آخر الأخبار

حرب الرقائق والبيانات ـ معضلة أوروبا في مواجهة التجسس الصيني

شارك
يعيش الأوروبيين ضغطا فيما يخص حماية مؤسساتهم ومواطني بلدانهم من التجسس الخارجي صورة من: Colourbox/B. Korber


يعتزم الاتحاد الأوروبي التخلص التدريجي من معدات الاتصالات التي تُوردها شركات مقرها في دول تصنف كونها "عالية المخاطر" والمستخدمة في البنية التحتية الحيوية، مثل شبكات الاتصالات فائقة السرعة، في خطوة ينظر إليها على أنها تستهدف الشركات الصينية، بما فيها هواوي وزد.تي.إي.

وتأتي الإجراءات المقترحة والمعلن عنها منذ أمس الثلاثاء (20 يناير/كانون الثاني 2026) من المفوضية الأوروبية لتعزيز الأمن السيبراني، وسط مخاوف متزايدة من أن الدول الـ 27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عرضة لمخاطر هيمنة كل من صناعة التكنولوجيا الصينية المتقدمة وخدمات شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة.

تخلص تدريجي من "مصدر الخطر"

وبموجب مسودة التشريع التي أصدرتها المفوضية وهي الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، سيتم التخلص التدريجي من معدات الاتصالات من الموردين المصنفين من فئة "عالي المخاطر" في دول غير أوروبية خلال ثلاث سنوات.

ولا تتضمن المقترحات أي ذكر صريح للدول أو الشركات، إلا أن مصطلح "عالي الخطورة" استخدم سابقا للإشارة إلى دول مثل الصين ، موطن عملاق التكنولوجيا هواوي، التي تعد أكبر مصنع لمعدات شبكات الاتصالات في العالم، لكنها ممنوعة من دخول الولايات المتحدة منذ فترة طويلة.

وقالت المفوضية الأوروبية عام 2023 إن دول الاتحاد الأوروبي محقة في تقييد أو استبعاد شركتي هواوي زد.تي.إي الصينيتين من توريد معدات شبكات الجيل الخامس للاتصالات، نظرا لما تشكله من مخاطر أعلى.

إلا أن التدابير السابقة للاتحاد الأوروبي بشأن الأمن السيبراني لشبكات الجيل الخامس كانت توصيات أو إجراءات طوعية، مما أدى إلى تباين في تطبيقها بين دول الاتحاد، حيث اشترت بعض الدول الأعضاء معدات اتصالات صينية في حين امتنعت أخرى. وبموجب القواعد الجديدة، ستصبح تدابير الأمن السيبراني إلزامية لكل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

من ناحيتها قالت هواوي، بصفتها "شركة تعمل بشكل قانوني في أوروبا"، إنها تحتفظ بحقها في حماية "مصالحها المشروعة". وأضافت الشركة في بيان: "إنّ المقترح التشريعي الذي يهدف إلى تقييد أو استبعاد الموردين من خارج الاتحاد الأوروبي بناء على بلد المنشأ، بدلا من الأدلة الواقعية والمعايير الفنية، يعد انتهاكا للمبادئ القانونية الأساسية للاتحاد الأوروبي، وهي العدالة، وعدم التمييز، والتناسب، فضلا عن التزاماته بموجب اتفاقية منظمة التجارة العالمية".

اتهامات للصين بمحاولة زعزعة استقرار الغرب

على الرغم من نفي قيادة بكين، فقد حذر الخبراء لسنوات من محاولات الصين المتكررة لزعزعة استقرار الديمقراطيات الغربية. وتُضفي الاعتقالات الأخيرة في ألمانيا مزيدا من المصداقية على هذه التحذيرات.

وقد رفض وانغ وينبين، أحد المتحدثين الرسميين باسم وزارة الخارجية الصينية بشدة مزاعم التجسس خلال ندوة صحفية، مدعيا أن الأمر مُبالغ فيه. واتهم المتحدث ألمانيا بمحاولة التلاعب بالخطابات السياسية من خلال هذه الأحداث الأخيرة، مؤكدًا أن الهدف واضح: زعزعة أجواء التعاون بين الصين وأوروبا.

ازدادت أجهزة الاستخبارات والمراقبة الصينية قوةً في السنوات الأخيرة، وتستخدم هذه الأجهزة تقنيات مثل التعرف على الوجوه والذكاء الاصطناعي. ولا يقتصر دورها على مراقبة منتقدي الحكومة والأقليات كالأويغور داخل الصين، بل إن أجهزة الاستخبارات والأمن في جميع أنحاء العالم تُشير منذ سنوات إلى النفوذ والتجسس الصيني في الخارج.

ألمانيا على رأس المستهدفين

تُستخدم معدات هواوي وزد تي إي على نطاق واسع في شبكات الهاتف المحمول الألمانية. ومنذ إطلاق الجيل الرابع من الاتصالات المتنقلة قبل حوالي 15 عاما، شكلت هواوي وزد تي إي العمود الفقري لشبكات الهاتف المحمول الألمانية (تيليكوم، وفودافون، وخاصةً O2 تيليفونيكا).

وقدّمت الشركتان الصينيتان المصنّعتان للمعدات أحدث التقنيات بأسعار يصعب على المنافسين الأوروبيين مثل إريكسون ونوكيا مجاراتها.

يوم الاثنين، أُلقي القبض على رجلين وامرأة في ولايتي هيسن وشمال الراين-وستفاليا، حسب صحيفة تاغس شاو الألمانية، يُزعم أنهم حصلوا على معلومات حول تكنولوجيا عسكرية بهدف تمريرها إلى جهاز المخابرات الصيني. يوم الثلاثاء، أُلقي القبض أيضًا على ماكسيميليان كراه، الموظف في حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) وعضو البرلمان الأوروبي، في ولاية ساكسونيا. يُزعم هو الآخر أنه تجسس لصالح الصين.

يحذر المكتب الاتحادي لحماية الدستور، وجهاز مكافحة التجسس العسكري، وجهاز المخابرات الفيدرالي بشكل متزايد من محاولات التجسس الصينية في ألمانيا.

وبداية الشهر الماضي، كانت السلطات الألمانية تحقق في شبهات تجسس بعد هجوم إلكتروني على حزب ميرتس، وقد تولى الادعاء العام الألماني الاتحادي التحقيقات في الهجوم الإلكتروني الذي استهدف العام الماضي الحزب المسيحي الديمقراطي، الذي يتزعمه المستشار فريدريش ميرتس، للاشتباه في أن الهجوم كان بدافع التجسس الاستخباراتي.

وتشير تقارير إعلامية سابقة إلى أن هناك خيوطا تقود إلى الصين في هذه القضية. ورفض الحزب المسيحي الديمقراطي التعليق على الأمر بسبب استمرار التحقيقات. وتعرض الحزب لهجوم إلكتروني قبل انتخابات البرلمان الأوروبي في ربيع 2024، حيث تمكن قراصنة من الحصول على بيانات من جدول مواعيد رئيس الحزب ميرتس، الذي يشغل حاليا منصب المستشار الألماني. وقال ميرتس حينها إن الهجوم كان "الأخطر على بنية تكنولوجيا المعلومات لحزب سياسي في ألمانيا على الإطلاق".

مخاوف من أجهزة خارج قطاع الاتصالات

وتشمل القيود المقترحة أيضا معدات في قطاعات أخرى، مثل أجهزة المسح الأمني المستخدمة في نقاط التفتيش الحدودية، وأنظمة إمداد المياه، والأجهزة الطبية والصحية. وقالت نائبة رئيس المفوضية الأوروبية، هينا فيركونين، أمام أعضاء البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ بفرنسا، والذي سيطلب منه الموافقة على المقترحات: "يهدف مقترحنا إلى حماية مواطني الاتحاد الأوروبي وشركاته من خلال تأمين سلاسل توريد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي تدعم القطاعات الحيوية لاقتصادنا ومجتمعنا".

سنوات من التحذير

لسنوات، أوصت المفوضية الأوروبية وبشدة دول الاتحاد الأوروبي بعدم استخدام تكنولوجيا هواوي وزد تي إي في شبكاتها المتنقلة لأسباب أمنية. وترى المفوضية أن عددًا قليلا جدا من الدول استبعدت حتى الآن الشركتين المصنعتين من تشغيل شبكات الجيل الخامس.

ورغم التحذيرات المتكررة، وقعت إسبانيا عقدا بملايين اليورو مع هواوي العام الماضي، وهي خطوة انتقدتها نائبة رئيس المفوضية الأوروبية، هينا فيركونن.

خلال الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، تزايدت المخاوف بشأن التجسس والتخريب، وسادت مخاوف من إمكانية اعتراض المحتوى أو تعطيل الشبكات عن بُعد. بعد سنوات من المفاوضات، توصلت وزارة الداخلية الألمانية الاتحادية إلى اتفاق مع مشغلي الشبكات في صيف عام 2024. وبموجب هذا الاتفاق، لن يُسمح باستخدام مكونات هواوي وزد تي إي في شبكات الجيل الخامس الأساسية بحلول نهاية عام 2026 على أقصى تقدير. قد يستمر استخدام التكنولوجيا الصينية في أبراج الاتصالات حتى نهاية عام 2029.

حظر محتمل في مجالات أخرى من البنية التحتية الحيوية

لا تقتصر مخاوف الخبراء بشأن استخدام التكنولوجيا الصينية على الاتصالات المتنقلة فحسب، بل تمتد لتشمل مجالات أخرى من البنية التحتية الحيوية، مثل السكك الحديدية وقطاع الطاقة والشبكات الحضرية.

فعلى سبيل المثال، تُعد هواوي الشركة الرائدة عالميًا في مجال محولات الطاقة لأنظمة الطاقة الشمسية، وهذه الأجهزة الذكية متصلة بشبكة الكهرباء. يخشى بعض الخبراء سيناريو تهديد محددًا هنا: إذا تمكن طرف معاد من إيقاف أو التلاعب بآلاف من هذه المحولات في آن واحد، فإن استقرار شبكة الكهرباء سيتعرض للخطر.

ووفقا للتشريع المقترح، يمكن للمفوضية الأوروبية أيضا اتخاذ إجراءات في هذا المجال مستقبلا، من خلال التحقيق مع الشركات المصنعة التي تعتبرها تشكل مخاطر أمنية واستبعادها.

تحرير: حسن زنيند

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا