حذر الكاتب الأميركي ماكس بوت من أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجد نفسها أمام معضلة متكررة في سياستها الخارجية بسبب تفكيكها أسس القوة الناعمة التي لطالما شكّلت جوهر النفوذ الأميركي عالميا.
وأكد بوت -في مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست الأميركية- أن الولايات المتحدة تواجه عواقب ذلك في ملفات حساسة، من إيران إلى نيجيريا وفنزويلا، حيث لا تستطيع القوة العسكرية وحدها تحقيق نتائج مستدامة.
القوة الناعمة ليست بديلا عن القوة العسكرية فحسب، بل تُعَد شرطا أساسيا لجعل الخيار العسكري فعالا ومحدود الكلفة
وتكمن المشكلة -وفق الكاتب- في أن الولايات المتحدة أضعفت أدوات القوة الناعمة الأميركية بيدها، إذ استهدفت إدارة ترامب مؤسسات مثل الوكالة الأميركية للإعلام العالمي والوكالة الأميركية للتنمية الدولية.
وفسَّر المقال هذا التوجه بإدمان ترامب للقوة العسكرية، واعتقاده أنها حل حاسم وفعال وسريع لتحقيق أولوياته.
واستدل كاتب العمود بالصحيفة على ذلك بالإشارة إلى أن الرئيس هاجم خلال عام واحد فقط سبع دول، وهو العدد نفسه الذي هاجمه في ولايته الأولى، كما هدد دولا أخرى تشمل إيران وكولومبيا والمكسيك وكوبا وغرينلاند.
وعلى الرغم من نجاح بعض العمليات -مثل عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو– فإن الكاتب يرى أن هذه النجاحات لا تعالج جذور الأزمات، بل قد تؤدي أحيانا إلى نتائج عكسية.
وضرب المقال مثالا ب الضربة الأميركية في نيجيريا، إذ أطلق الجيش الأميركي 16 صاروخ توماهوك يكلف الواحد منها مليونَي دولار ضد جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة.
وكانت الضربات محدودة التأثير، ولم تُنهِ نشاط الجماعات المسلحة، بل تسببت لاحقا في تصعيد العنف ضد المدنيين. حتى أن الكاتب نقل عن مسؤول أميركي سابق قوله إن "قيمة الأهداف" لا تساوي حتى "قيمة صاروخ واحد".
وفي ملف إيران، أكد الكاتب أن استخدام القوة العسكرية سيكون أكثر تعقيدا وخطورة، إذ لا توجد قوات معارضة منظمة يمكن دعمها ميدانيا، كما قد تؤدي أي ضربة إلى توحيد النظام بدل إضعافه، فضلا عن خطر انزلاق الصراع إلى مواجهة إقليمية واسعة.
وأشار إلى أن هذا النوع من الأزمات يتطلب استخدام أدوات القوة الناعمة، في خطوات تشمل دعم الاحتجاجات الشعبية، وتسهيل تدفق المعلومات، ومواجهة الرقابة، وتعزيز الانقسامات داخل النخب الحاكمة.
وبدأ الكونغرس أخيرا بإدراك خطورة تجريد واشنطن من أدوات نفوذها غير العسكري، فلجأ إلى محاولات لإعادة تمويل مؤسسات القوة الناعمة، لكن الكاتب حذر من أن ما دُمّر خلال سنوات لا يمكن ترميمه بين ليلة وضحاها.
وخلص الكاتب إلى أن القوة الناعمة ليست بديلا عن القوة العسكرية فحسب، بل تُعَد شرطا أساسيا لجعل الخيار العسكري فعالا ومحدود الكلفة، وهو ما تفتقده الولايات المتحدة اليوم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة