لم يكن الرحيل يوما خيارا حرا في حياة كثير من السوريين، بل هو قدر يتكرر بأسماء مدن مختلفة، وملامح متشابهة من الخوف والفقد. من دمشق التي غادروها هربا من الحرب، إلى الخرطوم التي لجأوا إليها بحثا عن الأمان، ثم إلى نزوح جديد فرضته حرب أخرى، وجد سوريون أنفسهم يسيرون في دائرة مغلقة من المنافي، حاملين معهم ذاكرة مثقلة، وقلوبا أنهكها البدء من الصفر.
لسنوات، شكل السودان محطة أمان نسبي لكثير من السوريين. لم تكن الخرطوم مجرد مدينة لجوء، بل مساحة حياة جديدة، اختلطت فيها اللهجات، وتجاورت العادات، ونسجت علاقات إنسانية تجاوزت حدود الجنسية. في الأسواق، وفي الأحياء الشعبية، وفي البيوت المفتوحة على الضيافة، وجد السوريون وجها آخر للعروبة، أقل صخبا، وأكثر حميمية.
كان محمود الصباغ واحدا من هؤلاء. هرب من بطش النظام السوري المخلوع، ووصل إلى السودان مثقلا بالخوف، لكنه سرعان ما وجد ما لم يكن يتوقعه. هناك، التقى زوجته ياسمين، وهناك بدأ فصل جديد من حياته.
يروي محمود كيف كان القلق يرافقه في بدايات اندماجه "كنت متخوفا جدا.. التقاليد مختلفة، وخفت ألا يتقبلوني".
لكن مخاوفه سرعان ما تلاشت. "كانوا طيبين، وسهلوا علي كل شيء"، يقول، مستعيدا تفاصيل عرسه الذي أقيم على الطريقة السودانية، بطقوس مختلفة، وثقافة يصفها بأنها "غنية وبسيطة في آن واحد".
أنشأ محمود عائلته في السودان، وأنجب أطفاله هناك، حتى أصبحت الخرطوم وطنا ثانيا، أو ربما وطنا مؤقتا طال الثواء به أكثر مما كان متوقعا. غير أن الحرب لا تعترف بالاستقرار، ومع اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، انهار الإحساس بالأمان مرة أخرى.
"أحسست أنني غريب بعد كل هذه السنوات"، يقول محمود وهو يجلس بين زوجته وأطفاله الثلاثة.
غربة في المكان الذي يفترض أن يكون الوطن، وحنين إلى مدينة احتضنته يوما ثم لفظته الحرب.
قصة رغدة كريدي لا تقل قسوة. لجأت إلى السودان مع زوجها بحثا عن حياة آمنة، لكنها فقدته هناك بعد إصابته بمرض السرطان. لم يكن المرض وحده هو العدو، بل الفقر والعجز عن تحمل تكاليف العلاج.
تحاول رغدة أن تتحدث بهدوء، لكنها لا تخفي مرارة التجربة.
تكاليف العلاج كانت باهظة، ومحاولات نقل زوجها إلى مصر باءت بالفشل. ومع تدهور الوضع المالي، اضطرت الأسرة إلى ترك المنزل والانتقال إلى مخيم، بعد أن عجزت عن دفع الإيجار.
ومع ذلك، لا تختزل رغدة سنواتها في السودان بالألم وحده. تتذكر المدن التي زارتها، والناس الذين التقتهم، والأفراح التي حضرتها.
"حضرت أعراسا سورية سودانية"، تقول، وكأنها تتمسك بتلك اللحظات الصغيرة لتقاوم ثقل الفقد.
لم تكن مأساة السوريين في السودان معزولة عن السياق العام. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، دخل السودان واحدة من أسوأ أزماته الإنسانية. آلاف القتلى، وملايين النازحين، ودولة تتآكل من الداخل.
تشير أحدث بيانات الأمم المتحدة إلى أن 9.3 ملايين شخص لا يزالون نازحين داخل السودان، في حين فر أكثر من 4.3 ملايين عبر الحدود، في موجة لجوء تضغط بقسوة على الدول المجاورة. وفي الوقت نفسه، يعاني أكثر من 21 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
وسط هذه الأرقام، تضيع القصص الفردية، لكن معاناة السوريين تكشف وجها مضاعفا للأزمة: لاجئون اضطروا للجوء من جديد، وناجون من حرب وجدوا أنفسهم في قلب حرب أخرى.
بين دمشق والخرطوم، وبين وطن يستعاد بشعور الغربة، ومدينة تفقد بالقوة، يعيش السوريون حالة إنسانية مركبة، لا يملك فيها الإنسان سوى ذاكرته، وبعض الذكريات الجميلة التي يرفض أن تذوب في ركام الحروب.
هي قصص أناس لم يختاروا الرحيل، لكنهم ما زالوا، رغم كل شيء، يحاولون إعادة بناء الحياة… كل مرة، من جديد.
المصدر:
الجزيرة