آخر الأخبار

ميزانيات الخليج في زمن الصراع.. هل يصمد “حزام الأمان” المالي؟ | الحرة

شارك

لم تدخل دول مجلس التعاون الخليجي عام 2026 من موقع مالي مريح كليا. فمع إقرار الموازنات الجديدة في نهاية العام الماضي، كانت الحكومات تدرك أن المرحلة المقبلة تحمل ضغوطا متزايدة، مع عودة توقعات العجز إلى معظم الميزانيات بعد سنوات من الفوائض المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة.

لكن هذه المعادلة المالية تواجه الآن اختبارا أشد قسوة، بعدما امتد الصراع مع إيران بالفعل إلى دول الخليج التي تعرضت لضربات صاروخية، تزامنا مع إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وما تبعه من اضطراب واسع في الملاحة والأسواق.

عودة العجز إلى الموازنات

تعكس أرقام الموازنات الخليجية هذا التحول بوضوح. فقد أقرت السعودية ميزانية 2026 بعجز متوقع يبلغ نحو 165 مليار ريال (44 مليار دولار)، مع توقع ارتفاع الدين العام إلى 32.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وفي سلطنة عمان، قُدر عجز ميزانية العام نفسه بنحو 530 مليون ريال عماني (1.38 مليار دولار)، أي ما يعادل نحو 1.3 في المئة من الناتج المحلي. وتوقعت قطر عجزا يبلغ 21.8 مليار ريال (نحو 6 مليارات دولار)، في ظل ارتفاع الإنفاق الجاري وزيادة مخصصات القطاعات الحيوية، مع احتساب الإيرادات على أساس سعر نفط يقارب 55 دولارا للبرميل.

وفي الكويت، أظهر مشروع موازنة السنة المالية 2026–2027 عجزا متوقعا يبلغ 9.8 مليار دينار (نحو 32.1 مليار دولار)، مقابل إيرادات إجمالية تبلغ 16.3 مليار دينار. وتكشف الأرقام استمرار الاعتماد الكبير على النفط، الذي يمثل نحو 79 في المئة من الإيرادات الحكومية.

وتوقعت البحرين عجزا بنحو 1.077 مليار دينار بحريني في 2026 (نحو 2.85 مليار دولار)، في حين بدت الإمارات الاستثناء النسبي بعد إعلان ميزانية اتحادية متوازنة دون عجز.

ووفق تقديرات اقتصادية، بلغ الإنفاق الحكومي الخليجي خلال عامي 2025 و2026 نحو 542 مليار دولار، مع عجز متوقع يقارب 54 مليار دولار قبل اندلاع الأزمة الإقليمية. لكن هذه المعادلة المالية تواجه اختبارا أكثر صعوبة مع تصاعد التوتر العسكري في المنطقة.

“حزام أمان” مالي

رغم هذه الضغوط، يرى اقتصاديون أن دول الخليج لا تزال تمتلك أدوات مالية قوية مقارنة بكثير من اقتصادات الشرق الأوسط.

ويقول الكاتب الاقتصادي السعودي، إبراهيم المالك، إن دول الخليج تمتلك “حزام أمان ماليا قويا”، لكنه لا يشكل حصانة كاملة بقدر ما يمنح الحكومات “وقتا ومساحة لاتخاذ القرار وامتصاص الصدمة الأولى عبر الإنفاق أو الدعم أو تهدئة الأسواق”.

من جانبه، يرى أحمد بن سعيد كشوب، رئيس مركز المؤشر للاستشارات الاقتصادية والمالية، أن الفارق البنيوي بين اقتصادات الخليج ومعظم اقتصادات المنطقة يكمن في طبيعة المراكز المالية الحكومية.

ويقول إن كثيرا من اقتصادات الشرق الأوسط تدخل الأزمات وهي مثقلة بالديون أو محدودة الاحتياطيات الأجنبية، “بينما تدخلها دول الخليج من موقع الدول المالكة لأصول مالية ضخمة، لا من موقع الاقتصادات الباحثة عن التمويل الخارجي”.

وتمنح هذه الأصول، إضافة إلى العائدات النفطية، الحكومات مساحة أوسع للحفاظ على مستويات الإنفاق والاستثمار حتى في فترات التقلب الاقتصادي.

فارتفاع أسعار النفط، على سبيل المثال، يمكن أن يغير المعادلة بسرعة. ويشير كشوب إلى أن زيادة السعر بنحو 40 دولارا للبرميل، من 80 إلى 120 دولارا، قد تضيف نحو 640 مليون دولار يوميا إلى الإيرادات النفطية الخليجية، أي ما يقارب 230 مليار دولار سنويا.

لكن هذا الارتفاع يحمل بدوره مخاطر. فأسعار الطاقة المرتفعة قد تؤدي إلى تباطؤ اقتصادي عالمي يقلص الطلب على النفط لاحقا.

وفي تقرير حديث ، نقلت صحيفة فايننشال تايمز عن مصادر مطلعة أن الضغوط المتزايدة على ميزانيات الخليج قد تدفع بعض الحكومات إلى إعادة تقييم استثماراتها الخارجية والتزاماتها المالية في ظل تداعيات الحرب.

وتشير تقديرات وكالة فيتش إلى أن دول الخليج وبنوكها تمتلك عموما هوامش مالية كافية لتحمل نزاع إقليمي قصير المدى، لكنها تحذر في الوقت نفسه من أن استمرار التصعيد قد يضغط على الجدارة الائتمانية والسيولة في المنطقة.

قوة الصناديق السيادية

وتكمن إحدى أبرز نقاط القوة في اقتصادات الخليج في الصناديق السيادية، التي تقدر أصولها بنحو خمسة تريليونات دولار. وتشير تقديرات مؤسسات مثل Deloitte وGlobal SWF إلى أن الصناديق الخليجية تستحوذ على نحو 38 إلى 40 في المئة من إجمالي الأصول السيادية في العالم.

ويرى كشوب أن هذه الصناديق تشكل أداة رئيسية لإدارة الأزمات الاقتصادية، إذ تمنح الحكومات مرونة في دعم السيولة المحلية والاستمرار في تمويل المشاريع الاستراتيجية والبنية التحتية، حتى في أوقات التقلب.

كما أن اضطرابات الأسواق العالمية قد تفتح فرصا استثمارية جديدة للصناديق طويلة الأجل، التي غالبا ما تتحرك في أوقات الانخفاضات لشراء أصول بأسعار أقل.

لكن المالك يحذر من المبالغة في الاعتماد على هذه الصناديق كحل سريع لكل أزمة.

يقول إن الصناديق السيادية ليست “خط الدفاع الأول”، إذ يعتمد الاستقرار الاقتصادي أساسا على أدوات المالية العامة والسياسة النقدية والسيولة المصرفية، بينما تمثل الصناديق “خط دفاع استراتيجيا” يمنع الأزمات المؤقتة من التحول إلى اختلالات طويلة الأمد.

النفط والحرب.. سيناريوهان اقتصاديان

يعتمد المسار الاقتصادي للأزمة الحالية بدرجة كبيرة على مدة التصعيد العسكري وتأثيره على تدفقات الطاقة.

فإذا بقيت المواجهة محدودة، قد يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى تعزيز الإيرادات الحكومية لدول الخليج، ومنحها هامشا ماليا إضافيا للتعامل مع التقلبات.

أما إذا امتد الصراع ليشمل تعطيل إمدادات الطاقة أو الملاحة البحرية، فقد تقفز الأسعار إلى مستويات تقترب من 150 دولارًا للبرميل، ما يرفع تكاليف النقل والإنتاج عالميا.

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن اضطراب إمدادات الطاقة قد يكلف الاقتصاد العالمي ما بين ثلاثة وخمسة مليارات دولار يوميا نتيجة ارتفاع الأسعار وتعطل التجارة الدولية.

لكن التحدي الأكبر قد لا يأتي من أسعار النفط وحدها.

فالاقتصادات الخليجية تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية، ما يجعلها حساسة لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. ووفق تقديرات نقلتها رويترز، تستورد دول الخليج ما بين 80 و90 في المئة من غذائها، فيما يمر أكثر من 70 في المئة من هذه الواردات عبر مضيق هرمز.

ويحذر المالك من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع أو نقص بعضها، حتى مع وجود مخزونات غذائية تكفي عدة أشهر في بعض الدول.

اقتصاد قادر على الصمود.. لكن ليس محصنا

في النهاية، قد تمنح القوة المالية الخليجية الحكومات القدرة على تخفيف جزء من هذه الضغوط عبر الدعم الحكومي وتحمل جزء من تكاليف الغذاء والشحن والحفاظ على السيولة في الأسواق.

لكن هذه الأدوات، كما يقول المالك، لا تستطيع إلغاء أثر أزمة طويلة الأمد أو تعطيل ممرات التجارة الحيوية.

لذلك، تبدو اقتصادات الخليج اليوم في موقع أقوى من كثير من الاقتصادات الإقليمية لامتصاص الصدمة الأولى. غير أن العامل الحاسم في اختبار صلابتها لن يكون حجم الاحتياطيات أو الأصول السيادية فقط، بل مدة الأزمة نفسها، وما إذا كانت ستبقى مواجهة قصيرة أم تتحول إلى صراع أطول يعيد رسم معادلة الاستقرار الاقتصادي في المنطقة.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا