آخر الأخبار

التعتيم الانتقائي ..  لماذا تُعرض آثار الضربات في إيران وتُخفى في إسرائيل ؟

شارك


في سياق التغطية الإعلامية للتصعيد العسكري القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يظهر هذا النمط بوضوح. فعندما تُنقل أخبار الضربات الإسرائيلية أو الأمريكية داخل الأراضي الإيرانية، غالباً ما تُعرض المشاهد المصورة للانفجارات والدمار بتفاصيل دقيقة، وتُبث لقطات متكررة للمواقع المستهدفة، وتُرافقها تحليلات مطولة حول دقة الضربة ونجاحها العسكري. هذا التركيز البصري والزمني يخلق لدى المشاهد إحساساً قوياً بفاعلية تلك العمليات وبقدرتها على إحداث تأثير واسع.

في المقابل، عندما يتم الحديث عن الضربات الإيرانية باتجاه إسرائيل أو نحو المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة، فإن التغطية في كثير من الأحيان تأتي بصيغة خبر مختصر أو تقرير سريع، من دون عرض واسع للصور أو متابعة تفصيلية لآثار الضربة. ورغم أن الحدث نفسه قد يكون مهماً من الناحية العسكرية أو السياسية، فإن غياب الصورة والتكرار والتحليل يقلل من حضوره في وعي الجمهور، ويجعل تأثيره يبدو محدوداً مقارنة بالأحداث الأخرى.

وتتجلى آلية أخرى من آليات التأثير في البعد الإنساني للتغطية. فعند الحديث عن الضحايا في الجانب الإسرائيلي، قد تُروى قصص فردية بتفاصيل إنسانية دقيقة: اسم المصاب، مكان إصابته، طريقة نقله إلى المستشفى، وردود فعل عائلته أو الأطباء. هذه التفاصيل تمنح الحدث بعداً إنسانياً وتخلق تعاطفاً مباشراً لدى المشاهد. أما عند الحديث عن الضحايا في إيران، فغالباً ما يُكتفى بذكر أعداد القتلى أو الجرحى في صيغة رقمية عامة، ما يحوّل المأساة الإنسانية إلى مجرد إحصاء.

كذلك يظهر التفاوت في اختيار الضيوف والخبراء الذين يتم استضافتهم في البرامج التحليلية. فإتاحة مساحة أكبر للمسؤولين أو المحللين المرتبطين بالرواية الإسرائيلية أو الأمريكية يمنحهم القدرة على تفسير الأحداث وفق رؤيتهم، بينما يكون حضور الطرف الإيراني أقل أو يُقدَّم في سياق دفاعي. ومع تكرار هذا النمط تتكرس رواية محددة لدى الجمهور باعتبارها التفسير الأكثر حضوراً ووضوحاً.

ولا يقتصر الأمر على الضيوف، بل يمتد إلى نوع الأسئلة المطروحة في النقاشات الإعلامية. فغالباً ما يجري التركيز على الأزمات الاقتصادية والاجتماعية داخل إيران أو على احتمالات الانقسام السياسي فيها، ما يخلق صورة عن مجتمع يعيش تحت ضغط داخلي شديد. وفي المقابل يتم إبراز جوانب التماسك والاستعداد الدفاعي داخل إسرائيل، عبر التقارير التي تتحدث عن منظومات الدفاع الجوي أو التنسيق بين المؤسسات الحكومية والعسكرية.

اللغة الإعلامية نفسها تشكل أداة مهمة في هذا السياق. فالتكرار المستمر لعبارات مثل "تم اعتراض الصواريخ" أو "لم تُسجل خسائر كبيرة" عند الحديث عن الضربات الموجهة نحو إسرائيل يرسخ في ذهن الجمهور صورة عن فعالية الدفاعات وقدرتها على احتواء الهجمات. وفي الوقت نفسه قد تُعرض صور إطلاق الصواريخ الإيرانية أو قدراتها التدميرية بشكل واسع، بينما يقل عرض نتائجها الفعلية على الأرض، ما يخلق فجوة بين صورة السلاح وصورة تأثيره الحقيقي.

كما يمكن أن يلعب بعض الصحافيين والمراسلين دوراً في إعادة إنتاج الرسائل الصادرة عن المؤسسات العسكرية، مثل نقل بيانات التحذير أو الإخلاء أو التصريحات الرسمية بصورة متكررة، من دون وضعها في إطار تحليلي أوسع. ومع تكرار هذه الرسائل تصبح جزءاً من السردية الإعلامية اليومية، بما يعزز حضور رواية طرف معين في الفضاء العام.

في النهاية، يكمن جوهر التلاعب الإعلامي في القدرة على ترتيب الوقائع الصحيحة ضمن إطار سردي محدد. فعبر تكثيف الضوء على نتائج الضربات الإسرائيلية والأمريكية داخل إيران، مقابل تقليل الاهتمام بتأثير الضربات الإيرانية على إسرائيل أو على القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، يمكن بناء انطباع عام بأن ميزان القوة يميل بشكل كامل إلى طرف واحد. وبهذه الطريقة لا يتم خداع الجمهور بالكذب الصريح، بل بتوجيه انتباهه نحو جزء من الصورة وإبعاده عن أجزاء أخرى، وهو ما يؤدي تدريجياً إلى تشكيل قناعة عامة بأن النتائج محسومة وأن الطرف الآخر عاجز عن إحداث تأثير حقيقي، لكن في النهاية تظل هذه الأساليب طريقة يلجأ إليها المهزومون والضعفاء لتغطية فشلهم.

تقرير: إبراهيم القانص

في أوقات الحروب تتضاعف أهمية الإعلام، ليس فقط بوصفه ناقلاً للأخبار بل بوصفه جهة قادرة على تشكيل إدراك الجمهور لما يجري. فالتلاعب الإعلامي لا يعتمد بالضرورة على اختلاق الأكاذيب أو تزوير الوقائع، بل يمكن أن يتم عبر أساليب أكثر دقة، مثل اختيار ما يُعرض وما يُهمَل، وكيف تُصاغ الرواية، وكم مرة يتكرر الخبر، وما الزاوية التي يُقدَّم من خلالها. ومن خلال هذه الأدوات يمكن توجيه الرأي العام نحو استنتاجات محددة، حتى عندما تكون المعلومات الأساسية صحيحة.

في سياق التغطية الإعلامية للتصعيد العسكري القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يظهر هذا النمط بوضوح. فعندما تُنقل أخبار الضربات الإسرائيلية أو الأمريكية داخل الأراضي الإيرانية، غالباً ما تُعرض المشاهد المصورة للانفجارات والدمار بتفاصيل دقيقة، وتُبث لقطات متكررة للمواقع المستهدفة، وتُرافقها تحليلات مطولة حول دقة الضربة ونجاحها العسكري. هذا التركيز البصري والزمني يخلق لدى المشاهد إحساساً قوياً بفاعلية تلك العمليات وبقدرتها على إحداث تأثير واسع.

في المقابل، عندما يتم الحديث عن الضربات الإيرانية باتجاه إسرائيل أو نحو المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة، فإن التغطية في كثير من الأحيان تأتي بصيغة خبر مختصر أو تقرير سريع، من دون عرض واسع للصور أو متابعة تفصيلية لآثار الضربة. ورغم أن الحدث نفسه قد يكون مهماً من الناحية العسكرية أو السياسية، فإن غياب الصورة والتكرار والتحليل يقلل من حضوره في وعي الجمهور، ويجعل تأثيره يبدو محدوداً مقارنة بالأحداث الأخرى.

وتتجلى آلية أخرى من آليات التأثير في البعد الإنساني للتغطية. فعند الحديث عن الضحايا في الجانب الإسرائيلي، قد تُروى قصص فردية بتفاصيل إنسانية دقيقة: اسم المصاب، مكان إصابته، طريقة نقله إلى المستشفى، وردود فعل عائلته أو الأطباء. هذه التفاصيل تمنح الحدث بعداً إنسانياً وتخلق تعاطفاً مباشراً لدى المشاهد. أما عند الحديث عن الضحايا في إيران، فغالباً ما يُكتفى بذكر أعداد القتلى أو الجرحى في صيغة رقمية عامة، ما يحوّل المأساة الإنسانية إلى مجرد إحصاء.

كذلك يظهر التفاوت في اختيار الضيوف والخبراء الذين يتم استضافتهم في البرامج التحليلية. فإتاحة مساحة أكبر للمسؤولين أو المحللين المرتبطين بالرواية الإسرائيلية أو الأمريكية يمنحهم القدرة على تفسير الأحداث وفق رؤيتهم، بينما يكون حضور الطرف الإيراني أقل أو يُقدَّم في سياق دفاعي. ومع تكرار هذا النمط تتكرس رواية محددة لدى الجمهور باعتبارها التفسير الأكثر حضوراً ووضوحاً.

ولا يقتصر الأمر على الضيوف، بل يمتد إلى نوع الأسئلة المطروحة في النقاشات الإعلامية. فغالباً ما يجري التركيز على الأزمات الاقتصادية والاجتماعية داخل إيران أو على احتمالات الانقسام السياسي فيها، ما يخلق صورة عن مجتمع يعيش تحت ضغط داخلي شديد. وفي المقابل يتم إبراز جوانب التماسك والاستعداد الدفاعي داخل إسرائيل، عبر التقارير التي تتحدث عن منظومات الدفاع الجوي أو التنسيق بين المؤسسات الحكومية والعسكرية.

اللغة الإعلامية نفسها تشكل أداة مهمة في هذا السياق. فالتكرار المستمر لعبارات مثل "تم اعتراض الصواريخ" أو "لم تُسجل خسائر كبيرة" عند الحديث عن الضربات الموجهة نحو إسرائيل يرسخ في ذهن الجمهور صورة عن فعالية الدفاعات وقدرتها على احتواء الهجمات. وفي الوقت نفسه قد تُعرض صور إطلاق الصواريخ الإيرانية أو قدراتها التدميرية بشكل واسع، بينما يقل عرض نتائجها الفعلية على الأرض، ما يخلق فجوة بين صورة السلاح وصورة تأثيره الحقيقي.

كما يمكن أن يلعب بعض الصحافيين والمراسلين دوراً في إعادة إنتاج الرسائل الصادرة عن المؤسسات العسكرية، مثل نقل بيانات التحذير أو الإخلاء أو التصريحات الرسمية بصورة متكررة، من دون وضعها في إطار تحليلي أوسع. ومع تكرار هذه الرسائل تصبح جزءاً من السردية الإعلامية اليومية، بما يعزز حضور رواية طرف معين في الفضاء العام.

في النهاية، يكمن جوهر التلاعب الإعلامي في القدرة على ترتيب الوقائع الصحيحة ضمن إطار سردي محدد. فعبر تكثيف الضوء على نتائج الضربات الإسرائيلية والأمريكية داخل إيران، مقابل تقليل الاهتمام بتأثير الضربات الإيرانية على إسرائيل أو على القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، يمكن بناء انطباع عام بأن ميزان القوة يميل بشكل كامل إلى طرف واحد. وبهذه الطريقة لا يتم خداع الجمهور بالكذب الصريح، بل بتوجيه انتباهه نحو جزء من الصورة وإبعاده عن أجزاء أخرى، وهو ما يؤدي تدريجياً إلى تشكيل قناعة عامة بأن النتائج محسومة وأن الطرف الآخر عاجز عن إحداث تأثير حقيقي، لكن في النهاية تظل هذه الأساليب طريقة يلجأ إليها المهزومون والضعفاء لتغطية فشلهم.

في أوقات الحروب تتضاعف أهمية الإعلام، ليس فقط بوصفه ناقلاً للأخبار بل بوصفه جهة قادرة على تشكيل إدراك الجمهور لما يجري. فالتلاعب الإعلامي لا يعتمد بالضرورة على اختلاق الأكاذيب أو تزوير الوقائع، بل يمكن أن يتم عبر أساليب أكثر دقة، مثل اختيار ما يُعرض وما يُهمَل، وكيف تُصاغ الرواية، وكم مرة يتكرر الخبر، وما الزاوية التي يُقدَّم من خلالها. ومن خلال هذه الأدوات يمكن توجيه الرأي العام نحو استنتاجات محددة، حتى عندما تكون المعلومات الأساسية صحيحة.

في سياق التغطية الإعلامية للتصعيد العسكري القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يظهر هذا النمط بوضوح. فعندما تُنقل أخبار الضربات الإسرائيلية أو الأمريكية داخل الأراضي الإيرانية، غالباً ما تُعرض المشاهد المصورة للانفجارات والدمار بتفاصيل دقيقة، وتُبث لقطات متكررة للمواقع المستهدفة، وتُرافقها تحليلات مطولة حول دقة الضربة ونجاحها العسكري. هذا التركيز البصري والزمني يخلق لدى المشاهد إحساساً قوياً بفاعلية تلك العمليات وبقدرتها على إحداث تأثير واسع.

في المقابل، عندما يتم الحديث عن الضربات الإيرانية باتجاه إسرائيل أو نحو المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة، فإن التغطية في كثير من الأحيان تأتي بصيغة خبر مختصر أو تقرير سريع، من دون عرض واسع للصور أو متابعة تفصيلية لآثار الضربة. ورغم أن الحدث نفسه قد يكون مهماً من الناحية العسكرية أو السياسية، فإن غياب الصورة والتكرار والتحليل يقلل من حضوره في وعي الجمهور، ويجعل تأثيره يبدو محدوداً مقارنة بالأحداث الأخرى.

وتتجلى آلية أخرى من آليات التأثير في البعد الإنساني للتغطية. فعند الحديث عن الضحايا في الجانب الإسرائيلي، قد تُروى قصص فردية بتفاصيل إنسانية دقيقة: اسم المصاب، مكان إصابته، طريقة نقله إلى المستشفى، وردود فعل عائلته أو الأطباء. هذه التفاصيل تمنح الحدث بعداً إنسانياً وتخلق تعاطفاً مباشراً لدى المشاهد. أما عند الحديث عن الضحايا في إيران، فغالباً ما يُكتفى بذكر أعداد القتلى أو الجرحى في صيغة رقمية عامة، ما يحوّل المأساة الإنسانية إلى مجرد إحصاء.

كذلك يظهر التفاوت في اختيار الضيوف والخبراء الذين يتم استضافتهم في البرامج التحليلية. فإتاحة مساحة أكبر للمسؤولين أو المحللين المرتبطين بالرواية الإسرائيلية أو الأمريكية يمنحهم القدرة على تفسير الأحداث وفق رؤيتهم، بينما يكون حضور الطرف الإيراني أقل أو يُقدَّم في سياق دفاعي. ومع تكرار هذا النمط تتكرس رواية محددة لدى الجمهور باعتبارها التفسير الأكثر حضوراً ووضوحاً.

ولا يقتصر الأمر على الضيوف، بل يمتد إلى نوع الأسئلة المطروحة في النقاشات الإعلامية. فغالباً ما يجري التركيز على الأزمات الاقتصادية والاجتماعية داخل إيران أو على احتمالات الانقسام السياسي فيها، ما يخلق صورة عن مجتمع يعيش تحت ضغط داخلي شديد. وفي المقابل يتم إبراز جوانب التماسك والاستعداد الدفاعي داخل إسرائيل، عبر التقارير التي تتحدث عن منظومات الدفاع الجوي أو التنسيق بين المؤسسات الحكومية والعسكرية.

اللغة الإعلامية نفسها تشكل أداة مهمة في هذا السياق. فالتكرار المستمر لعبارات مثل "تم اعتراض الصواريخ" أو "لم تُسجل خسائر كبيرة" عند الحديث عن الضربات الموجهة نحو إسرائيل يرسخ في ذهن الجمهور صورة عن فعالية الدفاعات وقدرتها على احتواء الهجمات. وفي الوقت نفسه قد تُعرض صور إطلاق الصواريخ الإيرانية أو قدراتها التدميرية بشكل واسع، بينما يقل عرض نتائجها الفعلية على الأرض، ما يخلق فجوة بين صورة السلاح وصورة تأثيره الحقيقي.

كما يمكن أن يلعب بعض الصحافيين والمراسلين دوراً في إعادة إنتاج الرسائل الصادرة عن المؤسسات العسكرية، مثل نقل بيانات التحذير أو الإخلاء أو التصريحات الرسمية بصورة متكررة، من دون وضعها في إطار تحليلي أوسع. ومع تكرار هذه الرسائل تصبح جزءاً من السردية الإعلامية اليومية، بما يعزز حضور رواية طرف معين في الفضاء العام.

في النهاية، يكمن جوهر التلاعب الإعلامي في القدرة على ترتيب الوقائع الصحيحة ضمن إطار سردي محدد. فعبر تكثيف الضوء على نتائج الضربات الإسرائيلية والأمريكية داخل إيران، مقابل تقليل الاهتمام بتأثير الضربات الإيرانية على إسرائيل أو على القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، يمكن بناء انطباع عام بأن ميزان القوة يميل بشكل كامل إلى طرف واحد. وبهذه الطريقة لا يتم خداع الجمهور بالكذب الصريح، بل بتوجيه انتباهه نحو جزء من الصورة وإبعاده عن أجزاء أخرى، وهو ما يؤدي تدريجياً إلى تشكيل قناعة عامة بأن النتائج محسومة وأن الطرف الآخر عاجز عن إحداث تأثير حقيقي، لكن في النهاية تظل هذه الأساليب طريقة يلجأ إليها المهزومون والضعفاء لتغطية فشلهم.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا