تظهر وثيقة إنجازات الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتجاها واضحا لتقديم قرارات سياسية وإدارية على أنها إنجازات نهائية محسومة الأثر، رغم أن كثيرا منها ما زال في طور التنفيذ أو الاختبار، أو يرتبط بنتائج معقدة لا تقاس في أشهر قليلة.
تكمن الإشكالية الأساسية في هذه الوثيقة في الخلط بين القرار والنتيجة. فالقرار حقيقة قانونية يمكن توثيقها فور صدورها، أما النتيجة فهي حقيقة بيانات لا تتشكل إلا مع الزمن.
ففي السياسة الخارجية، جرى تسويق أطر وقف إطلاق نار وخطط سلام وعقوبات وردع عسكري بوصفها نجاحات مكتملة، بينما تشير الوقائع إلى أن هذه الملفات بطبيعتها ديناميكية وهشة، وقد تنتكس عند أول اختبار ميداني أو تغير في موازين القوى.
وقف النار لا يعني نهاية الحرب، والعقوبات لا تعني بالضرورة تغييرا في سلوك الدول المستهدفة، والردع لا يصبح إنجازا إلا إذا ثبت استمراره عبر الزمن.
ومن منظور التحقق الصحفي، لا يستقيم توصيف أي سياسة بوصفها "إنجازا" إلا عندما تُظهر الأدلة المستقلة أنها حققت أثرا مستداما، لا لمجرد الإعلان عنها في لحظة سياسية بعينها.
تضمنت "وثيقة الإنجازات" في البند رقم (141) أن الإدارة الأميركية "أنهت الحرب بين إسرائيل وحماس عبر فرض إطار لوقف إطلاق النار، وتأمين إطلاق سراح المحتجزين، وإقرار خطة سلام تاريخية لغزة".
عبر مراجعة التقارير الميدانية والتقارير الدولية، خلص فريق "الجزيرة تحقق" إلى أن هذا الادعاء غير دقيق، إذ تشير المعطيات حتى مطلع العام الحالي إلى استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في مناطق إستراتيجية داخل قطاع غزة، كما تُظهر صور الأقمار الصناعية تحركات ميدانية مستمرة.
وتعمل إسرائيل بشكل شبه يومي على تعديل ما يُعرف بـ" الخط الأصفر" الوارد في خريطة ترامب، في وقت لم تتوقف فيه العمليات العسكرية وعمليات الاستهداف ونسف المنازل، وكان آخرها استهداف ثلاثة صحفيين يعملون مع اللجنة المصرية في غزة.
ذكرت الوثيقة في بندها رقم (144) أن الرئيس ترامب "توسط في عقد اتفاق سلام بين الهند وباكستان".
غير أن تتبع البيانات الرسمية الصادرة عن نيودلهي وإسلام آباد، إلى جانب مراجعة الوضع الميداني في إقليم كشمير، يُظهر عدم دقة هذا الادعاء.
إذ تتبنى الهند سياسة ثابتة ومعلنة ترفض أي وساطة من طرف ثالث، وتؤكد أن أي قضايا عالقة يجب أن تُحل ثنائيا ضمن إطار "اتفاقية سيملا" و"إعلان لاهور".
كما تُظهر التقارير الميدانية استمرار الانتشار العسكري على جانبي خط السيطرة في كشمير، ومع غياب أي اتفاقية سلام شاملة، تبقى حالة التأهب العسكري قائمة، وهو ما يتناقض مع توصيف الوضع على أنه "سلام محقق".
ورد في "الوثيقة" في "الإنجاز" رقم (148) أن الرئيس ترامب "توسط في عقد اتفاق سلام بين مصر وإثيوبيا"، غير أن فريق "الجزيرة تحقق" وجد أن هذا الإنجاز غير صحيح ويفتقر إلى أي سند قانوني أو دبلوماسي.
فلا يوجد أي سجل رسمي لدى الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي يثبت توقيع معاهدة سلام أو اتفاق قانوني ملزم بين القاهرة وأديس أبابا في العام المنصرم بشأن أزمة سد النهضة.
كما تشير البيانات الرسمية الصادرة عن البلدين في عام 2025 إلى استمرار الخلافات الفنية والقانونية، في وقت واصلت فيه إثيوبيا عمليات الملء السادس للسد دون تنسيق مسبق، مما دفع مصر إلى تقديم احتجاجات رسمية دولية، وهو ما ينفي وجود تسوية نهائية أو "حالة سلام".
قالت وثيقة البيت الأبيض في "الإنجاز" رقم (151) إن الإدارة الأميركية "دمرت قدرات إيران من الأسلحة النووية عبر عمل عسكري منسق، وتصعيد العقوبات، وعمليات استخباراتية".
وبعد مراجعة التقارير التقنية والاستخباراتية الدولية، خلص فريق "الجزيرة تحقق" إلى أن هذا "الإنجاز" يندرج تحت "المبالغة السياسية" ويفتقر للأدلة الميدانية.
إذ لم تصدر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أي تقرير يفيد بخروج المنشآت النووية الإيرانية (مثل مفاعل نطنز ومفاعل فوردو) عن الخدمة بشكل كامل نتيجة عمل عسكري.
وتظهر التقارير الميدانية وصور الأقمار الصناعية استمرار وجود كاميرات المراقبة ورصد أنشطة تقنية في تلك المواقع، مما ينفي فرضية "التدمير الكلي".
ذكرت الوثيقة، في البندين (159–160)، أن الإدارة الأميركية "توصلت إلى وقف لإطلاق النار مع جماعة الحوثيين في اليمن، وأعادت حرية الملاحة في البحر الأحمر للسفن التي ترفع العلم الأميركي”، بالتزامن مع إعادة تصنيفهم "منظمة إرهابية أجنبية".
غير أن بيانات حركة السفن العالمية تُظهر أن شركات شحن كبرى لا تزال تتجنب العبور عبر مضيق باب المندب، مفضلة طريق رأس الرجاء الصالح.
وفي السياق نفسه، لم يصدر عن الحوثيين أي بيان يؤكد وجود اتفاق لوقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، بل لا يزال خطابهم الإعلامي يصف الوجود الأميركي في البحر الأحمر بالعدوان.
تعكس "وثيقة الإنجازات" التي نشرها البيت الأبيض فجوة عميقة بين الخطاب السياسي الموجه للاستهلاك الداخلي، وبين الحقائق الجيوسياسية المعقدة على أرض الواقع.
فبينما تحاول الإدارة الأميركية رسم صورة "لزعيم نجح في إطفاء بؤر الصراع العالمي وتأمين المصالح الوطنية في عام واحد"، تكشف أدلة التحقق الصحفي أن معظم هذه "النجاحات" لا تزال مجرد مشاريع مؤجلة أو تهدئات هشة تفتقر إلى الضمانات القانونية والموافقة الدولية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة