كابل ـ بين كُتل الخرسانة المتناثرة وألواح الحديد الملتوية في موقع الانفجار الذي ضرب مركز "أميد" لعلاج الإدمان في العاصمة الأفغانية كابل، يتحرك محمد علي بخطوات متسارعة، ممسكا بصورة شقيقه، يقترب من المصابين، ويسأل رجال الإسعاف، ويُعيد السؤال ذاته لكل من يصادفه: "هل رأيتموه؟".
فمنذ مساء الاثنين، حين دوى الانفجار داخل المستشفى المخصص لعلاج مدمني المخدرات، لم يصل إليه أي خبر، ليدخل في دوامة بحث مفتوحة بين الأنقاض وأقسام الطوارئ، شأنه شأن عشرات العائلات التي تحوّل انتظارها إلى قلق ثقيل لا ينقطع.
في محيط المكان، تتشكّل حلقات من الأهالي، بعضهم يرفع صور مفقودين، وآخرون يكتفون بالوقوف بصمت قرب سيارات الإسعاف، يراقبون حركة النقالات جيئة وذهابا، على أمل أن تحمل إليهم إجابة.
وبين النداءات المتقطعة وأصوات الأجهزة الطبية، تتداخل مشاعر الخوف والرجاء، بينما يواصل متطوعون وعمال إنقاذ الحفر بأدوات بدائية، بحثا عن أي علامة حياة تحت الركام.
وكانت الحكومة الأفغانية، قد اتهمت باكستان بشن غارة جوية على مستشفى لإعادة تأهيل مدمني المخدرات في كابل، وهو ما نفته باكستان.
بعد ساعات على الانفجار، لا تزال رائحة الدخان عالقة في المكان، بينما تحيط سيارات الإسعاف والفرق الطبية بالمبنى المتضرر. ووفق ما أعلنته الحكومة الأفغانية، أسفر الهجوم حتى الآن عن مقتل نحو 400 شخص وإصابة قرابة 250 آخرين، معظمهم من المرضى المدنيين الذين كانوا يتلقون العلاج داخل المركز لحظة وقوع الضربة.
داخل الموقع، تتنقل فرق الإنقاذ بين الغرف المنهارة والممرات المتصدعة، تستخدم أجهزة كشف بسيطة، وأحيانا تعتمد على النداء بأسماء محتملة، علّ أحدا يُجيب من تحت الركام.
المشهد يشي بحالة من الفوضى المثقلة بالحزن، حيث تتجاور محاولات الإنقاذ مع لحظات الانهيار الإنساني، في صورة تعكس حجم الكارثة التي أصابت المدينة.
محمد علي، الذي لم يغادر المكان منذ وصوله، قال للجزيرة نت: "أخذتني الأخبار إلى هنا فور سماعي عن الانفجار، لم أعرف بعدُ إذا كان شقيقي حيا أم قد مات. نتحرك بين المصابين ونبحث في كل غرفة وكل ركن، وكل لحظة تمر تزيد قلقي".
ويضيف وهو يتفحص الوجوه الخارجة من سيارات الإسعاف: "القلق هنا يسيطر على كل شيء.. كل من حولي يبحث عن أحبائه، والوقت يمر ببطء شديد".
على بُعد أمتار، يرقد نقیب الله مجاهد بين المصابين، محاطا بضمادات وآثار حروق. يروي للجزيرة نت تفاصيل اللحظات التي سبقت الانفجار: "كنتُ أستخدم بعض المواد وأتيتُ إلى مركز "أميد" للعلاج، وبعد صلاة التراويح خرجنا من المسجد لننام في الغرف، وفجأة حدث الانفجار. رأيت أصدقائي ملقين حولي، أحدهم بلا يد، وآخر بلا قدم.. كانت لحظات صعبة جدا".
ويتابع بصوت متقطع: "ألم جسدي لا يقارن بما رأيته.. لقد فقدتُ الإحساس بالأمان تماما، ولم أعد أعرف إلى أين أذهب".
في زاوية أخرى، تجلس عائشة عزيز على الأرض، محاطة بأقارب يحاولون مواساتها. فقدت ابنها الذي كان يتلقى العلاج في المركز، وتقول للجزيرة نت: "ابني كان هنا لتلقي العلاج في المركز والآن فقدته تماما.. كل ما أراه حولي عائلات تبحث عن أحبائها، وهناك أطفال يبكون ويصرخون. لم نرَ شيئا كهذا من قبل".
بين أكوام الركام، يعمل أفراد الهلال الأحمر الأفغاني إلى جانب متطوعين، في محاولة للوصول إلى أي ناجٍ، ويقول محمد رسول أحد أعضاء الفريق، للجزيرة نت: "نحاول تفقّد كل الزوايا تحت الركام وإنقاذ أي ناجٍ قبل فوات الأوان، لكنّ الوضع صعب للغاية.. العدد الدقيق للضحايا لم يتضح بعدُ".
ويشير إلى أن عمليات نقل الضحايا مستمرة، مضيفا: "قمنا بنقل الجثث إلى مقبرة مارشال في منطقة سراي شمالي، لنضمن دفنهم بشكل لائق ونحافظ على سلامة المكان".
ويؤكد أن الأولوية لا تزال لعمليات البحث، وتابع: "الأولوية الآن هي الوصول إلى أي ناجين قبل فوات الأوان، لكن حجم الدمار والمصابين كبير جدا".
وعقب الانفجار، توالت ردود الفعل الدولية والدينية المنددة باستهداف منشأة طبية مدنية، فقد أصدر الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين بيانا شديد اللهجة، وصف فيه الهجوم بأنه جريمة كبرى ومخالفة للشريعة الإسلامية والقوانين الدولية، خاصة مع وقوعه في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، مؤكدا ضرورة وقف مثل هذه الأعمال واحترام حرمة الدماء.
وفي السياق ذاته، شدد الأزهر الشريف على أن استهداف المرضى والمرافق الصحية يمثل انتهاكا صارخا للقِيم الإنسانية وتعاليم الإسلام، معبّرا عن حزنه لسقوط الضحايا، وداعيا إلى حماية المدنيين وترسيخ قِيم الرحمة.
من جهته، قال حمد الله فطرت، نائب المتحدث باسم الحكومة الأفغانية، في تصريح للجزيرة نت: "الحكومة ترحّب ببيان الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين الذي أدان الهجوم على مركز "أميد"، ويعكس البُعد الأخلاقي والديني للكارثة.
وأضاف: "نحن ملتزمون بحماية المدنيين والمنشآت الصحية، وندعو إلى تضافر الجهود بين المجتمع المحلي والدولي والديني للحد من الانتهاكات، وتقديم الدعم للضحايا والمصابين".
على المستوى السياسي، يرى الخبير الأفغاني زين الله صهيب أن ما جرى يتجاوز كونه حادثة معزولة، إذ قال للجزيرة نت: إن استهداف مركز "أميد" يُمثل "نداء استيقاظ" للمجتمعين الدولي والإقليمي، محذرا من أن ضرب منشآت مدنية سيؤدي إلى تعميق التوترات وتقويض الثقة بين الأطراف.
وأضاف أن الهجوم يأتي في سياق أوسع من التصعيد الذي شهدته المنطقة في الأشهر الأخيرة، وقد ينعكس سلبا على أي مسارات دبلوماسية قائمة، موضحا أن استمرار استهداف المدنيين والمرافق الصحية يُعمّق الشعور بعدم الأمان، ويضع مزيدا من العقبات أمام جهود التهدئة.
وأشار صهيب إلى أن احتواء تداعيات ما حدث يتطلب تحركا دوليا جادا لضمان احترام القوانين الإنسانية، ومنع تكرار مثل هذه الهجمات، التي تزيد تعقيد المشهد الأمني والسياسي في البلاد.
وبينما تتواصل عمليات البحث في موقع الانفجار، تبقى عيون العائلات معلّقة بكل حركة، وكل إشارة، في انتظار خبر قد يُبدد الغموض أو يُثقل الفقد، في مشهد يلخص مأساة مدينة لا تزال تحصي ضحاياها تحت الركام.
أهالي يتفقدون الأنقاض الضخمة التي خلفها الانفجار (الجزيرة)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة