آخر الأخبار

الحوثيون وحرب إيران: ضبط النفس كخطوة محسوبة؟

شارك
مظاهرة لمؤيدي جاعة أنصار الله الحوثيين في العاصمة اليمنية صنعاء، بداية آذار/مارس 2026، تعبيرًا عن تضامنهم مع إيران وحزب الله في لبنانصورة من: Khaled Abdullah/REUTERS

كان تحذير ميليشيا الحوثيين باتخاذ "إجراءات مناسبة" إذا استمرت الحرب على إيران ، واضحًا، مشددين على أنّهم "لن يقفوا مكتوفي الأيدي"، بحسب ما نقلته مؤخرًا وسائل الإعلام عن بيان صادر من وزارة الخارجية اليمنية التابعة لجماعة الحوثي. وتابع البيان محذرًا من أنَّ أية محاولة لتوسيع الحرب أو إرسال قوات أجنبية إضافية ستكون لها تداعيات "بعيدة المدى".

قبل ذلك بأيام، صرح زعيم ميليشيا "حركة أنصار الله" الإسلامية الشيعية، عبد الملك الحوثي ، وفقا لتقرير نشرته وكالة أنباء الأناضول التركية أنَّ جماعته "مصممة على التدخل في الحرب إلى جانب إيران إذا اقتضت الضرورة. أو كما قال هو نفسه في رسالة مصورة تم بثها يوم الخميس الماضي: "نؤكد وقوفنا مع إيران ولبنان وفلسطين والمقدسات، وجهوزيتنا على مستوى الموقف العسكر ي لما تقتضيه تطورات الأحداث".

ومع ذلك لم تتدخل ميليشيا الحوثي، المرتبطة أيضًا بالنظام في طهران، حتى الآن في الحرب، بعكس حزب الله اللبناني . وعلى العكس من حرب غزة، التي شاركوا فيها بهجمات على سفن الشحن الدولية في البحر الأحمر .

مسلحون يؤيدون الحوثيين خلال مظاهرة في آذار/مارس 2026 ويحملون صور الزعيم الإيراني الذي تم اغتياله آية الله علي خامنئيصورة من: Mohammed Huwais/AFP

حسابات المكسب والخسارة

بحسب تحليل من وكالة أسوشيتد برس فإنَّ الحوثيين "يترددون" حتى الآن في المشاركة في القتال لعدة أسباب. أولها "الخشية من اغتيال قادتهم"، ثم "الانقسامات الداخلية في اليمن ، والشكوك في توريد الأسلحة". ويستنتج التحليل أنَّ هذا القرار "لا يعود إلى عدم الرغبة في التدخل"، بل هو مسألة توقيت - أي "ضبط نفس مقصود".

وكذلك يرى فيليب دينستبير، وهو مدير البرنامج الإقليمي لدول مجلس التعاون الخليجي في مؤسسة كونراد أديناور الألمانية، المقربة من الحزب المسيحي الديمقراطي ، مشيراً في حديثه إلى DW بأنّه "وضع معقد" من الصعب تقييمه من الخارج، في ظل وجود "عدة عوامل مؤثرة". فقد يكون تريث الحوثيين هدفه "زيادة الضغط العسكري بشكل كبير في وقت لاحق"، سواء على سفن الشحن في البحر الأحمر أو على منشآت الطاقة وبنيتها التحتية.

ويسترسل دينستبير حديثه حول "وضع إقليمي متغيّر" خاصة ما يتعلق بالمملكة العربية السعودية - التي تعد من الدول المستهدفة بالهجمات الإيرانية - والتي هي في ذات الفاعل الخارجي الرئيسي في اليمن. وبالتالي فإنَّ تدخل الحوثيين في الحرب الحالية يمكنه أن يشكل خطرًا على محاولات التوصل إلى حلِِّ سياسي دائم في اليمن نفسه - وهو خطر يبدو أنَّ الحوثيين يريدون تجنبه. ويضاف إلى ذلك الوضع الداخلي المتوتر في شمال البلاد، والذي يستدعي توخي المزيد من الحذر.

لوكا نيفولا، محلل شؤون دول الخليج واليمن في مشروع ACLED (بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة) ومقره بولاية ويسكونسن الأمريكية، يشارك دينستبير تقييمه للوضع، ويقول في حوار مع DW إنّ " الحوثيين حاليًا لا يلتزمون بضبط النفس فقط، بل هم في الواقع غير نشطين تمامًا". وحتى الآن لا توجد من جانبهم أية عمليات عسكرية مرتبطة بالحرب، بل مجرد "دعم رمزي" لإيران. وحسب الخبير يكمن السبب في تقييم موضوعي للتكلفة والأرباح، فــ ""ربما تصبح خسائرهم أكبر بكثير من مكاسبهم"، في حال دخلوا الحرب.

وتوصلت تحليلات أخرى إلى استنتاجات مشابهة. وعلى سبيل المثال كتبت وكالة رويترز للأنباء أنَّ دوافع الحوثيين "لا تزال في المقام الأول ذات طبيعة داخلية". ولكن سلوكهم المستقبلي قد يتغير بسرعة بحسب الديناميكيات الإقليمية والتحولات المحتملة في موازين القوى.

استقلالية نسبية عن إيران؟

وضمن هذا السياق يشدّد فيليب دينستبير على ما يعتبر من وجهة نظره "استقلالًا واسعًا" نسبيًا لميليشيا الحوثي عن إيران، على عكس الاعتقاد السائد. ويقول إنّ قراراتهم "لا" يتم اتخاذها ببساطة من قبل حليفهم وداعمهم الرئيسي في طهران؛ بل إنَّ الحوثيين يسعون لتحقيق مصالحهم الخاصة، حتى على المستوى العسكري، مثل توسيع قدراتهم في مجال المسيّرات. ويضيف دينستبير أنَّ هذه الاستقلالية النسبية "تُفسّر" عدم انخراطهم تلقائيًا في كل نزاع.

من جانبه، يلخص الخبير نيفولا وضع الحوثيين حاليا بأنهم "أصبحوا أضعف مقارنة بعام 2023"، وذلك بسبب الغارات الجوية الأمريكية السابقة، والضغط الاقتصادي، واستهداف قيادتهم بهحمات إسرائيلية. يضاف إلى ذلك اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع مع الولايات المتحدة الأمريكية ، والذي ما زالت جماعة الحوثي ملتزمة به حتى اللحظة. كما يضيف نيفولا أنَّ تقارب الحوثيين الحذر من السعودية في اليمن يعتبر بدوره عاملًا يتعارض حاليًا مع دخولهم الحرب.

رغم تداخل كل هذه العوامل، يشدد الخبراء في الوقت ذاته على أنّ احتمالية تدخل الحوثيين في الحرب "تبقى دائما ورادة" ومن الصعب التنبؤ بما يمكن أن يفعلوه. فهم كما يقول فيليب دينستبير "مرنون عسكريًا" ولازالت لديهم القدرة على استخدام الصواريخ وإسقاط المسيّرات، رغم تعرضهم لهجمات مكثفة. كما أنهم وهذا الأهم "مليشيات متناثرة"من الصعب احتواؤها.

مضيق باب المندب في البحر الأحمر - ممر نقل ملاحي اساسي للتجارة العالميةصورة من: ropean Union's Operation Aspides/AP/picture alliance

احتمالات للتصعيد

لا يجادل اثنان أن امتداد رقعة الحرب إلى مضيق باب المندب، سيكون له عواقب كارثية على التجارة العالمية.

وحسب الخبير الأمريكي نيفولا فأي تدخل للحوثيين يعني على الأرجح شنّ هجمات على سفن الشحن التجارية . وهي هجمات يمكن تنفيذها بجهد قليل نسبيًا، لكن رمزيتها ستحدث أضرارا اقتصادية قوية، وذلك ليس للسعودية التي تصدّر جزءًا كبيرًا من نفطها عبر البحر الأحمر فحسب، وإنما - بحسب الخبير دينستبير - سوف تتجاوز التداعيات حدود المنطقة ويزيد الضغط على أسواق الطاقة العالمية المتوترة أصلًا، ما سيمنح الصراع "زخمًا متزايدًا بشكل ملحوظ".

الحوثيون يهددون ولكنهم لا يفعلون. ربما لأنَّ الثمن قد يصبح مكلفاً جدًا بالنسبة لهم. لكن أيضاً، قد يكون التزامهم بضبط النفس جزءًا من استراتيجية متفق عليها مع إيران من أجل البدء في زيادة التصعيد من اليمن في مرحلة لاحقة تحددها تطورات الوضع. عند ذاك تكون مشاركة الحوثيين متعلقة ببساطة باختيار اللحظة المناسبة.

أعده للعربية: رائد الباش


DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا