قال الكاتب الأمريكي توماس فريدمان إن قصف إيران وتدميرها لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير النظام ولا تحسين مستقبل البلاد، بل قد يقود إلى فوضى واسعة، ويجعل البلاد غير قابلة للحياة.
ويستهل الكاتب عموده -في صحيفة نيويورك تايمز– باستعادة ذكرياته من زيارة لطهران عام 1996، حين لاحظ شعار "الموت لأمريكا" مثبتا على جدار أحد الفنادق، في إشارة رمزية إلى مدى تجذر الخطاب المعادي للولايات المتحدة داخل بنية النظام الإيراني.
وأشار الكاتب إلى أنه كان يأمل آنذاك أن يتغلب تطلع الشباب الإيراني للانفتاح الاقتصادي على سياسات القيادة، لكن ذلك لم يحدث لأن النظام أكثر رسوخا مما كان يُعتقد.
وتساءل فريدمان بعد اندلاع الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران: ماذا لو كان ما هو ضروري مستحيلا؟ وماذا لو كان تحول إيران أكثر أهمية بكثير مما يعترف به منتقدو الحرب، لكنه في الوقت نفسه أصعب بكثير مما يفهمه مصممو هذه الحرب؟
وأوضح أن النظام الإيراني -رغم عدم شعبيته لدى كثير من المواطنين- متغلغل في مؤسسات الدولة والمجتمع، من البلديات والمدارس إلى الجيش والقطاع المصرفي والمليشيات المحلية، مما يجعل إسقاطه بالقوة العسكرية مخاطرة قد تدفع البلاد -التي تضم نحو 90 مليون نسمة- إلى فوضى شاملة بدل الانتقال إلى الديمقراطية.
ولا شيء يوضح مدى تجذر هذا النظام -حسب الكاتب- أكثر من حقيقة أن إيران استبدلت مرشدها الأعلى علي خامنئي -الذي قُتل في بداية الحرب- بابنه مجتبى خامنئي الذي يقال إنه أيضا من المتشددين.
ويرى فريدمان أن الحرب بدأت من دون تصور واضح لنهايتها، وانتقد ما يعتبره غياب إستراتيجية متماسكة لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وبدت تصريحات ترمب حول مستقبل إيران متناقضة -كما يرى فريدمان- إذ يتحدث عن تغيير النظام، ثم يقول إنه لا يهتم بمستقبل إيران، وفي اليوم التالي يقول إنه سيكون له رأي في اختيار زعيمها القادم، ثم يفتح باب التفاوض، وفي اليوم التالي يطلب "استسلاما غير مشروط".
أما نتنياهو فيرى مصلحة سياسية في إبقاء الصراع مفتوحا، وقد يكون -حسب الكاتب- سعيدا بتحويل إيران إلى غزة أخرى كبيرة، وأن يواصل ببساطة "جزّ العشب"، أي قمع التهديدات هناك بشكل دوري، وقد وصف إسرائيل بأنها إسبرطة الحديثة، علما بأن إسبرطة تحتاج إلى احتكاك عسكري دائم.
ونبه فريدمان إلى أن إبقاء إسرائيل في حالة حرب مع إيران وحركة المقاومة الإسلامية ( حماس) وحزب الله يمكّن نتنياهو من إطالة محاكمته بتهم الفساد، وتجنُّب تشكيل لجنة تحقيق بشأن فشله في منع هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأقر فريدمان بأن الضربات العسكرية ربما أضعفت قدرات إيران النووية والعسكرية، وهو ما قد يحد من تهديدها للمنطقة، ولذلك يرى أن الخيار الأكثر حكمة هو وقف القتال بعد تحقيق هذه الضربات أهدافها العسكرية الأساسية، وترْك المجال لما يسميه "سياسة اليوم التالي لليوم التالي".
وتعني سياسة اليوم التالي تلك الصراعات والنقاشات الداخلية التي قد تنشأ داخل النخبة الحاكمة في إيران، وبينها وبين المجتمع بعد توقف الحرب، ويرجح فريدمان أن تتصاعد الانتقادات داخل إيران نفسها بسبب الخسائر الاقتصادية والعسكرية الكبيرة التي تكبدتها البلاد.
ويحذر الكاتب -في المقابل- من أن استمرار القصف قد يؤدي إلى تدمير البنية التحتية المدنية والبيئية في إيران، مثل منشآت المياه والطاقة، مما قد يجعل البلاد غير قابلة للحياة.
ويخلص فريدمان إلى أن تغيير النظام -إن حدث- سيأتي غالبا من داخل النخبة الحاكمة نفسها بعد وقف الحرب، وليس نتيجة قصف متواصل يأمل أصحابه أن يؤدي تلقائيا إلى انتفاضة شعبية.
لذا يرى الكاتب أن أفضل ما يمكن أن تحققه الإستراتيجية العسكرية هو دفع إيران نحو مسار أقل عدائية، أما أسوأ ما قد تسببه فهو تحويلها إلى دولة منهارة وفوضوية، وهو سيناريو ستكون عواقبه كارثية على المنطقة بأسرها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة