الدوحة- أجمع خبراء وباحثون على رفض المطالب الخارجية بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية، معتبرين أن "السؤال المعكوس" يجب أن يتوجه نحو نزع سلاح الاحتلال الإسرائيلي الذي قتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين ودمر مئات آلاف المنازل.
وفي مقابلات مع الجزيرة، على هامش فعاليات منتدى الجزيرة 17 الذي تستمر فعالياته حتى غد الاثنين، حذر المحللون من أن "خطة ترمب" تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية عبر فرض وصاية دولية على قطاع غزة من دون تقديم أفق سياسي واضح لتحقيق السيادة الفلسطينية. مؤكدين أن الإدارة الأمريكية تسعى لـ"شراء الوقت" عبر طرح أفكار "هلامية" تفتقر إلى التفاصيل العملية، في ظل غياب تصور إستراتيجي كامل لمستقبل القضية.
وبيّن الخبراء أن القضية الفلسطينية تواجه تحديات وجودية تتطلب ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي عبر إنهاء الانقسام وبناء شراكة وطنية حقيقية، محذرين من أن القيادة الفلسطينية الحالية ما زالت منشغلة بتطبيق اتفاق أوسلو الذي "مات وتجاوزه الزمن"، بدلا من فتح البيت الفلسطيني لإعادة بنائه وفق شروط وطنية لا وفق استحقاقات يفرضها الأعداء.
يمثل ملف المقاومة الفلسطينية وسلاحها أحد أبرز القضايا الخلافية في مرحلة ما بعد الحرب، حيث تتصاعد الضغوط الخارجية لنزع سلاح فصائل المقاومة مقابل إدخال المساعدات وإعادة الإعمار، لكن المحللين يرون في هذا المطلب "انحرافا" عن جوهر المشكلة المتمثل في الاحتلال ذاته.
وقال المدير العام لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات محسن صالح إن المقاومة حققت منجزات كبرى عبر طوفان الأقصى، من بينها "اهتزاز كبير في حالة الكيان الإسرائيلي، وخسائر كبيرة بشريا وعسكريا واقتصاديا، وتدهور في المكانة العالمية"، إضافة إلى "ضرب مشاريع التطبيع ومسارات التسوية، واستعادة ثقة الشعب الفلسطيني، وحالة إلهام للأمة".
وشدد صالح على أن "فكرة نزع سلاح المقاومة هو سؤال معكوس"، موضحا ذلك بأن "الذي هاجم قطاع غزة هو العدو الإسرائيلي، والذي قتل 77 ألف فلسطيني، معظمهم الأطفال والنساء والشيوخ، هو الجيش الإسرائيلي، والذي دمّر أكثر من 330 ألف منزل تدميرا تاما هو الاحتلال الإسرائيلي".
وتساءل: "إذا كان هناك كلام عن نزع سلاح، فيفترض أن يكون نزع سلاح العدو المحتل وإنهاء الاحتلال".
ومن زاوية أخرى للمقاومة، نظر مدير المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات) هاني المصري إلى أن المقاومة "حق وواجب للشعب الفلسطيني"، لكنه لفت إلى أن "اختيار شكلها يجب أن يرتبط بالجدوى والظروف المحيطة".
وأوضح المصري أن "الظروف العربية والدولية الحالية تشير إلى أن المقاومة الشعبية والمقاطعة وفرض العقوبات على إسرائيل ربما تكون أكثر تأثيرا في الوقت الراهن، خاصة مع صعود الرواية الفلسطينية وتعزز حركة التضامن الدولي".
ولكن المدير العام لمركز الزيتونة رد على هذا الرأي بأن استطلاعات الرأي تؤكد أن "خط المقاومة ظل يحظى بأكبر شعبية فلسطينية طوال سني المعركة في طوفان الأقصى وبأغلبيات كبيرة"، مشيرا إلى أن المقاومة تدخل الآن "مرحلة التقاط أنفاس، وإعادة ترتيب الصفوف" استعدادا لـ"انطلاقة جديدة أفضل وأقوى".
تواجه "خطة السلام" التي أطلقتها الإدارة الأميركية لإدارة المرحلة الانتقالية في قطاع غزة انتقادات واسعة من الباحثين الذين التقتهم الجزيرة، إذ يرون فيها محاولة لفرض وصاية دولية على القطاع دون تقديم أفق سياسي حقيقي للاستقلال الفلسطيني.
ووصف المصري الخطة بأنها "معادية، وتهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية وفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية"، محذرا من أنها "تسعى إلى تحميل الفلسطينيين مسؤولية العنف، بينما لا تطالب إسرائيل بأي التزامات منطقية"، ودعا إلى "إفشال هذه الخطة من خلال تعزيز الوحدة الوطنية".
أما أستاذ العلاقات الدولية في جامعة قطر حسن البراري فأكد أن (الرئيس الأمريكي دونالد) ترمب "كان طموحا في أن يحصل على جائزة نوبل للسلام"، لافتا إلى أن الخطة "كلها في سياق إدارة النزاع وليس في سياق حله ".
وشدد البراري على أنه "لو جاء كل هذا الموضوع في مسار يفضي إلى سيادة فلسطينية ودولة فلسطينية مستقلة لفهمنا ذلك، لكنه لا يطرح هذ".
وحول مجلس السلام الدولي، قال نحن لا نعرف بالضبط كيف سيتصرف مجلس السلام، ومن سيكون عضوا فيه؟ وما صلاحياته؟ وماذا عن سلاح المقاومة؟ وماذا عن إعادة الإعمار؟ "هذه كلها أسئلة مقلقة".
وأوضح أن ترمب "يتحدث عن عامين من الآن، وتحدث عن مسار سياسي ولم يتحدث عن دولة فلسطينية". واعتبر أن الخطة تهدف إلى "شراء وقت، لأنه ليس بجعبتهم بالفعل تصور إستراتيجي كامل لمستقبل القضية الفلسطينية".
يشكل الانقسام الفلسطيني أحد أبرز العوائق أمام تحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني. وأجمع المتحدثون على ضرورة إنهاء الانقسام وبناء شراكة وطنية حقيقية لمواجهة المخططات الخارجية.
إذ يقول مدير المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات إن "أزمة النظام السياسي الفلسطيني من المواضيع البارزة، حيث تكشف عن أبعاد الانقسام الذي تسبب في خسائر إضافية كان بالإمكان تجنبها". وأضاف "للأسف، لم توحد حرب الإبادة الفلسطينيين كما كان ينبغي".
وحذر من "محاولات مستمرة لتعيين تمثيل غير فلسطيني للقطاع"، مؤكدا أن "القضية الفلسطينية تواجه تحديات وجودية، وإذا لم يقم الفلسطينيون بترتيب صفوفهم وتوحيد رؤيتهم وقيادتهم فإن المستقبل قد يحمل مزيدا من المصاعب".
وعلى نحو مباشر، انتقد محسن صالح القيادة الفلسطينية الحالية، قائلا إنها "لم تفتح الأبواب لشراكة فلسطينية حقيقية، لا سيما قوى المقاومة"، مضيفا أن "القيادة منشغلة بشكل كبير في محاولة تطبيق اتفاق أوسلو، بينما اتفاق أوسلو نفسه تقريبا مات وتجاوزه الزمن".
وأشار إلى أن القيادة "منشغلة بما يُعرف برضاء الجانب الأمريكي وتنفيذ الالتزامات المتعلقة بضرب المقاومة في الضفة الغربية"، محذرا من أنها "تحاول أن تقدم نفسها بديلا في قطاع غزة عن خط المقاومة".
ودعا صالح إلى "برنامج وطني فلسطيني بالحد الأدنى في مواجهة خطة السلام"، مشددا على أنه "يفترض بقيادة منظمة التحرير أن تعيد فتح البيت الفلسطيني لإعادة بنائه من جديد وفق شروط وطنية فلسطينية، وليس وفق استحقاقات يفرضها الأعداء".
طرح المحللون عدة سيناريوهات لمستقبل غزة، تتراوح بين النجاح الجزئي لخطة ترمب والتآكل التدريجي لها، وصولا إلى احتمال معاودة الحرب.
فمدير مركز الزيتونة قال إن "الحرب كحرب لم تنتهِ، فهناك جولة من الجولات انتهت، لكن الحرب في مواجهة الاحتلال لم تتوقف". مضيفا "الشعب الفلسطيني لن يتوقف عن مقاومته حتى ينهي الاحتلال، فالصراع مستمر ومفتوح".
وحدد صالح سيناريوهات محتملة، مثل:
من جانبه، أشار أستاذ العلاقات الدولية بجامعة قطر إلى أن إسرائيل "لا تعرف كيف تدير غزة"، واعتبر أنها أقرب إلى الوضع الراهن، أي إبقاء الأمور كما هي". وأكد أن "واحدة من مشاكل إسرائيل الآن أنهم يتحدثون عن اليوم التالي، لكنهم لا يعرفون بالضبط إستراتيجية اليوم التالي".
وختم البراري تصريحاته بأن " المجتمع الدولي الرسمي لم تغيره الحرب كثيرا، وما زالت الاصطفافات كما هي". لكنه أشار إلى أن "المجتمع المدني الدولي تغير باتجاه القضية الفلسطينية"، مؤكدا أن "هذا المجتمع المدني لا تترجم أفكاره إلى سياسات رسمية".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة