لتقديم صورة عن أحوال أمريكا ومستقبلها، وهي تشهد حملة قوية لمكافحة الهجرة غير النظامية، اختار الكاتب نيكولاس كريستوف سرد قصة رجلين احتلا صدارة المشهد الإعلامي والسياسي وباتا يجسدان، في نظره، رؤيتين متناقضتين لأمريكا.
وفي مقال بصحيفة نيويورك تايمز تحت عنوان "ليس علينا أن نكون هكذا"، يروي كريستوف قصة أليكس بريتي، وهو ممرض يبلغ من العمر 37 عاما قُتل من طرف ضباط فدراليين في مدينة مينيابوليس (ولاية مينيسوتا)، وقصة غريغوري بوفينو، الذي كان حتى أيام قليلة مضت يقود الضباط الفدراليين المعنيين بالهجرة في المدينة نفسها.
وحسب الكاتب، فإن كل واحد من الرجلين يمثل مجموعة مختلفة من القيم، ويوضح أن خيارات كل واحد منهما تساعد في الجواب عن السؤال الذي يطرح نفسه: هل نريد أن نعيش في أمريكا التي يمثلها بريتي؟ أم في أمريكا التي يمثلها بوفينو؟
ولتوضيح الأمور أكثر، يذكر الكاتب أن الراحل بريتي كان مشبعا بقيم العدالة الاجتماعية ويصفه زملاؤه بأنه كان ودودا ومتعاطفا، وكانت الابتسامة لا تفارق محياه، وتتجسد قيمه وروحه الوطنية في أنه اختار العمل في مستشفى يعنى بالمحاربين القدامى.
وقال مايكل بريتي، والد أليكس إن ابنه كان شديد الاهتمام بالناس وكان منزعجًا جدا مما يحدث في مينيابوليس وفي جميع أنحاء الولايات المتحدة مع وكالة الهجرة والجمارك. ويضيف الكاتب أن الراحل كان حساسًا وشجاعًا في الوقت نفسه، حيث حاول في لحظاته الأخيرة حماية امرأة مُعرّضة للخطر.
وفي تفاصيل تلك الواقعة أن ضباطا فدراليين هاجموا تلك المرأة، ودفعوها بقوة إلى الأرض وتدخل بريتي ليحول بينها وبين أحدهم قبل أن يمسك به مجموعة منهم ويلقوه أرضا ويأخذوا سلاحه الناري المرخص، ويطلقوا عليه 10 رصاصات أردته قتيلا.
في مقابل بريتي، يجسد بوفينو وجها آخر للرجولة عنوانها الغطرسة والقوة كما تعبر عنها إدارة الرئيس دونالد ترمب. انضم بوفينو إلى دورية الحدود في عام 1996، لكن مسيرته المهنية أصبحت لافتة منذ العام الماضي، بعد أن لاحظت إدارة ترمب، أسلوبه العدواني واختارته لإدارة عملية كبرى في لوس أنجلوس قادها بشراسة.
كما أشرف بوفينو بنفس الأسلوب على سلسلة من العمليات المماثلة في شيكاغو بلغت أوجها بإطلاق أحد مرؤوسيه النار على مواطنة أمريكية وهي جالسة في سيارتها، ثم اتهمها مسؤولو الإدارة بأنها "إرهابية" هاجمتهم.
ورغم تلك التجاوزات أرسل مسؤولو إدارة ترمب، بوفينو لإدارة عملية مكافحة الهجرة في مينيابوليس والتي قتلت فيها رينيه غود (37 عاما، أم لثلاثة أطفال) أولاً، ثم بريتي.
ومن خلال مساري بريتي وبوفينو، يوضح الكاتب أن الأمر ليس فقط قصة رجلين وإنما هي في الوقع قصة أمريكتين مختلفتين، لأن بوفينو لم يكن يتصرف من تلقاء نفسه، بل كان يطبق سياسة الرئيس ترمب.
ويضع الكاتب ما يجرى في مينيابولس من مقاومة مدنية لعناصر إنفاذ قوانين الهجرة، في سياق تاريخي ويقول إنها تذكره بما عاشته أمريكا في الستينيات في أوج حركة الحقوق المدَنية عندما كانت قوات إنفاذ القانون تستخدم خراطيم المياه وكلاب الشرطة ضد المتظاهرين السلميين.
ويشير الكاتب إلى أنه في ذلك الوقت، كانت الولايات هي التي تستخدم العنف، بينما كانت العناصر الفدرالية تحاول كبح جماح السلطات المحلية؛ أما الآن فقد أصبح الوضع معكوسا.
ويذكر كريستوف أن معارك الحقوق المدنية في أمريكا حُسمت جراء صدمة الرأي العام إزاء وحشية الشرطة في التعامل مع المتظاهرين، وهو ما يحصل حاليا حيث يتزايد اشمئزاز الشارع من سفك الدماء ويدفع الناس لاتخاذ موقف حازم إزاء هذا السؤال: "أي أمريكا نختار؟".
المصدر:
الجزيرة