في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
طهران- في وقت تتقاطع فيه لغة التهديد مع إشارات الانفتاح الدبلوماسي، أعاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي -في تصريحات خاصة للجزيرة- التأكيد على أن بلاده "مستعدة لكل الخيارات"، معربا في الوقت نفسه عن أمل طهران بأن "تختار واشنطن الخيار الحكيم".
وتعكس تصريحات عراقجي ازدواجية اللحظة السياسية الراهنة، حيث تحدث الوزير الإيراني عن أفكار مطروحة قيد الدراسة مع الجانب الأميركي، بما في ذلك احتمال عقد لقاءات مباشرة، مقابل تحذير صريح من أن إيران "مستعدة لاختبار الخيار العسكري" إذا قررت واشنطن تكرار ما وصفه بتجارب سابقة، مؤكدا امتلاك طهران جاهزية عسكرية أوسع مما كانت عليه خلال الحرب الأخيرة في يونيو/حزيران 2025.
وتأتي هذه المواقف في ظل احتجاجات داخلية تشهدها مدن إيرانية منذ أسابيع، وما رافقها من تصعيد في الخطاب الأميركي، حيث أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمس، التلويح بخياري الحرب أو الحوار مع إيران، في سياق إقليمي بالغ الحساسية.
وبينما تتهم طهران على لسان وزير خارجيتها "أطرافا" بالسعي إلى جر الولايات المتحدة نحو مواجهة عسكرية لخدمة مصالح إسرائيل، يطرح هذا التزامن بين التحركات الدبلوماسية والتوترات الداخلية والخارجية تساؤلات حول حدود التصعيد، وفرص التهدئة، وسيناريوهات المرحلة المقبلة في العلاقة بين إيران وواشنطن.
في هذا السياق، يرى أستاذ العلاقات الدولية عباس أصلاني، أن فرضية اندلاع حرب باتت مطروحة بجدية، مشيرا إلى أن طهران تتعامل مع هذا الاحتمال على هذا الأساس.
ويوضح أصلاني في حديثه للجزيرة نت، أن إيران سعت بالتوازي إلى رفع مستوى الجاهزية العسكرية، وإلى تحرك سياسي ودبلوماسي يعكس إدراكها لحساسية المرحلة، لافتا إلى اللقاء الذي عقده وزير الخارجية الإيراني، يوم الاثنين، مع السفراء الأجانب والذي شرح خلاله تطورات الأوضاع والقراءة الإيرانية للمشهد.
ويضيف أصلاني أن تصريحات وزير الخارجية الإيراني، التي أكد فيها أن إيران مستعدة للحرب كما هي مستعدة للتفاوض، تحمل دلالات واضحة، مفادها أن الانخراط في مواجهة عسكرية واسعة لا يشكل أولوية رئيسية لطهران، وأنها تفضل إرسال إشارات بانفتاحها على الحلول الدبلوماسية والمسارات التفاوضية.
بيد أن التشديد في الوقت ذاته على الجاهزية العسكرية -بحسب أصلاني- يعكس أن طهران تتعامل بجدية كاملة مع سيناريو الحرب، وتضعه ضمن حساباتها المحتملة في ضوء تطورات المرحلة.
ويشير أصلاني إلى أن بعض التقديرات في الولايات المتحدة وإسرائيل تعتمد على قراءة الاحتجاجات التي شهدتها إيران خلال الأسابيع الأخيرة، والتي شهدت تصاعدا نسبيا قبل أن تتمكن الأجهزة الأمنية من احتوائها، وفي هذا السياق، لا يُستبعد أن يسعى الطرف المقابل لتغيير ميزان القوى عبر تصعيد خارجي، مع احتمال ارتباط أي هجوم بهذه الاعتبارات جزئيا.
ويؤكد أصلاني أن السؤال الأهم المطروح لدى الأطراف الخارجية يتمثل في تأثير أي هجوم محتمل على الداخل الإيراني، مذكرا بما جرى خلال ما يُعرف بـ"حرب الأيام الاثني عشر" في يونيو/حزيران الماضي، حين أسهم التهديد الخارجي -وفق تعبيره- في تعزيز حالة من التماسك والوحدة داخل المجتمع الإيراني. كما يرى أن هذه الفرضية لا تزال حاضرة في النقاشات، وقد تؤثر إلى حد ما في حسابات الطرف المقابل.
وختم أصلاني بالقول إن المعطيات والتصريحات المتداولة حاليا تشير إلى أن احتمال الحرب، وإن لم يبلغ مستوى اليقين الكامل، فإنه يشغل حيزا مرتفعا جدا من التقديرات، ما يجعل هذا السيناريو مطروحا بجدية على طاولة الحسابات الإقليمية والدولية.
في هذا السياق، يعتبر المحلل السياسي حسين رويوران، أن سيناريو اندلاع حرب يظل احتمالا قائما لا يمكن استبعاده، خصوصا في ظل ما يراه مسعى أميركيا إسرائيليا لإحداث تغيير داخل إيران، ويلفت إلى أن هذا الطرح برز سابقا ضمن تصور عدواني تزامن مع توجيه دعوات إلى الشارع الإيراني للتحرك والتظاهر، في إطار التحضير لمواجهة عسكرية محتملة.
ويوضح في حديثه للجزيرة نت، أن المشهد تطور لاحقا، "إذ انقلب السيناريو مع تسلل مجموعات إلى صفوف المعترضين والمحتجين، قبل أن تتمكن السلطات من السيطرة على الوضع، ما أعاد طرح فرضية التدخل الأميركي الإسرائيلي في مرحلة لاحقة".
وأوضح رويوران أن مظاهر التردد التي تَظهر في موقفي واشنطن و تل أبيب تعود -إلى حد كبير- إلى اتساع حجم الحضور الشعبي (المؤيد للنظام) داخل إيران.
ويضيف رويوران أن هذا الحضور الشعبي، "فنّد ادعاءات المعارضة بأنها تمتلك الأغلبية والشارع"، مؤكدا أن النظام لا يزال يتمتع بقاعدة جماهيرية كبيرة، وأن أي مخطط يستهدف تغيير هذه المعادلة من الخارج يصطدم بدعم المجتمع للنظام السياسي القائم.
وشدد المحلل السياسي الإيراني على أن قرار الحرب ليس بيد طهران، بل هو قرار يعود إلى الطرف الآخر، مشيرا إلى أن خيار المواجهة العسكرية كان مطروحا سابقا لكنه فشل في تحقيق أهدافه، ومع ذلك لا يزال هناك تردد في الأوساط الغربية بشأن جدوى تكراره، في ظل قناعة متنامية بأن الحرب لن تفضي إلى النتائج المرجوة.
ويخلص رويوران إلى أن الولايات المتحدة والغرب مطالبون بالإقرار بعدم إمكانية تغيير النظام في إيران بالقوة، في ظل ما يحظى به من دعم شعبي، معتبرا أن الخيار الأكثر واقعية يكمن في الانخراط بحوار جاد وصريح مع طهران، والسعي إلى معالجة الملفات العالقة بين الجانبين، مبينا أن "نهج الإملاءات والتهديدات" الذي تتبعه الدول الغربية لن يفضي، إلى إحداث تحول جوهري في موازين القوى القائمة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة