آخر الأخبار

نبيه بري في مواجهة الكونغرس: هل انقلب السحر على الساحر؟ | الحرة

شارك

“السيد بري يمثل مشكلة كبيرة، وهو موجود في منصبه منذ 34 عاما.. لقد تركه الجميع بمفرده لأجيال، بينما تقبع ثروته الضخمة مع أقاربه في ديربورن بميشيغان”. بهذه الكلمات القاسية، حطّم النائب الأميركي الجمهوري داريل عيسى، في أروقة الكونغرس، صورة “رجل الدولة” التي حاول رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري إيصالها إلى دوائر القرار الغربية على مدى عقود.

لم يكن كلام عيسى مجرد انتقاد سياسي عابر، بل كان تمهيدا لطرح مشروع قانون حمل اسم “قانون نزاهة الانتخابات في لبنان وحماية تصويت المغتربين لعام 2026”. هذا القانون، الذي تقدم به عيسى مع زميله دارين لحود في الثاني من فبراير الجاري، يضع رأس الهرم التشريعي اللبناني في مرمى العقوبات المباشرة، معتبرا أن حماية حقوق الناخبين اللبنانيين، بمن فيهم أولئك الموجودون في الخارج، هي “مصلحة للأمن القومي للولايات المتحدة”.

ويُقدر عدد اللبنانيين المنتشرين حول العالم بأكثر من عشرة ملايين، غير أن من يملكون حق الاقتراع فعليا لا يتجاوزون نحو مليون ونصف المليون، بسبب قيود قانونية تتصل بالتسجيل والأوراق الثبوتية، وفق ما يوضح الأستاذ في القانون الدولي والناشط السياسي علي مراد. ويبقى ثقل الاغتراب السياسي، خصوصا بعد موجة الهجرة الواسعة منذ انتخابات 2022، مرهونا بتعديلات قانون تصويت المغتربين المعلق بقرار مجلس النواب ورئيسه نبيه بري.

في انتخابات العام 2022، سجّل حوالي 225 الف لبناني أسماءهم للمشاركة في الانتخابات، لكن لم يقترع منهم إلا حوالي 141 الفا، يقول مراد لـ”الحرة،” وإذا تسنى للمغتربين اللبنانيين أن يقترعوا هذه المرة، فإن الأعداد ستكون أكبر، خصوصا أن أكثر من 450 ألف لبناني غادروا لبنان منذ الانتخابات الماضية وهؤلاء يريدون محاسبة الطبقة السياسية، كما يقول مراد.

وكان داريل عيسى قد شارك، كمواطن لبناني، في التصويت في الانتخابات النيابية اللبنانية الماضية التي جرت صيف العام 2022، والتي سُمح فيها للمغتربين بالتصويت، كما قال في جلسة الاستماع التي شهدتها لجنة الخارجية في الكونغرس.

الجلسة حملت عنوان “السياسة الأميركية تجاه لبنان: عقبات تفكيك قبضة حزب الله على السلطة”. شارك فيها ثلاثة باحثين من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، وتناولت دور الجيش اللبناني والمساعدات الأميركية وناقشت بشكل مفصّل دور برّي “التعطيلي” كما وصفه الباحث والمساعد السابق لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط، ديفيد شينكر.

خلال جلسة الاستماع، أجمع الباحثون المشاركون بشكل تام على أن بري يشكل العائق الرئيسي أمام أي عملية إصلاحية في لبنان. وأكد الباحثان شنكر وزميلته حنين غدار أن بري، الذي يشغل منصبه منذ عقود، قد برع في “تشويه الدستور” وعرقلة تنفيذ القوانين التي تضمن قيام ديمقراطية حقيقية.

وركز باحثو معهد واشنطن في شهاداتهم، أيضا، على أن بري هو “حارس بوابة” المنظومة التي تمنع إصلاح قانون الانتخابات، وتحديدا ما يتعلق بضمان حق ملايين اللبنانيين في الاغتراب من التصويت بحرية، معتبرين أن استمراره في هذا النهج يستوجب ضغوطا أميركية، بما في ذلك فرض عقوبات لردع سياسة التعطيل الممنهج التي يتبعها.

حكاية بري مع أميركا والغرب ليست وليدة اليوم. بري، الذي ولد في سيراليون عام 1938، نشأ في بيئة شيعية جنوبية ترى في الاغتراب نافذة على العالم. وكما يصفه روبرت فيسك في كتابه “ويلات وطن”، فإن بري هو “وليد الأعراف اللبنانية”؛ ذاك الشاب الذي درس الحقوق وحمل أفكارا بعثية قبل أن يسحره الإمام موسى الصدر، ظل دائما “متذوقا للحضارة الغربية”.

في الستينييات والسبعينيات، كما يلاحظ فيسك، كان برّي يرتدي الألبسة الغربية الأنيقة، ويفضل السجائر الفرنسية، بل وحصل على بطاقة الإقامة الأميركية، الغرين كارد، (ليس معروفا إذا كان لا يزال يحافظ عليها) بعد ان أقام فترة لدى أقاربه في ولاية ميشيغان، وعاش مع زوجته الأولى (ليلى) هناك، وأنجب منها خمسة أولاد بينهم بكره مصطفى وابنه الآخر عبدالله اللذان قد يلعبان ادوارا سياسية في خلافته مستقبلا.

لكن اليوم، يبدو ان أمورا كثيرة تتبدل. مشروع القانون الجديد المطروح أمام الكونغرس، يمنح الرئيس الأميركي سلطة فرض عقوبات على أي شخص أجنبي يقرر الرئيس أنه “شارك في، أو رعى، أو قدم دعما ماديا لأعمال تشكل عرقلة لتصويت المغتربين”. وبالنسبة لمقدمي المشروع، لم يعد بري “صمام أمان”، بل أصبح يجسد ما وصفه القانون بـ “النخب السياسية الفاسدة” التي مارست تاريخيا “تأثيرا سلبيا على العمليات السياسية في لبنان”.

ويعرّف القانون “عرقلة تصويت المغتربين” بدقة تشمل أي عمل “يمنع، أو يحد، أو يؤخر، أو يتلاعب بقدرة المواطنين اللبنانيين المقيمين في الخارج على التصويت”. وهذا يضرب مباشرة في صلب الاتهامات التي وجهها ديفيد شينكر لبري في جلسة الاستماع، واصفا إياه بالمسؤول عن عرقلة الإصلاح الانتخابي وتهميش ملايين المغتربين.

وقد يكون التحول الأبرز في التحرك ضد بري في الكونغرس، هو ملاحقة “ثروة” بري المرتبطة بأقربائه في ديربورن في ولاية ميشيغان، التي أشار إليها عيسى خلال مشاركته في الجلسة. ينص مشروع القانون تحت بند “تجميد الأصول” على منع وحظر جميع المعاملات في الممتلكات والمصالح إذا كانت هذه الممتلكات “في الولايات المتحدة، أو تدخل إليها، أو تقع تحت حيازة أو سيطرة شخص أميركي”.

بالإضافة إلى ذلك، فإن بري وأمثاله من “المعطلين” قد يواجهون بموجب مشروع القانون “عدم الأهلية للحصول على تأشيرات أو دخول الولايات المتحدة”، مع “إلغاء أي تأشيرة حالية فورا”.

أتقن نبيه بري لسنوات لعبة التوازنات في السياسة و”اللعب على حبلين” ببراعة في تعامله مع الداخل والخارج: يخاطب “حزب الله” بلغة “المقاومة”، وواشنطن بلغة الدستور والمؤسسات والدور البرلماني. مشروع القانون المطروح أمام الكونغرس يهدد بإنهاء هذه الازدواجية، ويطالب القانون، في حال إقراره، بتقديم تقرير خلال 60 يوماً يحدد كل شخص أجنبي تورط في هذه الأعمال، مع تقييم لدور “الكيانات المدعومة من إيران” في انتخابات مايو 2026.

لم يعد بري، كما يراه مشروع القانون، وباحثو معهد واشنطن “حلال المشاكل”، بل أصبح يجسد “المشكلة” نفسها. ومع ان برّي يوصف لبنانياً بأنه “ساحر” في تمكنه من التلاعب بالقوانين اللبنانية والالتفاف عليها في البرلمان اللبناني، الا ان “سحره” هذا لا ينفع داخل أروقة الكونغرس، ما قد يجعل السحر ينقلب على الساحر.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا اسرائيل إيران مصر

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا