذي يشير إلى أنه بعد 4 أسابيع من حرب كلفت أمريكا 40 مليار دولار، تجد واشنطن نفسها أبعد ما تكون عن أي اتفاق. فقد فرضت طهران حصارا خانقا على مضيق هرمز عطل 95% من حركة المرور (10-13 مليون برميل يوميا)، وتحولت إلى ما يشبه "محطة تحصيل رسوم" قد تدر عليها 80 مليار دولار سنويا.
هذا الواقع دفع الرئيس السابق للاستخبارات البريطانية (MI6) للاعتراف بأن "إيران تمتلك اليد العليا"، في حين وصفت ميراف زونسزين من "مجموعة الأزمات الدولية" ما يجري بأنه "أحد أكبر الإخفاقات الإستراتيجية للغرب، مع عواقب هي الأهم على الاقتصاد العالمي منذ الحرب العالمية الثانية".
في خضم هذه الفوضى، تبرز المفارقة الأكثر سخرية ومرارة في ختام تحليل مجلة "تايم": هل كانت إيران تريد القنبلة النووية أصلا قبل هذه الحرب؟
يذكر التاريخ أن طهران وافقت طواعية في 2015 على اتفاق يحد التخصيب بـ3.67% ويمنح المفتشين وصولا غير مسبوق. وحتى تقارير وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي إيه) والوكالة الدولية أجمعت على أن "إيران لا تبني سلاحا نوويا".
ويحمل البعد الديني الأخلاقي وزنا هنا، إذ روى ثاكور عن رئيس إيراني سابق تأكيده أن أسلحة الدمار الشامل "غير إسلامية" لأنها لا تميز بين المدنيين وغيرهم، محذرا في الوقت ذاته من أن قدرة القيادة الدينية على ضبط "دوائر الأمن القومي" محدودة.
واليوم، قد تدفع هذه الحرب نظاما ومجتمعا كان متأرجحا بين اعتباراته الدينية والإستراتيجية إلى إعادة تعريف "المحرم" للحفاظ على بقائه. ومع نفاد الخيارات الدبلوماسية، واقتراب المهل الزمنية التي يحددها ترمب دون جدوى، نقلت "الغارديان" عن دبلوماسي مطلع مخاوفه المرعبة: "إذا لم يرَ ترمب مخرجا، فإنه قد يلجأ إلى استخدام سلاح نووي".
هكذا، فإن حملة عسكرية صممت لمنع دولة واحدة من امتلاك قنبلة، قد تفتح الباب على سيناريوهات خطيرة تصل إلى توجيه ضربة نووية أمريكية، وإشعال شرارة "عصر الوفرة النووية" في العالم أجمع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة